 |
|
مسلحون بالعاصمة مقديشيو في تبادل لإطلاق النار |
يأبى الصومال أن يتوقف عن مسلسل الصراع المسلح والحرب الأهلية التي
دمرت الدولة وكافة مظاهرها طيلة الخمسة عشر عاما الماضية. ولا يعود هذا
الوضع فقط إلى مواقف الأطراف الداخلية المتنازعة، ورفض زعماء الحرب
وأمراؤها وضع حد للحرب الأهلية الدائرة هناك منذ بداية تسعينيات القرن
الفائت، وإنما أيضا لما تضطلع به أطراف تود تأجيج حدة الصراعات الداخلية في
الصومال، أو إيجاد موطئ قدم هناك؛ منعا لانتشار عناصر موالية لتنظيم
القاعدة الذي تقول التقارير بأنه منتشر بكثافة في هذه المنطقة الإفريقية.
فالولايات المتحدة ربما عقدت ما يمكن أن يطلق عليه "صفقة ربح"
مع قيادات "تحالف إرساء السلام ومكافحة الإرهاب" لمواجهة مليشيات "اتحاد
المحاكم الإسلامية". ومعلوم أن التحالف قد ظهر على الساحة الصومالية
كتنظيم سياسي قبل أشهر قليلة، ودفع ظهوره إلى انفجار الحرب بين مليشياته
والمليشيات التابعة لاتحاد المحاكم الإسلامية؛ وهو ما أثمر عن مقتل العشرات
وجرح المئات من عناصر الطرفين ومدنيين صوماليين.
انهيار الدولة
إن إحدى أهم النتائج التي ترتبت على استمرار الحرب الأهلية في
الصومال منذ بدايات العقد الأخير من القرن الخالي، تمثلت في انهيار الدولة،
حيث أدت الحرب الأهلية في الصومال إلى سقوط نظام حكم سياد بري، ولكن دون أن
ينجح أي نظام حكم بديل في القبض بقوة على سدة الحكم، في ظل العجز عن تنصيب أي
حكومة ائتلافية وانفصال شمال الصومال وتقسيم باقي مناطق البلاد بين أمراء
الحرب، وهي عوامل في مجملها كانت محددات رئيسية في بروز التحديات التي تواجه
نتائج مؤتمر نيروبي بكينيا، والذي قضى بتأليف برلمان استطاع أن يختار رئيس
البلاد وحكومة وحدة وطنية.
وقد تسبب النهج المهادن الذي اتبعته الحكومة الصومالية الانتقالية
بقيادة رئيس الوزراء الصومالي علي محمد جيدي مع قادة "اتحاد المحاكم
الإسلامية"، -والذي تأسس عام 1997 في ظل غياب حكومة مركزية منذ سقوط حكومة
سياد بري عام 1991 وحلول الفوضى بالبلاد- في "تمرد" بعض جنرالات الحرب على
اتفاق نيروبي والحكومة ذاتها الذين أضحى بعضهم وزراء فيها، ومنهم وزير
الأمن الوطني محمد قنيري أفرح وآخرون كانوا على خلاف مع الرئيس ورئيس
الوزراء وبقية أعضاء الحكومة في بعض الأمور كان من أهمها طريقة التعاطي مع
"اتحاد المحاكم"؛ وهو ما قوض الكثير من نشاطات الحكومة.
قيادات "التحالف"
وجاء ظهور "التحالف" على الساحة الصومالية في شهر فبراير 2006
بدعم من الولايات المتحدة، ليكون تنظيما مناوئا لمليشيات اتحاد المحاكم
الإسلامية التي تسيطر على ما يقرب من 80% من العاصمة الصومالية مقديشيو، بحسب
الأمم المتحدة. وعلى الرغم من عدم تصريح الولايات المتحدة بدعمها الرسمي "لتحالف
إرساء السلام ومكافحة الإرهاب"، فإنها أبدت في مناسبات عديدة قلقها
لتنامي نشاط عناصر القاعدة في جنوب الصومال.
وفي هذا الصدد، يأتي دعمها لقيادة "التحالف" للتمكن من محاصرة
عناصر "القاعدة" المشتبه في وجودهم بجنوب الصومال، ويعتقد أنهم من
الأجانب وخاصة السودانيين واليمنيين.
وقد أعلن التحالف برنامجه في اليوم الأول من تأسيسه في 18 فبراير 2006،
وعرّف نفسه على أنه حزب سياسي يسعى إلى استعادة الأمن والاستقرار في ربوع
البلاد، ويعمل على توفير الخدمات الضرورية للمجتمع الصومالي من خلال
استعادة الخدمات الصحية والتعليمية وإعادة الأعمار، مؤكدا عزمه على مكافحة
الإرهاب والقبض على الإسلاميين المتطرفين الوافدين من الخارج، وكذلك إلحاق
الهزيمة بالجهات الصومالية التي توفر الأمن لهؤلاء الأجانب المعادين
للصومال.
ويضم "التحالف" في عضويته مجموعة من زعماء الحرب التقليديين
ووزراء في الحكومة الصومالية، وكذلك رجال أعمال كانوا يمولون الحرب الأهلية
المشتعلة منذ إسقاط الحكومة العسكرية بقيادة الجنرال محمد زياد بري عام 1991.
ومن أبرز الشخصيات التي تنتمي إلى هذا التحالف:
أولا، موسى سودي يلحو، وزير التجارة في الحكومة الانتقالية، والذي
ظل لفترة طويلة الساعد الأيمن لعلي مهدي محمد في حربه ضد الجنرال محمد فارح
عيديد في بداية التسعينيات، غير أنه تمرد عليه منذ الاتفاق الذي وقعته
الفصائل الصومالية في القاهرة عام 1997، والذي كان علي مهدي من موقعيه، ثم غدا
بعد ذلك عضوا في البرلمان والحكومة الانتقاليين اللذين تم تشكيلهما في
نيروبي عام 2004.
ثانيا، محمد قنيري أفرح، وزير الأمن في الحكومة الصومالية
الانتقالية، تدرج في سلم قيادة مليشيات في أثناء الحرب الأهلية حتى بات قائد
أحد الأطراف المتنافسة في السيطرة على العاصمة. وقد امتلك قنيري أحد
المطارات التي تم من خلالها نقل إسلاميين إلى أمريكا، ذلك إلى أن أغلقته "المحاكم
الإسلامية" بعد بداية المواجهة العسكرية مع "التحالف".
ثالثا، بشير راجي شيرار، رجل أعمال كان يمول الحرب الأهلية لصالح
علي مهدي محمد ضد الجنرال عيديد، وله مليشيات ومعاقل في شمال العاصمة
مقديشيو، وكان يمتلك أحد المطارات التي يتم بواسطتها ترحيل الإسلاميين إلى
الخارج، إلى أن فقد سيطرته عليه خلال المعارك التي خاضتها مليشياته مع "المحاكم
الإسلامية".
رابعا، العقيد عبدي حسن عواله، قائد مليشيات الجنرال عيديد الراحل
في حربه مع القوات الأمريكية في مقديشيو 1993. وقد استهدفت الطائرات الأمريكية
منزله في إحدى المعارك؛ وهو ما أسفر عن مقتل العشرات من أنصار محمد فارح
عيديد. وعبدي حسن معروف أنه مقاتل شرس ينتمي إلى قبيلة هبرغدر المسيطرة في
جنوب العاصمة، غير أنه يفتقر آنيا إلى تأييد قبيلته، جراء انضمامه إلى هذا
التحالف الذي يفتقد التأيد الشعبي جراء صلاته بأمريكا.
اتهامات متبادلة
توجه قيادات "التحالف" إلى "اتحاد المحاكم الإسلامية" -والذي
يعد قوة سياسية مهيمنة عابرة للقبائل والانقسامات العشائرية، ويحتكم
للمرجعية الإسلامية- اتهامات بأنه يؤوي عناصر "إرهابية" على صلات
بتنظيم القاعدة، وأنهم الجهة المسئولة عن نقل العناصر الأجنبية الإرهابية
إلى البلاد وحمايتهم لمتورطين في تنفيذ الهجمات الإرهابية على السفارة
الأمريكية في كل من كينيا وتنزانيا عام 1998 وأسفرت عن مقتل 224 شخصا، وكذلك
حماية متورطين في الهجوم على أحد الفنادق الكينية التي تستقبل سياحا
إسرائيليين في مومباسا عام 2002 والذي أسفر عن مقتل 18 شخصا.
وقد زعم محمد قنيري أفرح في هذا السبيل أن الولايات المتحدة طالبت
"التحالف" رسميا بالقبض على هؤلاء الأجانب مقابل أن تمنع أثيوبيا من أن
تتدخل في الصومال تحت ذريعة ما يسمى مكافحة الإرهاب، وقد استدعى هذه الأمر
اتهامات مقابلة من قبل قادة المحاكم الإسلامية تجاه قيادات التحالف، بأنهم
تلقوا أمولا طائلة من الولايات المتحدة الأمريكية، وأنهم يتعاونون مع
الاستخبارات الأمريكية، بهدف القضاء على المحاكم الإسلامية، إضافة إلى أن
أعضاء من التحالف يضطلعون بشكل مباشر في اغتيال وتسليم إسلاميين إلى دول
أجنبية مثل أمريكا وأثيوبيا.وفي مواجهة ذلك ثمة نفي شديد من قبل أعضاء
التحالف الذين يرفضون ما يثار بشأن تلقيهم أموالا من جهات خارجية، ويؤكدون
على أنهم يتحركون بقناعات داخلية، ومن دافع شعورهم بأن الصومال على وشك أن
يتحول إلى أفغانستان ثانية، وأن الأراضي الصومالية قد تمثل بالنسبة للعناصر
"الإرهابية" قاعدة انطلاق لضرب مصالح حيوية دولية، وأن تعاونهم مع
أمريكا وغيرها من الدول لا يعدو أكثر من محض تعاون يأتي وفق مصالح متبادلة
ودون تحصيل مقابل مادي لصالح أي من قيادات التحالف.
"صفقة الربح"
ثمة تصريحات أمريكية تلمح إلى وجود صفقات مع "تحالف الإرهاب"
من أجل أن تعتقل وتسلم شخصيات تدعي علاقاتها بتنظيمات إرهابية سواء أكانوا
من خارج الصومال أو من قيادات "اتحاد المحاكم الإسلامية الذين يعتبرون
وفق النظرة الأمريكية "شخصيات شريرة" تسعى للسيطرة على البلاد وإقامة
حكم إسلامي متشدد على غرار نظام حركة طالبان الأفغانية وإيواء عناصر
إرهابية تنتمي إلى تنظيم القاعدة، هذا في حين تعتبر القبائل الصومالية
المحاكم تجمعات عشائرية تهدف إلى القضاء على الفوضى العارمة في البلاد.
وفي هذا السبيل يشير الدكتور عبد الوهاب فارح -الباحث في الشئون
الصومالية- إلى أن تصريحات المسئولين الأمريكيين والعديد من التقارير
الغربية تؤكد حقيقة وجود صفقة مشينة بين قيادات "التحالف" والولايات
المتحدة الأمريكية، وأن هناك إصرارا أمريكيا على التعامل مع قيادات "التحالف"
التي تشجع العنف وتساهم في صناعة الفوضى في الصومال. وتساءل فارح عن الدوافع
التي تقف وراء عدم ممارسة الولايات المتحدة أية ضغوط على زعماء الحرب من أجل
الالتزام ودعم ومساعدة حكومة الوحدة الوطنية التي تعمل على إعادة الأمن
والاستقرار في الصومال؟.
ويستدل الباحث الصومالي على حقيقة وجود صفقة بين زعماء الحرب
وأمريكا بالتحقيق الذي نشرته جريدة Daily Nation التي صدرت في نيروبي مؤخرا،
والذي تضمن تقريرا مفصلا عن اتفاقات تمت بين وكالة الاستخبارات الأمريكية
وممثلين من "تحالف محاربة الإرهاب" في الصومال، قدمت خلالها واشنطن
لقادة "التحالف" 8 ملايين دولار لتنفيذ المرحلة الأولى من عملية القبض
واعتقال شخصيات إسلامية من العاصمة الصومالية مقديشيو وتسليمها إلى المكتب
الإقليمي الأمريكي المخول في عملية مكافحة الإرهاب في جيبوتي.
ويرى المحلل والمختص بالشئون الصومالية أن السياسة الأمريكية في
الصومال تأتي وفق خطة أطلق عليها "صفقة الربح" هدفها أن تفوز واشنطن
بالمعركة الدائرة على الأراضي الصومالية، دون أن تلقي بنفسها في المستنقع
الصومالي، وكذا بدون أن تفقد عسكريا أمريكيا واحدا في ساحة هذه المعركة، لا
سيما في ظل الخبرة المريرة المستمدة من تجربتها السابقة مع الصوماليين.
وتعمل الولايات المتحدة منذ فترة على حصار "اتحاد المحاكم
الإسلامية"، سواء على الساحة العسكرية عبر تدعيم زعماء الحرب المناوئين
مثل "التحالف لإرساء السلم ومكافحة الإرهاب"، أو عبر إجراء مفاوضات
رسمية مع ممثلين من أكبر القبائل الصومالية الداعمة لـ"اتحاد المحاكم
الإسلامية" لإقناعها برفع دعمها عن الاتحاد والتعاون مع الأمريكيين ضده.
بيد أن المواجهات الطاحنة التي واجهها حلفاء الولايات المتحدة في
الصومال على الصعيد العسكري وأفضت إلى خسارة قواعد عسكرية مهمة كانت تابعة
لبعض قيادات "التحالف"، لن تكون وطأة المواجهات على صعيد اكتساب دعم
القبائل الصومالية الكبرى أقل منها، ذلك في ظل تكثيف قيادات "المحاكم"
جهودهم لتأمين استمرار تأييد زعماء القبائل من خلال تبديد الشكوك حول ما
أثارته الولايات المتحدة عن علاقة "المحاكم" بجهات خارجية من بينها
تنظيم القاعدة، وكذا من خلال إلقاء الخطب الملتهبة عبر الإعلام لتأجيج
العاطفة الإسلامية لدى المواطنين وحثهم على "محاربة الأمريكان وعملائهم"؛
الأمر الذي قد يصيب "صفقة الربح" الأمريكية بفشل ذريع، لا سيما في ظل
دعم الرئيس الصومالي عبد الله يوسف وبقية أعضاء الحكومة غير المنضوين في
التحالف لقيادات "المحاكم الإسلامية".
|