|
|
|
السنة العراقيون ومشاركة إيجابية بالانتخابات العراقية البرلمانية
|
على
الرغم من أن المملكة العربية السعودية لم تكن
طرفا مباشرا في النزاع مع العراق منذ عام 1990
وصولا إلى الغزو الأمريكي عام 2003، فإن القضية
العراقية وتطوراتها قد استحوذت على اهتمام
صانعي القرار في المملكة لاعتبارات عديدة،
أولها: وجود حدود مشتركة بين المملكة والعراق،
فضلا عن تداعيات احتلال العراق، وما أعقبه من
عمليات القبض على متسللين سعوديين من وإلى
العراق. وثانيها: دور المملكة "القائد"
داخل منظومة دول مجلس التعاون الخليجي التي
يعنيها الوضع العراقي. وثالثها: التوتر الذي
شهدته العلاقات الأمريكية السعودية عقب
احتلال العراق، وما ترتب عليه من انسحاب
القوات الأمريكية من المملكة وإعادة تمركزها
في بعض الدول الخليجية الأخرى.
لقد
كان الموقف السعودي واضحا لدى غزو العراق
للكويت عام 1990، فشاركت السعودية في التحالف
الدولي لإخراج القوات العراقية من الكويت
ومواجهة سيطرة صدام على نفط المنطقة الشرقية
من المملكة، وظلت تعمل أثناء العقد الماضي من
أجل تسوية أزمة العراق مع مجلس الأمن،
واستقرار المنطقة، إلا أن الغزو الأمريكي
للعراق قد شكل تحديا جديدا أمام المملكة لعدة
اعتبارات، أولها: رغم الرغبة في التخلص من
نظام صدام حسين -متفقة في هذا مع بقية الدول
الخليجية- لكنها لم تكن ترغب في الإطاحة به من
خلال الحرب؛ لأن هذا معناه إقرار بسابقة
الإطاحة بالنظم من خلال التدخل الخارجي وهذا
تهديد للمملكة ذاتها، وثانيها: التغير
الذي شهدته القوى السياسية العراقية في أعقاب
الغزو من حيث صعود قوى (الشيعة والأكراد)
وإقصاء قوى أخرى (السنة)، وهو الأمر الذي من
شأنه أن يمثل تهديدا مباشرا للمملكة سواء على
الصعيد الداخلي (مطالب الشيعة) أو دورها
الإقليمي (تزايد دور إيران في المنطقة).
ونظرا
لهذه المخاوف، أبدت المملكة حرصها على وحدة
أراضي العراق واحترام سيادته واستقلاله
والالتزام بمبدأ عدم التدخل في شئونه وحق
الشعب العراقي في تقرير مصيره السياسي،
وأهمية تعزيز دور الأمم المتحدة من أجل
قيامها بمسئولياتها المحددة خلال الفترة
الانتقالية. وتعددت المواقف السعودية تجاه
العراق ابتداء بالمساعدات الإنسانية للشعب
العراقي، مرورا بالمشاركة في مؤتمرات دول
الجوار التي بلغت ستة مؤتمرات استضافت
المملكة أحدها، نهاية بالدور السعودي المهم
لترتيب عقد مؤتمر الوفاق العراقي بالقاهرة في
نوفمبر 2005.
الموقف
السعودي من العراق
ومع
التسليم بأن المملكة تحرص على وحدة العراق
وسلامة أراضيه ومشاركة كل القوى العراقية في
العملية السياسية دون إقصاء أو تهميش، فإن
المملكة لها أجندتها الخاصة وحساباتها
الدقيقة بالنسبة للقضية العراقية وتداعياتها،
يمكن قراءتها في ضوء القضايا التالية:
1
- الصعود الشيعي في العراق:
على
الرغم من إعلان المملكة التزامها بعدم دعم
طائفة دون أخرى في العراق، كما أشار وزير
الخارجية السعودي "سعود الفيصل" لصحيفة
الوطن السعودية 27-9-2005 بالقول "نحن لا
نتعامل مع السنة في العراق، نحن نتعامل مع كل
العراقيين"، فإن هناك مخاوف واقعية
للمملكة من الصعود الشيعي في العراق. على
الصعيد الداخلي، تصاعدت مطالب الشيعة في
أعقاب الغزو الأمريكي للعراق، ففي 18 إبريل
عام 2003 صرح الشيخ "حسن الصفار" أحد أكبر
علماء الشيعة في المملكة قائلا "آمل أن
تؤدي التغييرات في العراق إلى تحسين أوضاع
الشيعة السعوديين"، وفي 30 إبريل من العام
ذاته قام وفد مكون من 18 شخصا يمثلون الشيعة في
المملكة بتقديم مذكرة موقعة من نحو 450 شيعيا
إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز (ولي العهد
آنذاك) بعنوان "شركاء في الوطن" طالبوا
فيها بتحسين أوضاعهم، وأن تتاح أمامهم الفرص
لتقلد مناصب عليا في الدولة، كما قدم بعض
الشيعة في إحدى جولات الحوار الوطني ورقة
تضمنت توصيفا لموقف المناهج التعليمية في
السعودية من الشيعة.
أما
على الصعيد الخارجي.. كغيرها من الدويلات التي
قد تنشأ على أنقاض الدولة العراقية، قد تنشأ
دولة شيعية في الجنوب العراقي، الأمر الذي
يعني زيادة نفوذ إيران في منطقة الخليج أخذا
في الاعتبار أن دول الخليج ليس بها أي مرجع
شيعي والزعماء الشيعة فيها هم وكلاء للمراجع
سواء في النجف أو قم أو بيروت. وهنا يمكن
الإشارة إلى ذلك الاجتماع الذي عقده القادة
الأمنيون في محافظات العراق الجنوبية خلال
شهر ديسمبر الجاري والذي عقد بهدف مواجهة
التفجيرات التي يشهدها العراق، إلا أن اقتصار
هذا الاجتماع على محافظات الجنوب التي توجد
بشأنها دراسات حول الانفصال، يشير إلى تجاوزه
للبعد الأمني.
ومن
ثَم تبدو معضلة الخلل في التوازن الإقليمي
بين الدول الخليجية الست والعراق وإيران
عاملا جوهريا في الحسابات السعودية، وهو ما
يفسر الدعم الخليجي للعراق إبان حربه مع
إيران في الثمانينيات خوفا من الهيمنة
الإيرانية.
بمعنى
آخر، الموقف السعودي الراهن من الصعود الشيعي
في العراق المدعوم إيرانيا هو امتداد لخبرات
الماضي (محاولات إيران تصدير الثورة لدول
الخليج) ومعطيات الحاضر (المؤشرات الأكيدة
على النفوذ الإيراني في العراق)، وهو ما لم
يخفه المسئولون السعوديون، حيث قال وزير
الخارجية السعودية سعود الفيصل "إن سياسة
الولايات المتحدة في العراق تعمق الانقسامات
الطائفية إلى حد أنها تسلم البلاد فعليا إلى
إيران". ويعكس هذا التصريح المخاوف
الحقيقية للمملكة من ازدياد نفوذ إيران خاصة
أن 10% من الشيعة من سكان المملكة يقطنون
المنطقة الشرقية الغنية بالنفط. ومما يزيد من
نفوذ إيران أيضا هو التخلص من نظام طالبان
الأصولي السني في أفغانستان والذي كان يمثل
تهديدا لها، ثم التخلص من نظام صدام حسين الذي
كان يشكل توازنا إستراتيجيا مهما في المنطقة.
وقد حققت إيران تلك المكاسب دون أن تدخل في أي
حروب ونزاعات، وبالتالي لا تزال تحتفظ بقوتها
العسكرية كاملة بل تسعى لتطويرها، وهو ما
تؤكده التقارير الدولية المعنية، فبعيدا عن
القضية النووية يُعَد تطوير الأسلحة
التقليدية أولوية قصوى لدى صانعي القرار في
إيران.
ومن
ناحية أخرى ترى المملكة أن حكم الأغلبية
الشيعية في العراق بالتحالف مع الأكراد قد
يؤسس لوضع جديد، بحيث يصبح العراق منافسا
إقليميا للمملكة، خاصة في ظل قيام الولايات
المتحدة بسحب قواتها من المملكة، وبدء
الإدارة الأمريكية في بناء 14 قاعدة عسكرية
جديدة في العراق، مما يعني أن بغداد ستصبح
طرفا رئيسيا سوف تعتمد عليه الولايات المتحدة
مستقبلا بشأن التصورات الأمريكية للمنطقة
عموما.
ورغم
ما أبدته الولايات المتحدة من تفهم لقلق
المملكة إزاء الاختراق الإيراني للعراق،
وتصريح "ديفيد وولش" مساعد وزيرة
الخارجية "إننا لسنا متحالفين أو متواطئين
مع الحكومة الإيرانية ولا نعمل لتسليم العراق
إلى الإيرانيين"، معتبرا أن "خطر
الاختراق الإيراني وبخاصة في جنوب العراق
سببه ضعف البنية السياسية العراقية التي تسمح
بتغلغل خفي للنفوذ الإيراني"، إلا أن مخاوف
المملكة لا تزال على حالها في ضوء تداول بعض
الدوائر غير الرسمية في أمريكا لفكرة تقسيم
المملكة ذاتها إلى دويلات تكفل حقوق الأقليات،
وبخاصة من جانب جماعات الضغط اليهودية التي
تقدم أنصارها للكونجرس الأمريكي بمشروع
قانون أطلق عليه "قانون محاسبة السعودية"،
فضلا عما رددته تلك الجماعات من أن المملكة
تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل.
2
- عدم استقرار العراق:
تشير
المصادر الرسمية السعودية إلى عبور العديد من
الشباب إلى أراضي العراق ومن ذلك ما أشارت
إليه صحيفة الحياة في 22-9-2005 أن 15 شابا من أبناء
قبيلة واحدة في الطائف توجهوا إلى العراق.
ويبلغ عدد المقاتلين السعوديين في العراق 2%
من إجمالي المقاتلين هناك، وهو الأمر الذي
يلقي على المملكة عبئا أمنيا في ظل ما تشهده
من عمليات إرهابية استهدفت العديد من الأجانب
والمنشآت النفطية المهمة.
وعلى
الجانب الاقتصادي يُعَد استقرار العراق من
الناحية الاقتصادية أمرا مهما بالنسبة
للمملكة؛ نظرا للأهمية المحورية للنفط
العراقي في السوق العالمية للنفط، حيث ينعكس
الاستقرار الأمني والسياسي في العراق
بالإيجاب على استقرار الأسواق العالمية، ومن
ثَم لا تضطر المملكة من حين لآخر إلى تعديل
سياساتها النفطية لتغطية احتياجات الأسواق
العالمية. كذلك يؤثر سوء الوضع الأمني على
الاستثمار السعودي في العراق، حيث تكبدت
الشركات السعودية خسائر فادحة نتيجة ازدياد
عمليات الخطف في العراق، كما أنه من شأن
الاستقرار تفعيل مستوى التبادل التجاري بين
العراق والسعودية التي تعتبر السوق العراقية
سوقا واعدة.
السعودية
والانتخابات العراقية
المعطيات
السابقة وما يجمعها من تشابك وتداخل كبيرين
يؤثر على المصالح السعودية داخليا وإقليميا
بل عالميا، بدءا من المخاوف المتعلقة بالصعود
الشيعي داخليا وإقليميا وعدم انفصال هذا
الأمر عن الجانب الإيراني، مرورا بمعادلة
الاستقرار والتوازن الصعب في المنطقة ودور
العاملين الأمريكي والإيراني في ذلك،
وانتهاء بالحرص على استقرار العراق وما يعنيه
من استقرار للسوق العالمية للنفط، كل ذلك حفز
المملكة على التحرك الإيجابي قبيل
الانتخابات العراقية القادمة للتقليل قدر
الممكن من هذه التخوفات المتعددة. وهو تحرك
جمع بين الديناميكية التي مكنت المملكة من
مخاطبة كل الأطراف المعنية، وبين الحرص على
وحدة العراق أرضا وشعبا. ويمكن القول إن أوجه
التحرك قد تعددت، وجرى التنسيق على أكثر من
جانب كما يلي:
1
- أكدت المملكة أنها تتعامل مع كل العراقيين
لا السنة وحدهم، وهو ما حدا بالشيخ "الصفار"
إلى القول "أعتقد أن هناك تهويلا في الحديث
عن فوز الشيعة في العراق فهم مواطنون عراقيون
تهمهم مصلحة بلادهم ويفكرون وطنيا وقوميا
وليس بالمنطق الطائفي والمذهبي". وتُعَد
هذه رسالة طمأنة مشتركة من الطرفين على
المستوى الداخلي.
2-
استقبلت المملكة يوم 29-11-2005 رئيس الوزراء
العراقي "إبراهيم الجعفري" وهو ممثل
للقائمة الشيعية. وتعكس طبيعة ونتائج هذه
الزيارة الحرص السعودي على التنسيق مع أهم
الأطراف العراقية بما يضمن سلامة العملية
السياسية في العراق.
ويدرك
العراقيون أنفسهم دور المملكة المهم والفاعل
تجاه قضايا العراق وهو ما أكد عليه الرئيس
العراقي "جلال طالباني" بقوله "العلاقات
السعودية العراقية علاقات طبيعية وهناك نقاط
مشتركة كثيرة، ونتمنى أن تكون علاقاتنا جيدة،
بل وممتازة مع المملكة العربية السعودية،
وأنا من الذين يؤمنون بأهمية ذلك ويعملون
لهذا الهدف".
3
- لم تغفل السعودية أهمية التنسيق مع الجانب
الإيراني، فقد سبقت زيارة "الجعفري"
زيارة للمستشار الخاص للمرشد الأعلى للثورة
الإسلامية "علي خامنئي" للمملكة، وهو ما
يعني أن المملكة بدأت بالتنسيق مع كافة
الأطراف لضمان مشاركة السنة في العملية
السياسية القادمة، فضلا عن رغبة المملكة
تفعيل قناة اتصال لها مع طهران التي تؤكد بعض
المصادر أن عناصرها الاستخباراتية بدأت
تتدخل في الحملة الانتخابية الحالية في
العراق، وأنها تجند شبابا وتروج لقوائم
انتخابية ومرشحين مقربين من إيران. وبغض
النظر عن صحة تلك المعلومات من عدمه، فإن
الأمر الثابت هو أن ثمة تحسنا ملحوظا في
العلاقات العراقية الإيرانية على المستوى
الرسمي إذا ما قورنت بالعلاقات السعودية
العراقية، وهو ما دفع المملكة إلى ضرورة
التنسيق مع الإيرانيين لضمان تمثيل كافة
أطياف الشعب العراقي في العملية الانتخابية.
4
- ثمة عدة مصادر إعلامية تناقلت أنباء حدوث
اتصالات دبلوماسية خليجية مصرية مع قادة
السنة في العراق ترتب عليها اقتناع السنة
بدخول العملية السلمية لتجاوز مخطط التهميش
والإقصاء الذي يستهدفهم. ومؤدى هذا الاقتناع
هو أن البرلمان العراقي المقبل سوف يتولى
عملية إدخال التعديلات على الدستور العراقي،
وبالتالي فإن وجود السنة في أهم مؤسسات العمل
السياسي وهو البرلمان من شأنه أن يتيح لهم
تعديل هذا الدستور بما يحمي مصالحهم. هذا
إضافة إلى دور السعودية ومصر في عقد مؤتمر
الوفاق العراقي بالقاهرة في نوفمبر 2005.
5
- حرصت المملكة على إبداء تخوفها تجاه الوضع
العراقي للولايات المتحدة، خاصة بعد إقرار
الدستور العراقي، وطالبت صراحة بضرورة
مشاركة كافة العراقيين في إدارة شئونهم. وهو
ما ينعكس في التصريحات الأمريكية التالية
التي أكدت حرصها على أن يعمل جميع الأطراف
العراقية الشيعية والسنية والكردية للعمل
معا من أجل وحدة العراق، وهو ما جعل وزيرة
الخارجية "رايس" تدعو المملكة السعودية
يوم 11-11-2005 إلى حث العرب السنة على المشاركة
الإيجابية في الانتخابات البرلمانية، وعلى
اندماج العراق في محيطه العربي.
ولا
ينفي ذلك أن الولايات المتحدة ذاتها وهي تسعى
إلى جدولة الانسحاب من العراق، تخشى من طغيان
الطائفية، وتمدد النفوذ الشيعي أكثر مما يجب،
أو سعي الأكراد للانفصال، وهو ما يؤدي إلى فشل
ما تحاول زرعه من ديمقراطية وليدة بالعراق.
وهنا تلاقت المصلحتان الأمريكية والسعودية
على ضرورة وحدة العراق ومشاركة السنة بفاعلية
في مؤسسات الدولة.
وأخيرا،
فإن المملكة حاولت أن تمسك بكافة خيوط اللعبة
بما يضمن عدم استبعاد السنة العراقيين من
العملية السياسية أو انفراد الشيعة بها، ومن
ثَم جرى تنسيق مع المحيط العربي، ومع
العراقيين أنفسهم، إضافة إلى الجانبين
الأمريكي والإيراني وسط سعي عربي عام وإن كان
متأخرا لإيجاد رأي عربي واضح فيما يختص
بالعراق ومستقبله.
اقرأ
أيضًا:
**
باحث متخصص في
القضايا الخليجية.