بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين


الحرية وأزمة الكاريكاتير من الحدث إلى المنهج

2006/02/15

أجرى الحوار: عمرو عبد الكريم**

سيف الدين عبد الفتاح

كشف حادث الكاريكاتير الدانماركي المسيء لشخص النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الكثير من القضايا على المستوى النظري والفكري وعلى المستوى الواقعي، وكانت المشكلة الكبرى في هذا الإطار هي "الحرية" المفهوم والممارسة التي تسلح الكثيرون بها للتدليل على مواقفهم وإثبات صحتها؛ وهو ما جعلنا أمام مفهوم وممارسة ملتبسة زئبقية؛ ولذا كانت هذه المحاولة لإدارة حوار فكري مع الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل أستاذ النظرية السياسية بجامعة القاهرة وصاحب المشاركات المميزة في "المقاصد".

وفي هذا الحوار العميق فكك الدكتور "سيف الدين" مفهوم الحرية تفكيكًا كبيرًا لمحاولة فهمه وإدراكه وموقف الفكر الإسلامي من القضية، معتبرًا أن المفهوم الأسمى والأعلى في منظومة الفكر الإسلامي هو العدل، ومن ثم فإذا أردنا أن نتحدث عن الحرية فلابد أن نطرح مفهوم "عدل الحرية"، ويصبح الحديث في الرؤية الإسلامية عن "حدود الحرية" وليس عن "قيود الحرية"؛ لأن الحدود هي مساحة للحركة، أما القيود فهي مانعة من الحرية، وبالتالي فالحرية في المفهوم الإسلامي ترتبط بالمسئولية وليست حرية مطلقة؛ ولذا هناك ارتباط دائم بين فكرة الحرية والمقاصد في الشريعة الإسلامية.

وأكد "سيف" أننا يجب أن ننتقل من النظر إلى ما وقع في الحادث الدانماركي من مجرد كونه حادثا إلى مناقشته من خلال منهج، مؤكدا أن هناك خللا بنيويا في تعريف قيمة الحرية لدى الغرب يؤدي به إلى حالة من حالات الظلم الفادح للآخر؛ لأنها حرية تفتقد الميزان.

وانتقد بشدة بعض الممارسات التي شابت التاريخ الإسلامي وبعض المقولات التي أسست لفكرة تقييد الحرية، ومنها "من اشتدت وطأته وجبت طاعته"، و"سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، و"ستون سنة بسلطان جائر خير من ليلة بلا سلطان"، مؤكدا أن الفكر الإسلامي، واجه هذه المقولات بمجموعة من المقولات الحرة ومنها فتوى الإمام مالك: "ليس لمستكره يمين".

اقرأ في الحوار:

تفكيك مفهوم الحرية

** بداية الحرية مفهوم من المفاهيم الكبرى التي تحكم وعي الإنسان فتحرك مشاعره وتوجّه فعله، مثل مفاهيم الحياة والموت والأمل. وهو من المفاهيم المنظومة التي تستدعي شبكة مفاهيم وكما تعلمنا عن مثلث القيم أو هيكل القيم: المساواة والحرية والعدل، وأن التجربة الاشتراكية تقدم قضية المساواة، وأن الفكر الغربي قدم مسألة الحرية، وأن النموذج الإسلامي قدم قضية العدل فنريد محاولة لتفكيك مفهوم الحرية...

- بسم الله الرحمن الرحيم، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، في حقيقة الأمر إن عالم المفاهيم هو من هذه العوالم الأساسية التي ترتبط بعالم المسلمين وعالم أفكارهم، ولا نستطيع بأي حال من الأحوال إلا أن نؤكد أن الكلمات هي جزء من هوية الأمة، والكلمات وفق هذا الأصل إنما تعبر عن حياض ككل الحياضات التي يجب أن نزود عنها.

والكلمات كما يؤكد مصطفى صادق الرافعي هي: "كالعرض والأرض"، وفي هذا المقام نستطيع أن نؤكد أن هذه الكلمات "كلمات الأمة" هي من الأمور التي نتوقف عندها ونتعامل معها ونتعامل مع المفاهيم التي تطرأ علينا من كل صوب ومن كل حدب، ونتعامل مع تلك المفاهيم التي ترتبط بحضارة غير حضارتنا وبثقافة غير ثقافتنا وبهوية غير هويتنا.

في هذا السياق يبدو لي أن المفاهيم ليست على شاكلة واحدة، ومن هنا وجب علينا أن ننظر إلى عالم المفاهيم؛ نظرًا عامًّا وخاصًّا في آن واحد.

هذا النظر العام والخاص إنما يعبر عن حقيقة الدائرة المفاهيمية كما تفضلت فإن هناك من المفاهيم ما يعد مفاهيم حضارية كبرى، وهناك أيضا مفاهيم فرعية تدخل ضمن منظومة، وهناك من المفاهيم ما يعد في ذاته منظومة بحيث يستدعي عائلة من المفاهيم، وهناك من المفاهيم ما هو مثل شجرة أو بذرة لشجرة حتى تتفرع هذه الشجرة من جذر إلى ساق إلى فروع وثمار.

من هنا بدا لنا أن عالم المفاهيم يحتاج منا مزيدًا من التحري والبحث والتوسع، ومن أهم هذه المفاهيم التي تعتبر من "مفاهيم المظلة" أو من "مفاهيم المنظومة" هي تلك المفاهيم التي تتعلق بنظام القيم، والحرية واحد من أهم هذه المفاهيم التي تتعلق بنظام القيم، وإذا أردنا أن نتحدث عن الأنظمة المعرفية والفكرية داخل الغرب وداخل الحضارة الإسلامية فإننا يمكن أن نقول إن نظام القيم لدى الماركسيين يعتبر المساواة هي القيمة العليا في هذا المقام، وسنرى أن الفكر الاشتراكي، وكذلك فيما تغياه من فكر وتفكير شيوعي؛ إنما استند على قضية المساواة باعتبارها قيمة عليا وحينما نفهم القيمة العليا فإنما تعني ضمن ما تعني أن هذه القيمة العليا تؤثر على القيم الأخرى وتؤثر على الفهم الخاص بهذه القيم؛ ومن هنا حينما يعلي النظام المعرفي الماركسي من قضية المساواة، ويجعلها قيمة عليا، فإنما بذلك يشكل القيمتين الأخريين (الحرية والعدل) من نظام قيمه، فلا تفهم قيمة الحرية، ولا تفهم قيمة العدل إلا من خلال مفهوم المساواة، غير أن مفهوم المساواة صار مفهوما حسابيا يحاول أن يسوي بين البشر جميعا حتى أنه سوى بين من ليسوا بأسوياء، أو على الأقل نستطيع أن نقول إن التماثل غير التسوية.

وفي هذا المقام لا بد أن نتحدث أيضا عن النظام المعرفي الغربي الليبرالي الرأسمالي فهذا النظام يعلي من قيمة أخرى، هي قيمة الحرية، ولا يفهم قيمة المساواة ولا قيمة العدل إلا في إطار قيمة الحرية، ومن ثم جعل من الحرية قيمة مطلقة تشكل نظام القيم الأخرى. أما الإسلام فيجعل من العدل هو القيمة العليا، وتتشكل به القيمتين الأخريين.

لو رأينا كيف تتشكل هذه القيم على هذا النحو فإننا نؤكد أنه لا يمكن فهم قيمة الحرية إلا في مقام العدل، "عدل الحرية" غير "قيمة الحرية" كيف يكون ذلك، وكيف يتم النظر إلى قيمة الحرية في هذا المقام.

الحرية ليست قيمة مطلقة على علاتها، ولكن الحرية ترتبط في الرؤية الإسلامية بجملة من الحدود، لا حرية تخلو من الحدود، وهنا يجب أن نتدبر كيف أن الرؤية الإسلامية حينما تتحدث عن ذلك تتحدث عن "حدود الحرية"، ولا تتحدث عن "قيود الحرية"؛ لأن الحدود هي مساحة للحركة، أما القيود فهي مانعة من الحرية، وفي هذا المقام نؤكد على ذلك المعنى الذي أردنا أن نؤكد عليه من أن الحرية مشروطة بمنظومة من الحدود التي تحدها، وتحقق فعالية هذه القيمة في إطار العدل، الحرية العادلة أو عدل الحرية هو ما يمكن أن نفهمه من تلك القيمة التي ترتبط بالحرية.

ومن هنا وجب علينا أن نتطرق إلى موضوع غاية في الأهمية، ما هو الرأي الذي دل على قيمة الحرية في التراث الإسلامي؟

حينما نتدبر هذا الأمر نجد أن الكلمة التي أطلقت على قيمة الحرية في هذا المقام هي كلمة "الاختيار" والاختيار مفهوم مسئول، فليس الاختيار هكذا هو اختيارا بالهوى لكنه بهذا الاعتبار هو اختيار الخير، وبين الاختيار وبين الخير جذر مشترك هو جذر لغوي واحد وهو خير، ومن هنا بدا لنا أن الاختيار التزام، وأن الاختيار مسئولية، وأن الاختيار مسائلة.

وفق هذه التعبيرات كلها يمكن أن نبحث قيمة الحرية، كذلك فإنه اختيار العدل، ولا يمكن فهم قضية المساواة إلا بالاعتبار الذي يؤكد أن قيمة المساواة العادلة، أو عدل المساواة لا يمكن تصوره إلا في إطار يؤكد على أنه لا يمكن أن نجمع بين مقامات مختلفة إلا بعد توحيدها، هكذا تعلمنا القضايا الحسابية فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحدث حالة من المساواة الحسابية بين من ليسوا بأسوياء.

وهنا لا يمكن أن نعني بالمساواة حالة من حالات التماثل، ولكن نعني بها أن ميزان الحقوق والواجبات يرتبط بالعدل "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"؟

هذه الأمور تتعلق بمعنى كيف تعد قيمة ما قيمة عليا في نظام فكري أو معرفي؟

يأتي بعد ذلك ضرورة أن نربط بين مفهوم الحرية كما هو موجود في الفكر الإسلامي وبين مفهوم الحرية كما يتخذه الفكر الغربي للأسف الشديد، أما مفهوم الحرية في الإشكالية التي تتعلق بالإساءة للنبي عليه الصلاة والسلام ومحاولة ازدرائه في ذلك الحدث الذي يمكن أن نسميه الحادث الدانماركي مما يتعلق بالرسوم الكاريكاتورية تلك الرسوم التي أساءت إلى شخص النبي –صلى الله عليه وسلم- ورمزه، وما يحمله من رسالة إنما يؤكد على هذه القضية التي نحن بصددها أي حرية تلك التي نتحدث عنها؟ هل هي حرية خالية من أي قيد أو حد؟ لا، الحرية في الرؤية الإسلامية هي تلك الحرية التي ترتبط باختيار الخير كما قلنا.

** معنى ذلك أننا نحاكم الغرب لمنظومة قيمنا الفكرية؟

- إننا لا نحاكم الغرب لمنظومة قيمنا، القضية هي ما هو المفهوم الذي يتعلق بالحرية الصواب بحيث أنك لا بد أن تعلم أن حريتك تنتهي عندما تبدأ حريات الآخرين فليس من الحرية بأي حال أن تسب ديني وتسب نبيي وتسب الرموز التي تتعلق بي، وليس لي أيضا أن أسب رموزك التي تتعلق بك، بل إن الإسلام هو الذي يؤكد حماية الأديان كلها.

المنهج قبل الحدث

** حقيقة أستاذنا نريد حوارًا في منهج التعامل مع المشكلة أكثر منه في المشكلة نفسها أو الحدث الدانماركي نفسه، والحدث تناولته أقلام كثيرة وردود فعل المسلمين تقول إنه لازالت هذه الأمة فيها بقية من حياة؟

- نحن نتحدث في صميم المنهج، حينما نتحدث عن قضية المفاهيم وأننا لا يجب أن نأخذها على شاكلة واحدة إنما نعبر بذلك أن هناك "مفاهيم موقف"، وهنا مفاهيم ضمن منظومتنا الفكرية يستحيل بأي حال من الأحول أن نقول إنه ليس لدينا منظومة فكرية، بل لدينا منظومة فكرية

** الحرية فيها تأتي متأخرة.

- الحرية ليست متأخرة، قضية الحرية لها مقامها المخصوص، ليس القضية في تأخر القيمة ولا علوها، وإنما القضية في قدرة النظر إلى هذه القيم في مقامها الذي يحفظ للإنسان باعتباره ذاتا أو غيرا أو آخر إنما تحفظ لها كافة حرياته.

وهنا فعالية المفهوم ونجاعته تتأتى من قضية غاية في الأهمية هي أن تحفظ لك القيمة قضية الحرية لي ولك على حد سواء، وفي هذا الإطار لا بد أن نؤكد هذه المعاني في هذا السياق أما أن تكون حريتك أنت في أن تنتهك حريتي أنا فهنا يصير المفهوم مفهوما إشكاليا ومفهوما إشكاليا في العلاقة وهو أمر سبب مثل هذه الأمور التي نحن بصددها في تحليل الحادث الدانماركي.

** موضوع المقدس موضوع مهم في الفكر الغربي، السائد أنه لا يحفل بالمقدسات، ويقلل من قيمتها، هو يتهجم على المسيح، هو يتهجم على الذات الإلهية أو كما يقولون: يحاول تكسير التابوهات...

- هذا شأن الغربي أن يكسر التابوهات التي تتعلق بالمقدس؛ لأنه أراد أن يقول إنه لا يتعلق إلا بأمور الدنيا والمعاش، وله أن يدين بذلك، ولكن ليس عليه أن يرغم بقية المعمورة أن تدين بما يدين به.

ومن هنا وجب النظر إلى العلاقة ما بين المقدس وما بين البشر على الأنظمة المعرفية والأنظمة الفكرية التي تؤكد ما هي علاقة الديني بالسياسي وما هي علاقة المقدس بالحياتي هنا إن كان هو يعتبر أن هذا من صميم فكرته العلمانية أن يستبعد المقدس ليس فقط يستبعده بل يهمشه، وليس فقط يهمشه، ولكن قد يدنسه إذن نحن أمام إشكالية غاية في الخطورة إن كان المقدس عنده ليس معتبرًا فهو حر في مفردات المقدس الخاصة به، لكنه ليس حرًّا بأي حال من الأحوال في أن يعتدي على مفردات المقدس الخاص بي.

ومن الشيء العجيب أن ترى الإسلام لكونه دينا عالميا يحمل مقدسًا في كافة المستويات ومن هنا يأتي الأمر الغاية في الأهمية في هذا الإطار "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".

إذن نحن لا نفرق بين أحد من الرسل، ولا نفرق بين أصول هذا المقدس الذي يعني كل جماعة دينية فإنهم حينما يعتدون على المسيح فإنهم يعتدون أيضا على رسل الله سبحانه وتعالي، وفي هذا الإطار وجب على المسلم أن ينتفض نفس الانتفاضة لو اعتدي على المسيح ولا يقال إن هذا ملك لهم؛ لأنه في ديننا لا بد أن نحترم هؤلاء جميعًا لهذه الرسالات الدينية، لهذا نؤكد أنه ليس من حرية الآخرين أن يسبوا ديني.

** المحاور: حتى لو لم يعتبر الآخر أن هذا سبا ويعتبره من باب حرية الرأي وحرية التعبير؟

- لا... هناك فرق بين حرية التعبير وبين السباب، وقلنا إن الحرية ليست خلوا من أي حد

ليس له أن يقوم بعمل يؤدي إلا حالة من حالات الاعتداء، ثم نقول إن لديه حرية العدوان

هكذا بدت لنا الحرية، الحضارة الغربية تقلب الموازين، وتزدوج فيها المعايير مثلا حرية الولايات المتحدة الأمريكية وحفظ أمنها في احتلال العراق أي في فقدان حريتها، وحرية الولايات المتحدة الأمريكية وحفظ أمنها في احتلال أفغانستان وضربها بالقنابل الثقيلة التي تزن آلاف الأطنان.

كذلك تقول الولايات المتحدة الأمريكية إن تدخلها في العراق تحرير، كيف يكون الاحتلال تحريرا؟ ثم يقولون إنهم يقومون بالتعمير وهم يدمرون فلماذا تدمر لكي تعمر هذه المفارقات التي تحمل التناقض داخل منظومة الفكر الغربي في عالم معارفه وعالم قيمه ويريد أن يفرض علينا هذه الرؤية، ومن يتحدث من جانبه فإن قال إن ما يفعله ليس احتلالا أو استعمارا بل هو تحرير وجب عليه أن يردد كالببغاء إنها حرية إنها حرية.

ليس الأمر على هذا النحو إذن نحن نؤكد أن هناك خللا بنيويا في تعريف قيمة الحرية لدى الغرب تؤدي به إلى حالة من حالات الظلم الفادح، سواء أنها الحرية التي تفقد الميزان أو تفقد المعيار في آن واحد، ومن هنا تصبح الحرية فوضى وإباحية ولا تأتي كالتزام ومسئولية.

حرية بمعيار واحد..

** لكن هو حر في منظومة قيمه؟

- هو حر في منظومة قيمه بحيث لا يتعدى على منظومة قيمي، القضية هنا هي الحدود التي تتعلق بالحرية هو أنه يعتدي على حدودي أنا، فاعتداؤه على حدودي يفرض علي أن أنهض للدفاع عن هذه الحدود وأن أدافع عن ذلك الحياض، وأن أرد كيد المعتدين ولا تعتبر أن ردي لكيده نوعا من الأعمال التي تدل على أنني لا أريد حرية الرأي أو لا أريد حرية التعبير ولكني أريد أن تكون تلك الحرية مسئولية وذات ميزان واحد وذات معيار واحد.

انظر ماذا فعل أحمدي نجاد، ما هي القصة الدانماركية وهنا لن نتطرق إلى التفاصيل ولكن سنتعلم منها المنهج دعنا نتعلم من هذه القصة الدانماركية المنهج هذه مسابقة رسوم كاريكاتورية قيل إنها تقوم على قاعدة رسوم لسيدنا محمد، هذه الرسوم الكاريكاتورية جمعوا منها 12 رسما وهي كانت أكثر من ذلك بكثير يبدو أنها تعدت المائة ثم بعد ذلك نشروا هذه الرسوم في تلك الصحيفة في إطار ما يسمى بسحب الجوائز ثم بعد ذلك قالوا إن هذه الرسوم قد فازت.

ماذا كان رد أحمدي نجاد؟ قال نحن سنقوم بعمل مسابقة عن الهولوكست ومحرقة اليهود، وسنعطي لمن يقوم بعمل رسم متميز جائزة أيضا، هنا الغرب قامت قيامته حينما عبر عن مشكلة تتعلق بالتاريخ إذن هو لديه مقدس، ولكنه مقدس دنيوي، بل إنه أراد أن يفرض عناصر ومعايير تقديسه على الآخرين في هذا المقام، وكأن الحديث عن محرقة اليهود -وهو أمر وحادثة تاريخية- أصبح مقدسا، بينما الحديث عن رسول الله صار حرية تعبير، وقال من شكك في محرقة اليهود من الممكن أن يحبس أو ربما أن يقتل!!!!

** أنا أعلم أن الغرب في جملته منافق فكريا في ازدواجية المعايير...؟

- أنا أقول: إن فكرة ازدواجية المعايير فكرة بنيوية داخل بنائه المعرفي، وداخل بنائه القيمي، بنيانية بحكم تعريف تلك الحضارة هي لا تفهم إلا ذلك منذ عهد بعيد جدا، ومنذ أن قامت تلك الحضارة ومنذ أن كانت هناك الإبادات الجماعية نستطيع أن نقول: إن هذه الحضارة قامت على هذا النحو: إن هناك سكانا أصليين يجب أن يبادوا، ما الفرق بين إبادة الهنود الحمر ومحرقة اليهود؟

هو العنصر الذي يمكنه من خلال قوته أن يبيد، والعنصر الذي يكون من خلال مصلحته أن يحمي يريد أن يحمي إسرائيل وهي -كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري-: دولة وظيفية تقوم بعمل وظيفي داخل المنطقة لمصلحة الولايات المتحدة والحضارة الغربية.

هل الحرية فوضى؟

** عودة لقضية تفكيك مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي والفكر الغربي والمقارنة بينهما، وعلى ضوء هذا التفكيك، وتلك المقارنة نحلل الحدث الدانماركي، حيث يبدو أن مفهوم الحرية في الغربي أضحى مطلقا حتى لو أدى إلى الفوضى أو الإباحية؟

- الحرية هي التي تجعل إطلاقية النسبية هي القاعدة كل شيء أصبح نسبيًّا ليس هناك ثوابت وليس هناك مقدسات، ومن هنا بدت لنا هذه الإشكالية التي نحن بصددها إطلاقية الحرية وإطلاقية النسبية.

** ولماذا لا تكون الحرية كذلك قيمة عليا في الفكر الإسلامي؟

- الحرية قيمة عليا في الفكر الإسلامي.

** ولكنها متأخرة؟

- القضية ليس في التأخر ولا في التقدم، القضية هنا كيف تفهم الحرية من خلال القيمة العليا، لماذا جعل العدل هو القيمة العليا؛ لأن مفهوم العدل وضع الشيء في مقامه وفي نصابه، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن هذه التعبيرات التي نتحدث عنها: العدل ميزان ومن ثم هو يزن الحرية ويزن المساواة فلا يسوي إلا من كانوا أسوياء، ولا يكون حرا إلا من كان ملتزما أو مسئولا.

** ما هي حدود الحرية في الفكر الإسلامي؟

- تحدثنا عن أشياء كثيرة هي قواعد النظام العام على سبيل المثال هذه من الضرورات التي تحافظ على حرية الإنسان.

الحرية الدينية "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"؛ لأن الذي يدخل هذا الدين وهو غير مقتنع به لا يعتد به.

الحرية أيضا لها أبعاد تأسيسية لا يتحدث عن حرية من لا يملك قوت يومه؛ فالحرية لها أساس مادي، كما أن لها أيضا أساس معنوي، والإسلام يجمع ما بين الأساسين للحرية في عدل وتوازن، ولا يجعل من الإنسان مجرد بطن يتحدث فيها عن حريته في التلذذ بكل عناصر الاستهلاك، بل يأمره أن يأكل من طيبات الله ولا يتناول كل خبيث، بالاعتبار الذي يؤكد أن ذلك من حريته، كل ذلك محدود بحدود شرعية، واجتماعية وحدود تتعلق بقواعد النظام العام، وحدود تتعلق بالأعراف وحدود تتعلق بالقيم وحدود تتعلق بما ينفع الناس وحدود تتعلق بالعدل والمساواة فيه.

الإسلام ينظر إلى الحرية ليس باعتباره حرية فرد، بل باعتبارها حرية مجموع، وحرية المجموع تؤدي إلى الدخول في علاقات، ولا تستطيع أن تحكم حرية الأفراد إلا من خلال مفهوم العدل؛ لأن العدل هو الذي يؤكد لك أين ميزانك قبل أن تتحدث عن الحرية المطلقة.

** مفهوم الحرية المطلقة هو مفهوم تقليدي حتى في الغرب أوشك على الانتهاء...؟

- لا لم ينته..

** أقصد أن حريتك تنتهي عند حرية الآخرين أي أن الحرية المطلقة ليست مطلقة تماما.. ؟

- أصبح هناك نوع من الاعتداء على حرية الآخرين تحت عنوان حرية النشر وحرية المعلومات، أصبح الغرب يؤذينا حينما تقوم شركات كاملة بعمل نوع من الدعاية على الإنترنت، أليس ذلك نوعا من الاعتداء على حرية الناس، هم يقولون إن ذلك إعمال لمبدأ الحرية.

** هذا الأمر لا يخالف النظام العام عندهم ما دام في إطار القانون؟

- نعم هو عندهم لا يخالف النظام العام، هو يريد أن يفسد الناس ويشيع الفاحشة والفساد، أنا عندي هذا يخالف النظام العام، أنا عندي الإنسان مكرم، عندي الإنسان ليس سلعة، المرأة ليست شيئا يباع ويشترى ويتاجر به، هذا الذي يقول إنه حر في أن يمارس الزواج المثلي وتكوين أسر ما أنزل الله بها من سلطان أسر من الرجال، وأسر من النساء، ليست تلك بحرية؛ لأنها أضرت بهذا المجتمع وأضرت بالناس وأضرت بمصالحهم.

وحينما تحدث من الغرب مشكلات تترتب على قيمته وهو يعرف أن أصل قيمته تحمل عناصر التناقض تلك يحاول أن يحدث حالة من حالات التكيف، وهذا التكيف في إطار استخدام أدوات عند الاتصال الجنسي غير المأمون مثلا هذه كلها مسائل خطيرة جدا.

حساب السنن لا السنين

** أسأل حضرتك سؤالا مباشرا: هل لو كان المسلمون اليوم في مثل قوة أمريكا لفعلوا بالعالم أكثر مما تفعل أمريكا؟!!

- لا.

** من باب حرية الفتح ومن باب حرية الدعوة..؟

- لا. لم يكن كذلك. الفتوحات الإسلامية حينما كانت تلتزم بشرع الله وتستند إلى مرجعية إسلامية كانت هذه الفتوحات بحق تحرير؛ لأنها لم تقض على لغات ولم تبد أجناسًا، بل حفظت هذه الأجناس وهذه اللغات وهذه الثقافات، بل إن هؤلاء الذين لم يكونوا يحاربون ومكثوا في مدنهم هم الذين بنوا الحضارة الإسلامية.

** لكن أنا أتكلم عن مجمل ما يسمى بالتاريخ الإسلامي، ذلك أن المساحات المظلمة أكثر من المساحات المضيئة كما يرى البعض..

- أنا أقول كلمة واحدة في هذا الموضوع وهي كلمة تتعلق بالمنهج حينما تحدثني عن شيء لا تحدثني عن شيء لا بحساب السنين، ولكن بحساب السنن، قولي متى التزمنا بإسلامنا، وهنا ومتى التزمنا بإسلامنا وقوينا.

** يعني من قال الخليفة هذا ويشير إلى فلان ثم هذا، ويشير إلى فلان ومن اعترض فهذا ويشير إلى سيفه، حقيقة مسألة الحرية والتاريخ الطويل من الاستبداد القضية لم تكن فقط حكام غلبة وحكام جور أو استبداد؟

- هذه إشكالية تتعلق بإشكاليات الواقع الإسلامي.

** لكن العلماء أضفوا عليه شرعية حينما اعترفوا بحكام الجور وحكام الغلبة؟

-  أضفوا عليه شرعية من باب الجواز بمعنى الاستثناء، ثم تحول الاستثناء إلى قاعدة، وهذا هو الخطأ، كذلك المقولات التي انتشرت أيضا في التراث، "من اشتدت وطأته وجبت طاعته"، أو الكلام عن أن "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، أو "ستون سنة بسلطان جائر خير من ليلة بلا سلطان"، وهذه كلها من المقولات التي تسوغ عملية الاستبداد، وأنها لم تكن على صلة بالمرجعية الإسلامية بأي حال من الأحوال، ويجب علينا أن نتحدث عن المساوئ والمضار التي جلبها التغلب والمساوئ والمضار التي جعلت الحرية لا تأخذ حجمها في التاريخ الإسلامي، وليست لأن الحرية متأخرة في نظام القيم الإسلامي.

ولكن اقرأ كلام ابن تيمية حينما يقول: إن الدولة العادلة تدوم مع الكفر، وإن الدولة الظالمة تزول ولو مع الإسلام وهذه هي قمة الحرية.

حينما أيضا نتحدث عن قيمة الحرية نتحدث كذلك عن شعار التوحيد، ولكن عالم المسلمين حينما تخلف، تخلف فهمهم لدينهم وتخلفوا عن دينهم؛ ومن هنا بدا أن كلمة التوحيد هي كلمة حرية: لا ليس هناك شعار يبدأ بلا إله إلا الله، هذه الشهادة ليست هناك آلهة متعددة تحاول أن تتنازع ذلك الإنسان.

** أحسب أن تلك هي مشكلة الفكر الإسلامي، وأنت أستاذنا في ذلك أي أن التجربة أو خطأ التطبيق على مدار قرون طويلة يكر على أصل الحرية بالبطلان؟

- لم يكن خطأ على مدار التاريخ؛ لأنك تنظر إلى التاريخ الإسلامي نظرة جزئية والنظرة الجزئية غير النظرة الشاملة الكلية، يعني مثلا حينما نتحدث عن المحنة نتحدث أن الفقهاء الأربعة امتحنوا، ونتحدث عن محنة خلق القرآن التي مر بها الإمام أحمد.

** وهؤلاء هم المعتزلة دعاة الحرية؟

- أليس لنا أن نتحدث عن موقف الإمام أحمد في الحرية؟ نعم هكذا يجب أن نقرأ الدرس نقرأه من الناحيتين: من ناحية الحكام الذي يغرون هنا أو هناك بعلماء سوء وسلطان يحاولون أن يزينوا لهم أفعالهم الظالمة والمستبدة، وبين عالم وقف يؤكد على قضية مهمة، وأنتج نصا حرا من ثلاثة كلمات: "إن قلت قالوا والله لا أقول" بعد أن طالبه تلامذته أن يقول حتى يفلت من العقاب أو أخذا بالرخصة، واستمر مسجونا معذبا مضروبا طيلة فترة ثلاثة خلفاء: المأمون والمعتصم والواثق.

** وهذه كانت نماذج من الخلافة الإسلامية؟

- يا أخي لا تأخذ السياسة بمعنى السلطة. السياسة: هي القيام على الأمر بما يصلحه، مات الخلفاء وبقي الإمام أحمد بن حنبل، وبقي هذا العنصر الذي يؤكد على معنى الحرية وأنتج النصوص الحرة.

الإمام مالك أيضا أنتج نصًّا حرًّا حينما كانوا يأخذون البيعة بالأيمان، ويقول الرجل حينما يبايع الإمام أنه تصير امرأته طالقا لو خرجت على الإمام، إلا أن الأمر حينما عرض على الإمام مالك قال وعرف كيف قام هؤلاء بتسييس الأمر فإنه قدم نصًّا حرًّا، وقال: "ليس لمستكره يمين"؛ ليؤكد من خلال هذه الفتوى ومن خلال هذه القاعدة الكلية أن من استكره على شيء لا يحمل وزره، ولا يحمل مسئوليته، وكأنه في حكم المعدوم؛ لأن ذلك مما يبطل العقد.

** هذه شذرات مضيئة في التاريخ الإسلامي إنما التيار الأساسي ليس كذلك؟

- ليست شذرات إنما هي مواقف، وعظمة الموقف ليس أنه استمر عددا من السنوات أو احتل عددا من الكلمات، وإنما الموقف هنا بمقدار ما اتفق مع أصول الشرع.

الزمخشري عندما تكلم عن هؤلاء الذين أسموا أنفسهم أولي الأمر فقال: ليسوا بأولي أمر، ولكنهم كاللصوص المتغلبة التي قطعت الطريق على الناس ما بين الشرع وما بين الأمة.

فرض الأفكار.. وسؤال الحرية

** مع كل لتقدير لفكر المعتزلة، ولكن عندما تولوا الأمر استبدوا بالناس، وحاولوا فرض أفكارهم وهم دعاة الحرية؟

- نعم أتى الاعتداء على الحرية من هؤلاء الذين كانوا يدعون للحرية، وليس ذلك لخطأ في الفكرة، ولكنه خطأ في هؤلاء الناس.

ولك أن تحكم بأن كثيرًا جدًّا من المعتزلة الذين عاصروا أحمد بن دؤاد الذي قام بالإجراءات الامتحانية للإمام أحمد في عصر المأمون والمعتصم والواثق وقفوا ضده من المعتزلة وقالوا عنه إنه فقيه سلطان.

** نظرة المسلمين والإسلام لعقائد الآخرين، طبعًا من حق كل إنسان أن يعتقد أن عقيدته هي أصح العقائد على الإطلاق، ولكن أين مسألة التعايش وقبول الآخر بالتعبير المعاصر، كما يلاحظ أن التضييق على معتقدات الآخرين في المجتمعات الإسلامية ظاهرة ملموسة ولها جذورها في الفكر الإسلامي؟

- إذا كنت تتحدث عما قاله "ابن جماعة" في "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام"، وتتحدث عن أنه وجب التضييق على هؤلاء فلابد أن نشير هنا إلى السياق الذي وردت فيه هذه النصوص، فالنص لا يمكن فهمه إلا من خلال سياقه، وسياقات هذه النصوص أنها أتت في فترة الأمة كانت فيها مستهدفة، وكانت هناك الحملات الصليبية، ونظرا إلى أنه على أطراف الدولة الإسلامية قد وجد الصليبيون بعضا من هؤلاء قد انضموا إليهم، وخانوا وخرجوا على أمن الدولة فأشيعت مثل هذه النصوص.

ولكن الناس لا يتحدثون عن المأثورات التي تتعلق بسيدنا عمر بن عبد العزيز وتعامله مع أهل الذمة، ولا يتحدثون عن العهد العمري لأهل الذمة والوثيقة التي كتب فيها "ابن القيم" كتابين

إذن نحن أمام مسألة غاية في الأهمية لا تحتج علي بالحوادث التاريخية؛ لأن الاحتجاج علي بالحوادث التاريخية يجعلني وكأنني ليس لدي معيار كأنني مثل الغرب، ولكني أقول حين أخطأ هؤلاء فقد خرجوا عن جادة الصواب وعن أصول الشريعة وعن القواعد المرعية فيها.

** لكن ماذا عن نظرة الإسلام نفسه لعقائد الآخرين، ألا يعد هذا بمعياركم اعتداء على معتقدات الآخرين؟

- إن نظرة الإسلام نظرة شديدة التوازن حتى أن الإسلام منع سب آلهة الآخرين؛ حتى لا يسبوا الله عدوا بغير علم.

الحرية الدينية

** وما الأمر في دعوة الآخرين إلى الإسلام؟

- دعوة الآخرين إلى الإسلام عرض، وليست فرضا، أما التبشير (التنصير) المسيحي فهو عمل كنسي منظم لإخراج الإنسان من دينه إلى دين آخر.

** وكذلك يفعل المسلمون؟

- لا الدعوة عرض إن شاء اقتنع وإن لم يشأ لم يقتنع، وكان مكرما معززا إنسانا في هذه الأمة، ومن ظلم معاهدا أو آذى ذميا فأنا خصيمه يوم القيامة أو حجيجه يوم القيامة، (كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم).

** أرى أن الطرفين يدعون بشكل منظم، كلٌّ إلى دينه؟

- لا هو يبشر، وأنا أدعو، والدعوة غير التبشير (التنصير)، أنا أعرض عليه، أقول له إن هذا الدين فيه كذا وكذا إن أردت أهلا بك، وإن لم ترد أنتهي ولا أقاتله، ولا أفعل معه شيئا حتى يأتي إلي صاغرًا، ولقد وردت آية: "لا إكراه في الدين" في تلك المرأة التي حاولت إرغام أولادها وكانوا على دين النصرانية فنزلت الآية.

** ولكن في الدول الإسلامية غير مسموح بالدعوة إلى أديان أخرى يظن أهلها أنهم على حق؟

- الدعوة أمر مكفول طالما كان ذلك بالإقناع والاقتناع، ولكن التبشير (التنصير) أمر مرفوض.

** هل الاختلاف اختلاف مصطلح أم اختلاف آليات ووسائل؟

- اختلاف آليات ووسائل اختلاف غرض واختلاف مقصود.

** وماذا عن بناء دور عبادة لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية؟

- أهلا وسهلا ما كان ذلك يحقق مبتغاهم وحاجاتهم، وكان ذلك أمرا مطلوبا.

** والفتوى الشهيرة في عدم السماح لبناء دور عبادة في البلاد المفتوحة حربا؟

- الفتاوى تتعلق بزمانها.

** هل مسموح بناء دور عبادة؟

- مسموح أما هذه الفتاوى فلها سياقاتها التي تتعلق بها كالفتوى التي تتعلق بأهل قبرص حينما اجتمع فيها عدد من الفقهاء يدلي كل بدلوه هل نفك العقد والمعاهدة أم لا والتي وردت في كتاب الأموال لأبي عبيد بن سلام، واختلف الفقهاء في تكيف الواقعة، وهذا من حق هؤلاء المفتين، ويؤدي ذلك إلى اختلاف الأحكام، لكن أغلب هؤلاء أقروا أهل قبرص على عهدهم وقالوا لا يُنقض معهم عهد.

** إذا يجوز بناء دور عباده لغير المسلمين في البلاد الإسلامية؟

- دور العبادة متاحة ومباحة لكل غير مسلم أن يمارس فيها دينه ما كان لذلك داعيًا أو حاجة، لكن بدون الدخول في مفهوم الأقليات التي أنشأه الغرب لتفتيت العالم الإسلامي، ولنا في دراسة الحقبة العثمانية وقضية الامتيازات الأجنبية مدخلا يجب أن نتوقف عنده مليا فمفهوم الأقلية مفهوم تفتيتي، وهو ما كان يسميه أستاذنا الدكتور حامد ربيع سياسة شد الأطراف حتى يضعف القلب.

** مسألة المعاملة بالمثل كثير من الجاليات الإسلامية في الغرب مسموح لها بممارسة عقائدها وبناء دور عبادة، وتعمل في تلك المجتمعات بشكل فيه كثير من الحرية؟

- ليس دائما، وليس كما تتصور، الولايات المتحدة الآن فيها ردة وتراجع عن مثل هذه الأمور.

الحرية والمقاصد

** عودة للجانب التأسيسي: الحرية ومقاصد الشريعة، وأنت أستاذ في المقاصد ما رأيكم في اجتهاد الطاهر بن عاشور أن الحرية مقصد وضروري سادس من مقاصد وضرورات الشريعة؟

- الشيخ الطاهر بن عاشور له قدر جليل، ولا بد أن ينظر إلى اجتهاداته بمزيد من الاحترام، ولكنني من هؤلاء الذين يتحفظون على اجتهاده.

المقاصد خمس وهي تشكل مجالات تأسيسية وهذه المجالات هي الدين والنفس والنسل والعقل والمال، فإن رأيت هذه الأجناس الخمسة حينما تريد أن تضيف على هذه الأجناس من مجالات يجب أن تضيف إليها من جنسها، أما الحرية فليست من جنسها، الحرية في نسق آخر، وهو نسق القيم هكذا يعلمنا الإمام بن القيم أن هناك أنساقا أربعة مهمة يجب أن نفكر بها ويجب أن نربط فيما بينها:

أما النسق الأول فهو النسق المعرفي: فالشريعة حكمة كلها، وكلمة الحكمة فيها معنى العدل: العدل المعرفي، هي نوع من الموازنة بين الفرد والمجتمع، ونوع من الموازنة بين المادي والمعنوي، ونوع من التوازن بين ما كل يتصور الغرب أنه متنافر ومتصارع ومن هنا يبدو لي أن الأمر على هذه الشاكلة.

والشريعة عدل كلها، وهذا هو ميزان القيم؛ ولذلك كان الدكتور حامد ربيع يقول إن العدل هو القيمة العليا وهي عنوان نظام القيم لدينا.

ثم يقول الإمام ابن القيم: والشريعة رحمة كلها، وحينما نؤكد على معنى الرحمة في الشريعة فإننا بذلك نؤكد على النسق السلوكي، أي أن هناك النسق المعرفي ثم النسق القيمي ثم النسق السلوكي، ثم يقول الإمام ابن القيم عن الشريعة إنها مصلحة كلها، وهذا هو النسق المقاصدي هكذا يعلمنا الإمام ابن القيم أن الأربع منظومات هذه في تشابكها وتفاعلها وتساندها تكون أصول العقل المسلم، وتجعل من قيمة الحرية أصلا من الأصول، ولكنه في نسق القيم وليس خارجًا عن نسق القيم في هذا الإطار، كما أننا نعطي الحرية معنى أبعد من ذلك، وهو معنى الكرامة: "ولقد كرمنا بني آدم"، وليس الإنسان حرًّا في أن يتنازل عن كرامته؛ لأن ذلك التكريم كان تكريما إلهيا، وعلى الإنسان ألا يهون أو يخضع أو يستسلم ولا يتجبر أو يتكبر، وهذا هو الإنسان الذي يحافظ على كرامته كما يحافظ على كرامة الآخرين.

أما عن قضية حقوق الإنسان فليس لدينا المعنى الذي يتعلق بأن الحقوق هي حقوق مطلقة نقية من غير واجبات فالفكر الإسلامي يربط بين الحق والواجب وكل حق يتبعه أربع واجبات:

الواجب الأول: أن تكون عارفا به عالما بأصوله (حق أو واجب المعرفة).

الواجب الثاني: واجب ممارسته ممارسة فاعلة ناشطة.

الواجب الثالث: واجب حمايته إذا انتهك.

الواجب الرابع: واجب مراعاته في حق الغير.

وفكرة الحق والواجب واندماج هاتين الفكرتين في نسيج واحد هو الذي يحقق ذلك التوازن العدل بينهما فكل حق ليس خلوا من واجبات وكل واجب ليس خلوا من حقوق.

أينما كان العدل فثم شرع الله

** دائما كانت هناك إشكالية بين الحرية والسلطة في النظام السياسي الإسلامي، وتبدو لنا الممارسة الإسلامية، وقد غلبت جانب السلطة، فلم نر ذلك التوازن بين ممارسة الحرية وممارسة السلطة، فالحكم كان للغلبة وتم قمع الحريات بشكل عام.

- أنت تتحدث عن أمر مهم وهو الأمر الذي يتعلق بماذا إذا حين يتعلق الأمر بإجراءات الحرية، إجراءات الحرية أو الأدوات التي يمكن أن نقيس بها حرية الإنسان من المسائل المهمة جدا وهي ترتبط بفكرة معينة مثل فكرة الديمقراطية.

ففكرة الديمقراطية في الغرب ترتبط بالحرية والحرية في الفكرة الديمقراطية تتحول إلى أدوات هكذا الشورى يجب أن نتحدث عنها بنفس ذلك المنطق فالشورى من عزائم الأحكام وهي ملزمة لا معلمة، وهي ملزمة ابتداء وانتهاء، وأن عنصر الأغلبية من العناصر التي يجب أن نحتكم إليها في هذا المقام، وأن قبول هذه الاجتهادات الوضعية هو أمر من الأمور التي تتعلق بالسياسة الشرعية أي التي توافق الشرع، هكذا قال ابن القيم حينما نقل عن أستاذه ابن عقيل: سيقول البعض لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فإن كنت تقصد أن السياسة الشرعية هي ما نص عليه الشرع فهذا غلط وتغليط للصحابة، ولكن أينما كان العدل فثم شرع الله.

** ما هي أهم الانتقادات لمفهوم الحرية في الفكر الغربي في رأيكم؟

- إنها أتت على كل دائرة المقدس، وأتت على كل دائرة الحفاظ على النفس الإنسانية، وأتت على كل الدوائر التي تتعلق بوحدة المعايير، وإطلاقية النسبية فأدى ذلك إلى حالة من حالات الظلم المشهود، والذي يشير إليه كثير من الناس سواء كانوا مفكرين داخل الغرب أو داخل الحضارات الأخرى.

** هناك قضية مرتبطة بقضية الحرية وهي حد الردة والإشارة إلى قول الرسول: "من بدل دينه فاقتلوه"؟

-  الدكتور طه جابر علواني له اجتهاد في ذلك، وقد كتب كتابا عن حد الردة، وهو من الأمور التي تحتاج منا مناقشة وتوقفا.

أنا أقول: إن القاعدة التي تحكم كل هذا الباب هي قاعدة لا إكراه في الدين، والدين لا يمكن أن نراه بأي حال من الأحول كمصيدة أي أن من دخله لا يخرج منه بل يمكن أن يخرج منه، وليس على المسلمين أن يأتوا بمنافقين جدد، ومن هذا الباب أؤكد أن هؤلاء ما حيينا يستتابون دائما، وأن الردة الواضحة الموجودة في التاريخ هي التي تتعلق بالردة الجماعية، وحالة الردة الجماعية هذه هي قضية أمن دولة، وأمن قومي، يحافظ بها على كيان الدولة.

وذلك مثل قتال أبي بكر للمرتدين، وقولته المشهورة: "والله لو منعوني عقال بعير كان يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم على منعه".

** هل من الممكن لشعوب العالم أن تتفق على مبادئ إنسانية عامة تتجاوز بها الأديان السماوية، أقول مسألة الأديان حتى لا يحاول كل صاحب دين أن يفرض مقتضيات دينه على الآخرين؟

- لا يفرض مقتضيات دينه على الآخرين، هناك ما يسمى بالمشترك الإنساني، ومن علامات الدين الصحيح أن يقوم هو باحترام الآخر، ولا ينظر إلى صاحب الدين الآخر نظرة عنصرية، وهكذا الإسلام ينظر إلى الآخرين بأن من حقهم أن يكون لهم دينهم، سواء أكانت ديانات وضعية أو سماوية.

** وهل يسمح الإسلام بتعبير ديانات وضعية كالبوذية مثلا؟

- نعم لكم دينكم ولي ديني، وكان يتحدث في ذلك مع المشركين.

** هل للمسلمين أن يدخلوا في تحالفات فكرية مع أصحاب الديانات الأخرى؟

- إن كان كحلف الفضول.

** وهل لهم أن يتفقوا به على مفهوم للحرية ويتجاوزوا مسألة الأديان؟

- لماذا يتجاوزون مسألة الأديان؟ الأديان في هذا الإطار تحفز على احترام أهل الأديان الأخرى، وإذا كانت الأديان كذلك فلماذا نتجاوزها؟!!

** حتى يكون سقف الحرية فيها أعلى من السقف التي تسمح به مختلف الأديان؟

- ليست هناك حرية تخلو من حدود، ولا بد أن تكون الحرية ملتزمة مسئولة، حدود لا تقيد من الحركة، ولكنها منبهات لحدود الحركة، وهذه القيم حينما تتحول إلى سلوكيات.

** كيف قتل الاستبداد في عالمنا العربي والإسلامي الحريات؟

- طبعا هذا موضوع غاية في الأهمية، وأنا أوصي كل من يقرأ أن يقرأ كتاب الكواكبي طبائع الاستبداد؛ لأنه يتكلم عن مفهوم الاستبداد كمفهوم شبكي، وكيف يتكون الاستبداد ويحيط بالناس جميعا لكن الذي لا يطالب بالحرية وينتزعها لا يستأهل الحرية.

** وهل من اليسير تفكيك شبكة الاستبداد، وبالذات في العالم الإسلامي؟

- أكيد، ولكن ذلك يتطلب نوع من العمل والتضحيات.

** أحسب أن الاستبداد الذي قتل القدرة في نفسيات هذه الشعوب أفقدها القدرة على تقديم التضحيات؟

- كل شيء يأتي بالتربية فهناك تربية استبدادية، وهناك تربية أخرى تربية حرية، وكما قلنا يراد لنا دائما، وليس ذلك من نظرية المؤامرة، ولكن نحن لم نختار حكامنا، ويأتي هؤلاء الحكام ويمارسون نوعا من الاستبداد، ويُحمون من الخارج، ولكن في حقيقة الأمر يوم أن تقوم الشعوب لتقول كلمتها ستكون هذه صرخة الحرية في هذا الميدان الفسيح للاستبداد.

** ويقولون متى هو؟

- قل عسى أن يكون قريبا.

اقرأ أيضا:


** رئيس تحرير دورية "دليل الكتب الإسلامية" باللغة الإنجليزية IBR.


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع