 |
|
في انتظار أوامر أولمرت.. القوات الإسرائيلية تتأهب لاجتياح قطاع غزة |
لا يمكن وصف عملية معبر كرم أبو
سالم (كير شالوم) النوعية التي قام
بتنفيذها كتائب عز الدين القسام، الجناح
العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"،
وألوية الناصر صلاح الدين، التابعة للجان
المقاومة الشعبية يوم 25 يونيو 2005، إلا
بالعملية النظيفة، فهي تأتي بمثابة رد
فلسطيني عسكري على قتل إسرائيل لمدنيين
فلسطينيين، وتقطع كل السبل أمام وصفها
بالإرهابية أو الانتحارية أو حتى
الاستشهادية، لكونها عملية عسكرية خالصة
تعد تطورا في التفكير والتخطيط والتنفيذ
بغض النظر عن النتائج والتبعات المتوقعة.
وكما لم يكن متوقعا أن تقترف
حكومة إسرائيلية على رأسها مدنيان (هما
رئيس الوزراء "إيهود أولمرت" ووزير
الدفاع "عمير بيريتس") كل هذه الجرائم
والانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين في
الأسابيع الثلاثة الأخيرة التي قتل فيها
ما يقرب من 80 مدنيا فلسطينيا بينهم أطفال،
ناهيك عن الحصار وقطع الأموال، فإن الرد
الفلسطيني جاء أيضا حازما وغير متوقع
للجانب الإسرائيلي في عملية أطلق عليها
منفذوها اسم "الوهم المتبدد".
فقد وضعت هذه العملية -التي أسفرت
عن مقتل جنديين وخطف ثالث هو "جلعاد
شاليت" (20 عاما)- الإسرائيليين أمام
خيارات ضيقة، وأصابت كلا من الجيش
والقيادة السياسية بالارتباك، لا سيما أن
منفذي العملية قد بدءوا الدخول في عمليات
للمساومة تستهدف استبدال "شاليت"
بأسرى وأسيرات فلسطينيين.
اجتياح إجباري في غير توقيته
ورغما عن ذلك، فإنه لا يوجد في
الأفق ما يشير إلى أن الاجتياح الإسرائيلي
المتوقع لقطاع غزة يأتي ردا مباشرا وحتميا
على عملية معبر كير شالوم، فالتقارير
الإسرائيلية المختلفة تشير إلى أن هذا
الاجتياح كان مخططا له بعناية من قبل
الإسرائيليين منذ ثلاثة أشهر، انتظارا
لما ستئول إليه أوضاع الداخل الفلسطيني.
ولم تسهم عملية الوهم المتبدد
إلا في الإسراع من توقيت هذا الاجتياح،
الذي ربما سيأتي مخالفا لما خطط له كل من
"أولمرت" و"بيريتس"، إذ كان من
المتصور أن تستمر إسرائيل في القيام
بسلسلة منتظمة من العمليات العشوائية على
الفلسطينيين، وبشكل محدود، لخلخلة ما
يدور في الأروقة الفلسطينية من حوار،
ولتعميق هوة الخلاف بين حركتي فتح وحماس،
أو بالأحرى بين كل من الرئاسة والحكومة
الفلسطينية، وتقوم إسرائيل في ذات الوقت
باغتيال بعض القادة والناشطين من الأجنحة
العسكرية للفصائل واحدا تلو الآخر،
مستغلة انشغال الفلسطينيين اليومي بتدبير
سبل حياتهم، ومطالبهم المتكررة بتحصيل
رواتبهم.
وتهدف هذه السلسلة من التحركات
الإسرائيلية إلى تحقيق هدفين رئيسيين:
أولهما تنفيذ عمليات اغتيال واسعة النطاق
على الناشطين الفلسطينيين، الأمر الذي
يعمق من هوة الخلاف وابتعاد المواقف بين
فتح وحماس، واحتدام صراعهما الأمني
والسياسي. والثاني هو سعي أولمرت داخليا
لتثبيت ركائز خطته لاستكمال الفصل
الأحادي من أجزاء من الضفة الغربية، بل
والسعي حثيثا نحو مزيد من الخطوات
الإجرائية لتنفيذ تلك الخطة.
ويمكن القول بأن اجتياح قطاع غزة
كان يعد بمثابة الحلقة الأخيرة في سلسلة
التحركات التي ستقذفها الحكومة
الإسرائيلية في وجه حركة حماس وحكومتها
على حد سواء، بعد أن فشلت كل محاولات
الإقصاء والحصار في انتزاع اعتراف من
الحركة بحق إسرائيل في الوجود، أو في
إسقاط ذاتي لحكومة فلسطينية تقودها حماس،
ما يُدخل الفلسطينيين حكومة وشعبا في
انتخابات تشريعية جديدة ربما تعيد الكرة
على ما هي عليه بين الحركتين الكبيرتين في
الساحة الفلسطينية.
وبالتالي فقد كانت عملية معبر
كرم أبو سالم بمثابة انقطاع لهذه السلسلة
الإسرائيلية حيث لم يكن يتوقع
الإسرائيليون مثل هذا الرد الفلسطيني
القوي على ما ارتكبوه في الأسابيع الأخيرة
من قتل لأبرياء ومدنيين فلسطنيين، كما لم
يكن متوقعا كذلك أن يشارك في تنفيذ هذه
العملية الجناح العسكري لحركة حماس، وهو
ما وضع "أولمرت" أمام بديلين، إما
التفاوض حول إطلاق الأسير الإسرائيلي
الذي اختطفه منفذو العملية، الأمر الذي
يمكن أن يثبت في ذهنية المقاومة
الفلسطينية فيما بعد، وإما الرد باجتياح
قطاع غزة في أسرع وقت واستثمار الفرصة
لإطلاق اليد في تنفيذ اغتيالات لا تفرق
بين ناشط فلسطيني أو أي مسئول مهما كانت
وضعيته.
ولا شك أن اعتماد البديل الأول
ينتقص من شعبية أولمرت، ويحدث شرخا كبيرا
في حكومته الائتلافية القابلة للتفكك في
أي وقت، ويضع الجيش الإسرائيلي أمام
انتقادات إضافية، ويفتح المجال لغلاة
المتطرفين اليمينيين في إسرائيل للحديث
عن خطأ الانسحاب من غزة، وهو أمر قد يقيد
إلى حد كبير مخططات أولمرت باستكمال
الانفصال الأحادي من بعض أجزاء من الضفة
الغربية.
أما البديل الثاني، أي الاجتياح
المحدود وليس عودة الاحتلال، ورغم أنه قد
يقابل من الفلسطينيين بعودة أجواء تشبه
أجواء انتفاضة الأقصى، وقد يقابل أيضا
بانتقاد دولي مستتر، إلا أنه يعد البديل
الأنسب لأولمرت وحكومته، فهو رسالة
للإسرائيليين بعدم تهاونه، بل وربما
ضرورة إعادة التفكير جديا للاقتناع بخطته
من أجل ترسيم حدود آمنة لإسرائيل من أية
اختراقات فلسطينية، ورسالة أخرى
للفلسطينيين بأن أراضيهم مشاع يمكن إعادة
السيطرة عليها في أي وقت إذا لم يتوقفوا عن
اللعب على الوتر الأمني لإسرائيل وجنودها
مستوطنيها. وهو ما يفسر عدم تفريق أولمرت
بين السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس
والحكومة برئاسة حماس في تحملهما مسئولية
الحادث مع كل ما قد ينجم عنه من تبعات.
دلالات عملية الوهم المتبدد
على أنه لا بد من الإشارة إلى أن
الاجتياح الإسرائيلي المتوقع إذا لم يتم
تحرير الأسير الإسرائيلي عبر الوسائل
الدبلوماسية والمخابراتية، سيكون مختلفا
هذه المرة من حيث كيفيته وما سيترتب عليه
من نتائج خطيرة تمس الداخل الإسرائيلي قبل
الفلسطيني.
فمعضلة هذا الاجتياح أولا أنه قد
لا يثمر مبدئيا عن تحرير الجندي
الإسرائيلي أو عودته حيا، وثانيا فإن
التوغل البري ربما يصيب الإسرائيليين
ببعض الخسائر، وإن كان ذلك لا ينفي بطبيعة
الحال نجاح الاجتياح الذي سيكون مؤمنا جوا.
وهنا يقول الكاتب "داني روبنشتاين"
المحلل في صحيفة هاآرتس يوم 26 يونيو 2006:
"إن اجتياح القطاع قد لا ينجح في إنقاذ
حياة الجندي الأسير، بل قد يحدث عكس ذلك
تماما، أي أن يتعرض للقتل هو ومجموعة أخرى
من الجنود الإسرائيليين، فالمقاومون في
القطاع يملكون قذائف مضادة للدروع، ومن
غير المستبعد أن يكونوا قد زرعوا ألغاما
ضخمة للدبابات المغيرة لاصطيادها أو
بعضها، مثلما حدث في اجتياحات سابقة".
ومن ثم بدأ بنيامين نتنياهو زعيم
حزب الليكود، من خلال مقال له نشرته صحيفة
يديعوت أحرونوت أمس 26 يونيو 2006، في
استثمار هذه الفرصة داخليا، باتهامه
لرئيس الوزراء أولمرت ووزير الدفاع أنهما
لا يدركان أهمية الردع الإسرائيلي الذي
يمنع تلقي الإسرائيليين ضربات -على ما
يتصورونه- في عمق دولة إسرائيل أو حول هذا
العمق من أراض تسيطر عليها إسرائيل، ومن
ثم فقد طالب باستقالة وزير الدفاع، وتوفير
إمكانيات الردع التي تحول دون إطلاق
الصواريخ الفلسطينية.
ومن جانب آخر، يشير معلقون آخرون
في إسرائيل إلى أن أولمرت لم يستفد من
الخبرة السيئة لتعامل إسرائيل مع الرئيس
السابق ياسر عرفات، عندما عاونته تحت مظلة
اتفاقات أوسلو في تطوير الأجهزة الأمنية
الفلسطينية، وانتهى به الأمر، نظرا
للضغوط الداخلية، إلى استخدام هذه
الأجهزة ضد الإسرائيليين أنفسهم.
بكلمات أخرى يختلف الإسرائيليون
فيما بينهم اليوم على كيفية التعامل مع
الرئيس أبو مازن: نسير في طريق إضعافه أكثر
من ذلك، أم نستمر في دعمه غير المعلن
لمجابهة حركة حماس؟.. هل أبو مازن يمثل
أصلا صوتا معتدلا؟ وما هي حجم الفروق
الحقيقية بينه وبين قيادات حماس؟.
وتبقى كبرى تبعات عملية الوهم
المتبدد في أنها تترك مجالا قويا لغلاة
المستوطنين وللأحزاب الدينية المتطرفة
وليمين كديما ولحزب الليكود لانتقاد خطة
الانسحاب من قطاع غزة، وأنها جاءت بنتائج
عكسية وأعطت الفلسطينيين مساحة للتحرك
وتنفيذ عمليات وإطلاق صواريخ على
المستوطنات الإسرائيلية، وهي الحملة التي
سيتم استخدامها للإطاحة بأفكار أولمرت
غير المكتملة حول الانسحاب من أجزاء من
الضفة الغربية في المستقبل القريب.
وواضح أن الطرف الإسرائيلي يدفع
ثمن تعمده حصار الحكومة الفلسطينية
وتجويع الشعب الفلسطيني، وعدم استثماره
لما أعلنته الفصائل الفلسطينية، وعلى
رأسها حركة حماس، منذ عامين عن القبول
بهدنة، وكانت في كل المرات أقرب لهدنة من
طرف واحد، فلم يتوقف الإسرائيليون عن
الاعتقالات والاغتيالات وإفساد كل
محاولات الحوار حتى مع الرئيس الفلسطيني
الذي يصفونه بالمعتدل، رغم عدم الرد
الفلسطيني في أكثر من مناسبة، واعتراف
الإسرائيليين أنفسهم بالتزام حركة حماس
بوقف إطلاق النار وعدم مشاركتها لأكثر من
عام كامل في عمليات نفذت ضد مدنيين
إسرائيليين.
أخيرا، فإن أكبر الدلالات التي
تفرض نفسها على هذا المشهد تكمن في أن
الخطوات الانفرادية الإسرائيلية لم ولن
توفر أمنا أو سلاما بين الطرفين، وأنه لا
انسحاب دون حديث واتفاق مع الفلسطينيين،
كما أن الجدار العازل لم ولن يوفر هو الآخر
الأمن الإسرائيلي المزعوم، كذلك لم تنجح
الاغتيالات سابقا أو ما تهدد به إسرائيل
حاليا من استهداف كل الفلسطينيين دون
استثناء.. كل ذلك لم ينجح في حل معضلة الأمن
الإسرائيلية.
ولتبق إسرائيل رغما عن ذلك دولة
أمنية من طراز فريد؛ قوية عسكريا، ومكشوفة
أمنيا.
|