 |
|
الأمن يعتدي على المتضامنين مع القضاة |
لماذا اشتدت فجأة مظاهر
الأزمة السياسية التي تعيشها مصر منذ
فترة؟
لا يرى كثيرون سببا جوهريا
لتفاقم هذه الأزمة السياسية. فقد ظهر
واضحا أن مصر ليست جاهزة تماما للتغيير
والإصلاح المنهجي. وثمة مؤشرات تؤكد
ضعف قوى الإصلاح والتغيير السياسي.
فأداء جميع القوى والأحزاب السياسية
الحكومية والمعارضة في الانتخابات
البرلمانية الماضية ليس مما يشهد لقوة
الاهتمام السياسي بين المصريين، بل
بالعكس هو شاهد مؤلم على شدة الاغتراب
السياسي للجماهير بشتى أقسامها وطبقاتها.
وأداء الأحزاب السياسية
المعارضة بل والحركات الاجتماعية الجديدة
في هذه الانتخابات نفسها لم يكن مشجعا
إطلاقا كما هو معروف. ويزيد من مدى
الدهشة أن المظاهرات والمسيرات
والاعتصامات وغيرها من مظاهر وأنشطة
المعارضة والحيوية السياسية الجديدة لم
تشهد أي قدر من الإسناد الشعبي أو التأييد
الجماهيري. وهي بهذا المعنى لم تشكل أي
مصدر للقلق على الاستقرار السياسي, بل
لم تشكل سببا حتى لأزمة مرورية بصورة
ملحوظة عما تعانيه القاهرة من مشكلات
مرورية.
وخلال الأسابيع القليلة
الأخيرة، تركز المشهد السياسي في الصراع
حول مستقبل قانون السلطة القضائية الذي
تقدم به نادي القضاة. ووفقا لخطاب
الدولة فإن هذا الصراع داخلي، ويقع بين
قضاة وليس للحكومة أو السلطة التنفيذية
دور فيه. وأيا كان حجم التأييد لمطالب
نادي القضاة بين النشطاء السياسيين
والحركات الإصلاحية الجديدة فنحن نتحدث
في النهاية عن مظاهر نوعية وليست كمية.
المعتصمون بالقرب من نادي القضاة
لم يكونوا بالمئات، بل ربما لم يزيدوا
عن عشرات قليلة في أي وقت، والنقاش كله
كان يدور في الجرائد أكثر بكثير مما يدور
في الشوارع، والاهتمام الجوهري بدا
محصورا في مئات أو بالأكثر آلاف قليلة من
المصريين.
تفسيرات المشهد
فلماذا إذن ما حدث خلال
الأسبوعين الماضيين؟ لماذا تحشد الدولة
آلافا مؤلفة من الجنود والضباط في مواجهة
عدة عشرات من المتظاهرين؟ ولماذا ضحت
الدولة بمظهر الحياد في النقاش حول قانون
السلطة القضائية والنزاع بين نادي القضاة
ومجلس القضاة الأعلى بهذا المشهد الأمني
الهائل؟ ولماذا تضحي الدولة باعتبارات
العلاقات العامة مع الإعلام الأجنبي الذي
تنفق على استضافته وإكرامه الكثير؟
ولماذا تضحي الدولة بمظهر الرسوخ
والرصانة واحترام القانون والحريات بهذا
الاستعراض المخيف للخشونة المتعمدة مع
الإعلام المصري والعربي الذي يملك مفتاح
صورتها في الخارج والداخل؟...
وبإيجاز لماذا قامت الدولة بهذا
الاستعراض المريع للقوة الغاشمة يوم
الخميس الماضي رغم التكلفة الكبيرة وضآلة
التهديد الذي تواجهه كما أشرنا؟
إذا استبعدنا الاعتبارات
اللاعقلانية فإن التفسيرات تبدو محصورة
في ثلاث نظريات أشاعتها الصحف المصرية
الخاصة بالذات:
النظرية الأولي تندرج تحت ما
يسميه علماء السياسة بالسياسات
البيروقراطية. ووفقا لهذا التفسير فإن
المسيرة البوليسية العملاقة والتشدد
الأمني الصلد الذي ظهر خلال الأسبوعين
الماضيين هو تعبير عن مصلحة خاصة بوزارة
الداخلية وبجهاز الشرطة بوجه عام.
ويقوم هذا التفسير على أن هذا
الجهاز شعر بجروح كبيرة خلال العام الماضي
سواء بسبب بعض النقد الموجه له في الصحف أو
بسبب التحدي الكبير الذي مثلته المظاهرات
والمسيرات المتكررة خلال العام ونصف
العام الماضي، فضلا عن التحدي الماثل في
عودة الإرهاب بضربات مؤلمة في دهب.
ولا شك أن ثمة بعض الوجاهة في هذه
النظرية, ولكنها مع ذلك تبدو ضعيفة
للغاية. فلماذا يرغب هذا الجهاز الذي
يتمتع بخبرات كبيرة في تأكيد ما اتهم به
دائما من أن اعتماده على القوة المفرطة
والزائدة عن الحاجة الموضوعية,
واحتقاره لمعنى القانون والحريات العامة
بزعم استعادة هيبته؟ وهل تكون استعادة
الهيبة بهذا النوع من المسيرات التي تثير
الرعب وترهب المواطنين أم باستعراض
المهارات الأخرى، أي المهارات التي
يحتاج فيها المجتمع فعلا لجهاز بوليس
احترافي وهي المهارات المهنية والعلمية؟
أما وجه الاعتراض الأهم على تلك
النظرية فهو أنها تختزل النظام السياسي في
جهاز الشرطة, وهو اختزال غير مقبول حتى
في بلد تتمتع فيه الشرطة بقوة هائلة وتمنح
سلطات لا تكاد تتقيد بشيء. ومعنى ذلك أن
هذا التشدد الأمني ليس قرارا شرطيا ولا
يخص السياسات البيروقراطية للجهاز وإنما
هو قرار سياسي.
وهنا يأتي مقام النظرية الثانية:
وتقول بأن الاستعراض الأمني الذي
يثير الرهبة فعلا خلال الأسابيع القليلة
الماضية لم يكن يستهدف مجرد منع مظاهرة
بعينها وإنما منع ومصادرة المظاهرات
عموما. وكان التظاهر السياسي هو المظهر
الباقي مع النقد والحيوية الفائقة
والمعارضة الشديدة من جانب الصحف الخاصة
للحراك السياسي خلال العام الماضي.
فقد دارت مصر دورة كاملة حول
نفسها من الناحية السياسية والدستورية
خلال عام لتعود إلى ما كانت عليه بالضبط
دون زيادة أو نقصان, ودون إصلاح سياسي
أو مؤسسي أو دستوري يذكر, بل وبدون
تغيير بعض أهم التقاليد السياسية الممتدة
مثل طريقة إدارة الانتخابات العامة,
ودون تغيير يذكر في علاقة الدولة
بالمواطنين.
بقيت مظاهر قليلة غير مألوفة
بالنسبة للنظام السياسي منذ يوليو 1952،
وأهمها التظاهر السياسي. ومن هذه
الزاوية فإن المشهد الأمني المخيف يوم
الخميس الماضي يستهدف في الحقيقة إنهاء
ممارسة التظاهر السياسي مرة واحدة وإلى
الأبد من جديد.
ويتفق هذا التفسير مع نوع
المبررات التي تستخدمها الجهات المهنية
لتفسير هذا المشهد، مثل حماية الممتلكات
العامة والخاصة والاستقرار السياسي.
ومن حسن الحظ أن الإعلام لم يكرر الخطاب
التقليدي بحذافيره بمصطلحات مثل القلة
المندسة وإن كانت الأقلية المنحرفة تغني
عن تلك المندسة وتزيد.
ويشير هذا الخطاب إلى أن المقصود
والمتوقع هو وقف التظاهر السياسي عموما
وبصورة دائمة وإلا كان يكفي ما شدد عليه
هذا الخطاب الأمني مثل وقف استغلال الموقف
من جماعات غير قضائية أو ما يماثل هذا
المعنى الخاص والمؤقت بطبيعته.
نظرية ثالثة ربما تكون أكثر
تشاؤما لفهم طبيعة المشهد السياسي الراهن:
تقول بأن المقصود ليس مجرد وقف
ممارسة الحق في التظاهر السياسي فقط،
وإنما إعادة هيكلة السياسة عموما بما
يلائم استعادة هيمنة الدولة (الحكومة)
التامة على المجتمع، وتصفية قوى
المعارضة المدنية وإخضاعها لمعاملة أمنية
قاسية تؤدي إلى تصدعها في نهاية المطاف,
بما يضمن أن تمر جميع قرارات الدولة
وسياساتها بدون معارضة.
ويتفق هذا التفسير الأخير مع
حقيقة أن جهاز الشرطة لم يكتف باستعراض
جبار للقوة ومنع المظاهرات، وإنما قام
بعمليات قبض تُعد كبيرة هذه المرة وقد
تكرر في المستقبل القريب لتنال أعدادا
أكبر وإن كانت بالتدريج بحيث لا تظهر تلك
العمليات وكأنها تكرر مشهد الأزمة في
سبتمبر عام 1981.
وإن صدق هذا التفسير يصبح
السؤال هو: ما الحكمة من إنهاء جميع صور
المعارضة الأصيلة والشعبية؟ ألم يكن من
الأذكى للنظام السياسي أن تكون هناك
معارضة شعبية بل وجذرية وأن تظهر في نفس
الوقت صغيرة ومحدودة؟.. ربما، ولكن ليست كل
القرارات قابلة لتفسيرات عقلانية
بالضرورة أو دائما.
|