رئاسيات مصر.. حرب بين الداخل والخارج!


في ظل التطورات المتعلقة بانتخابات الرئاسة، يبدو المشهد المتعلق بالعلاقات الداخلية والخارجية أكثر تعقيداً، حيث تزداد حدة المنافسة بين الأحزاب والقوى السياسية على الترشح للانتخابات، كما تتنافس على توطيد علاقاتها الخارجية، ومن ثم يصير التساؤل عن طبيعة التنافس في الانتخابات الرئاسية، وخاصة في سياق وجود العديد من المؤشرات المثيرة للقلق على مستقبل المسار السياسي القائم.

ومن هنا تبدو أهمية مناقشة مسألتين وهما، طبيعة خريطة المرشحين مع غلق باب الترشيح، وطبيعة شبكة العلاقات الخارجية وانعكاسها على الشؤون المصرية، حيث إن تفاعل هاتين المسألتين يساهم بشكل كبير في صياغة المسار السياسي الذي تنتهجه الدولة خلال فترة ما بعد انتخابات الرئاسة.

خريطة المرشحين

ومع غلق باب الترشيح، تنوعت خريطة المرشحين من حيث التصنيف الأيديولوجي، ما بين التوجهات الفكرية؛ الليبرالية والاشتراكية والإسلامية، ومن حيث الانتماء الحزبي، فقد حدث تطور مهم في الأيام الأخيرة لفتح باب الترشيح، فبينما ساد عدم الانتماء الحزبي للمرشحين خلال فترة الدعاية السابقة على بدء الانتخابات، فقد سارع العديد من الأحزاب بدعم أو تقديم مرشحين للانتخابات، وهذا التغير يعد تطوراً مهماً في الخريطة الانتخابية، حيث يزداد الاتجاه العام لمرشحين للاعتماد على عصبية التنظيمات الحزبية في دعم الحملات الانتخابية.

فقد أعلن عدد من الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية عن دعم أو تقديم مرشحين للرئاسة، وبدأ حزب “الوفد” بترشيح “منصور حسن” ولكنه استقر على دعم ” عمرو موسي”، ثم قررت جماعة الإخوان المسلمين التقدم بـ “خيرت الشاطر” غير أن الممارسات السياسية ضد كل من “حازم أبو إسماعيل” و”أيمن نور” دفعت “الحرية والعدالة للتقدم برئيس الحزب “محمد مرسي” كمرشح احتياطي، ثم توالت ترشيحات الأحزاب، حيث ترشح “ممدوح قطب” عن حزب الحضارة، وقدم “مصر القومي” مرشحين.

وإذا كانت ترشيحات الأحزاب زادت من تشابك الخريطة الانتخابية، فإن تزايد المرشحين المستقلين زاد من تعقيد الوضع السياسي، وخاصة مع ترشح ” عمر سليمان”، حيث ظهرت خشية من تزايد فرص عودة النظام السابق وإجهاض الثورة، وبدخول “سليمان” سباق الرئاسة واستناده على دعم بعض الأحزاب الليبرالية والكنيسة، تكون الخريطة الانتخابية أمام ثلاثة تصنيفات، مرشحون يمثلون امتداداً للنظام السابق، ومرشحون مستقلون، ولكنهم يعملون في إطار امتداد حركات قائمة مثل “حازم أبو اسماعيل” و أبو الفتوح” و “حمدين صباحي”، وآخرون ينتمون لأحزاب وحركات سياسية حديثة النشأة، بالإضافة لـ”عمرو موسى” كمرشح مستقل يستند لدوره السياسي.

ويشكل دخول “عمر سليمان” لانتخابات الرئاسة، عاملاً مهماً في مسار الانتخابات، حيث إنه يعكس وجود رغبة لتجميع قوى وأركان النظام السابق والكنيسة خلف مرشح لديه فرص الوصول للسلطة، كما أنه يعكس إمكانية حدوث تدخلات خارجية في التأثير في العملية الانتخابية، بما يؤدي لإضعاف فرص منافسيه، ولعل محاولات استبعاد “أبو إسماعيل” واحتمال استبعاد آخرين، قد يعكس سياسة منهجية لتفريغ المنافسة من المرشحين ذوي الكفاءة والشعبوية.

وبشكل عام يمكن القول، إن هناك كتلة كبيرة من المرشحين ذوي الخلفية الإسلامية تتقاطع قاعدة ناخبيها، بشكل يثير القلق علي تماسك الكتلة التصويتية، وخاصة مع تباعد حزب النور عن الإخوان المسلمين، وتبعثر توجهات التيار السلفي إزاء التصويت في الانتخابات، وهو ما أثار النقاش حول تزايد فرص المرشحين الآخرين في تجاوز المرشحين الإسلاميين.

كما أن تقدم عدد من الأحزاب بمرشحين يضعف فرص خفض عدد المرشحين أو التلاقي على مرشح واحد، ليكون مرشحاً توافقياً يقطع الطريق على عودة النظام السابق، وتكمن هذه المعضلة بالأساس في  تزايد عدد المرشحين الإسلاميين والاشتراكيين، حيث تضعف إمكانية التوافق على مرشح، ليس فقط بسبب تزايد عدد المرشحين الإسلاميين، ولكن لغياب صيغة للعمل المشترك خلال الفترة السابقة.

الجدل حول الانتخابات

وفي ظل تطورات انتخابات الرئاسة تحول النقاش والجدال السياسي حول تسليم السلطة والانتقال السياسي إلى صراع سياسي بين المجلس العسكري وجماعة الإخوان/ الحرية والعدالة، وذلك رغم اقتراب انتهاء الفترة الانتقالية، ورغم أنه يلقي بظلال على إمكانية تسليم السلطة بعد انتهاء انتخابات الرئاسة، فإن القضية المحورية في هذا السياق تكمن في تضاؤل فرص التسويات السياسية، وذلك بعد تعدد مستويات ومجالات الصراع وخروجه على وسائل الإعلام.

فمنذ ما يقرب من شهرين، صممت القنوات الخاصة والمملوكة للدولة حملة دعائية لتشويه جماعة الإخوان، وبشكل يتماثل مع الحملات التي شنها النظام السابق ضد الإخوان المسلمين، حيث تناولت بالنقد سياسات تعامل الإخوان مع الأطراف الأخرى، وانتقاد السياسات التنظيمية للجماعة، وهذا ما يعكس هيمنة وسيطرة النظام السابق على بنية الدولة ومؤسساتها.

وقد كشفت الحملة الإعلامية الحالية عن حدوث تحولات وتقلب في مواقف القوى السياسية من المجلس العسكري، وقد ظهر هذا التقلب في معاداة المجلس لأقصى مدى ممكن خلال الشهور الماضية، ولكنه في ظل الأزمة بين جماعة الإخوان والمجلس بسبب الخلاف على استمرار الحكومة وتشكيل الجمعية التأسيسية، اتجهت لاستعداء المجلس العسكري ضد الجماعة ومجلس الشعب، وهذا التقلب يعكس مدى التباعد بين الأطراف السياسية، بما يزيد من فرص الصراع بين القوى السياسية، بما يفكك الحالة الثورية ويضعف التضامن السياسي.

وقد ترافق مع هذه الأحداث جدل كبير حول استقرار السلطات السياسية، وخاصة بعد إدخال السلطة القضائية في النزاع السياسي، وذلك عبر عدة قضايا، منها الطعن على بعض مرشحي رئاسة الجمهورية والطعن على قانون انتخابات مجلسي الشعب والشورى، ثم صدور حكم إداري بوقف عمل اللجنة التأسيسية، وهذا من شأنه إرباك المؤسسات والتشكيك في نظم عملها، وهو بالتالي ما يثير الجدل حول حجية المؤسسات السياسية، وخاصة فيما يتعلق بأعمال البرلمان وتقرير مصير الجمعية التأسيسية، ومن ثم يؤدي استمرار هذه الأزمة لحالة من الجمود وتعطيل المؤسسات.

المواقف الغربية

يعد التعرف على التوجهات الأمريكية والأوربية تجاه الانتخابات الرئاسية أمراً ضرورياً، نظراً للروابط القوية بين السياسة الخارجية المصرية ومصالح تلك الدول ونفوذها في المنطقة، وخلال السنوات الماضية، ركزت السياسة الأمريكية على مشاركة الإخوان كجزء من السلطة، غير أنه بعد الثورة، وفي ظل ضعف فرص الليبراليين صارت الولايات المتحدة تواجه أزمة في الخيارات السياسية، وخاصة مع تصاعد نفوذ الإسلاميين، وهذا ما يثير التساؤل عن مدى توافق الأمريكيين مع الأوضاع الجديدة، فمنذ دخول الإخوان لانتخابات الرئاسة، لوحظ أن مواقف الخارجية الأمريكية كانت أكثر ميلاً للترقب، ولم يعلق المسؤولون الأمريكيون على ترشيح “خيرت الشاطر”، ولكنه بعد يومين صدرت تعليقات تفيد بأن السياسة الأمريكية تقف على مسافة واحدة من المرشحين للانتخابات، وذلك في إطار بدء الخارجية الأمريكية في التواصل مع المرشحين للتعرف علي برامجهم للسياسة الخارجية، وقد ذكرت تقارير إخبارية أن لقاءات الوفود الأمريكية مع الشاطر أسفرت عن تطمينات فيما يتعلق باستقرار العلاقة مع الولايات المتحدة والالتزام بمعاهدة السلام والاستقرار الإقليمي وحل الدولتين.

وقد تناولت الصحافة الأمريكية موضوع ترشيح الشاطر من عدة زوايا، وكانت أكثر تركيزاً على تغيير قرار الإخوان بعدم المنافسة علي منصب الرئاسة، كما ربطت الصحافة الأمريكية بين تقدم شعبية ” أبو اسماعيل” وبين ترشيح “الشاطر”، وبشكل عام يمكن القول إن الملامح الأولية للتغطية في الصحافة الأمريكية تميل للتركيز على الجوانب السلبية.

وبشكل عام لم تختلف المواقف الأوروبية كثيراً عن الموقف الأمريكي، حيث تجنبت غالبية الدول الأوربية التعليق على ترشيح “الشاطر” ، وكانت أكثر ميلاً للترقب ومتابعة الأحداث، لكنها ركزت على مخاوف الليبراليين من تصاعد نفوذ الإخوان واستحواذهم على السلطات في الدولة.

وبينما تعارض روسيا وصول الإخوان للسلطة، فإن فرنسا تميل لانتظار ما تسفر عنه التطورات في البلدان العربية، ولا يبدو أن هناك توجها لدى السياسة الفرنسية للتأثير في التحولات التي تشهدها الشعوب العربية.

وبشكل عام تأتي هذه المواقف في ظل حالة من عدم الوضوح في مسار التحول السياسي في مصر وهيمنة الإسلاميين على المشهد السياسي، وهذا الوضع يضعف تأثير محاولات التدخل المباشر وغير المباشر، وهذا ما يدفع باتجاه التهدئة وتجنب حدوث التغيرات العنيفة أو الفجائية، غير أن هذا لا ينفي استمرار السياسة الأمريكية في وضع الترتيبات اللازمة لاستمرار نفوذها في السياسة المصرية، وتعد سياسة المساعدات والقروض الأجنبية من أدوات التأثير في الشؤون الداخلية وخاصة مع تدهور الأوضاع المالية وغياب خطة للتنمية الاقتصادية.

ويمكن القول إن تجنب الدول الغربية التعليق المباشر علي أحداث الانتخابات، لا يعكس حالة من القلق بقدر ما يعكس الرغبة في عدم حدوث تغير في الإستراتيجية المصرية، يضعف النفوذ الأجنبي ويهدد مصالحه، ولذلك فإن المواقف الأمريكية والأوروبية من الانتخابات سوف تتبلور مع سير العملية الانتخابية، وربما يرجع ذلك إلى عاملين؛ الأول، ضعف نقاط التلاقي مع الإسلاميين، وخشية الغربيين من هيمنتهم على الدولة، أما الثاني، فيتمثل في عدم حدوث تغير ملموس لدى المؤسسات الأمريكية عن المواقف الأيديولوجية للإخوان والإسلاميين بشكل عام، وكان من الملاحظ ضعف أداء وفد لجنة العلاقات الخارجية للحرية والعدالة في الجولة التي قام بها إلى الولايات المتحدة، سواء من حيث انخفاض مستوى التشكيل وعدم وضوح معايير تكوينه، وانخفاض مستوى خطابه السياسي.

وفي ظل المناخ السياسي القائم ، يمكن القول إن فرص التنسيق في انتخابات الرئاسة سوف تكون أقل ما يمكن، ومن ثم، فإن التحدي الذي يواجه الفترة الانتقالية يتمثل في إمكانية إدارة الصراع السياسي بما يؤدي لخفض فجوة الثقة بين الأطراف المختلفة والتوافق حول القضايا الخلافية، حيث إن تنامي المشكلات والقلق السياسي، يؤدي إلى تشتيت وإضعاف عمل المؤسسات بكل أنواعها، حيث إن كثرة الطعون الانتخابية واللجوء للقضاء يعبر أزمة المناخ السياسي، وهو ما يثير إشكالية القبول بنتائج الانتخابات ويثير الجدل حول جدوى الثورة في ظل ترشح رموز النظام السابق واحتمال فوزهم في الانتخابات.

عن الكاتب

عدد المقالات : 7
  • SAMEER100011

    ان المقال رايع والاهم هو التوافق على الاساسيات وهي الدين الوطن الحرية المساوة لذى لابد من توافق اخواني وسلفي ووسطي وشعيى امام الفلول والعسكرفمرسح واحد جدير يالفوز على هذا الاساس

  • http://www.facebook.com/people/Amir-Hamzah-Baddawi/100001645055099 Amir Hamzah Baddawi

    السلام عليكم

  • omar

    لا بد من ميثاق ينطلق من ارضية مشتركة …الكل مدعو الى المشاركة و الرديء يلفظه البحر

جميع الحقوق محفوظة لموقع islamonline اسلام اون لاين © 2013