إسلام أون لاين/دعوة ودعاة - دعوة للتأمل
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

المغرب.. الإصدارات السلفية في قفص الاتهام

د. حسن الأشرف‏ **- 19/09/2004

أصبح اشتغال كثير من الشباب المتدين بتجارة الكتب والأشرطة الدينية ظاهرة برزت بشكل جلي مؤخرا في المغرب، استساغها البعض على مضض، وتقبلها البعض الآخر بصدر رحب، في حين هاجمها آخرون، ونعتوا الإخوة الذين يأكلون لقمة عيشهم من التجارة في الكتب والأشرطة الدينية بشتى الأوصاف الذميمة، وصبوا عليهم جام غضبهم، بل حاولوا تأليب السلطات عليهم.

أسباب ومعطيات

ازدهرت هذه التجارة في المغرب بشكل لافت للنظر في السنوات الأخيرة، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحرب أفغانستان، بحيث صار سوق الكتب والأشرطة الدينية سوقا رائجا ومربحا إلى حد ما، تماما كما حدث في أوروبا وأمريكا من ارتفاع غريب في معدلات بيع الصحف وترجمتها إلى اللغات الحية العالمية، وبيع الكتب التي تتحدث عن الإسلام وماهيته.

وتشهد الأسواق المغربية حاليا نشاطا مكثفا في هذا المجال، لكن اللافت للانتباه هو تلك التجارة التي يتخذ الإخوة البائعون ساحات المساجد مكانا لها، وأحيانا الأسواق الشعبية، حيث يعرضون الكتب والأشرطة الدينية على الأرض، فتبدو تجارة متواضعة، ولكن نجاح بعضهم فيها أغرى الآخرين بنهج نفس السبيل، وهكذا تكاثرت نقاط البيع بشكل مذهل حقا، بيد أنه ينبغي عدم إغفال سبب مهم جدا يجعل الكثير من الناس وخاصة الشباب الذي تبدو عليه علامات الالتزام (إعفاء اللحية، واللباس القصير …) يلجئون إلى مثل تلك التجارة، ألا وهو: الفاقة والحاجة والضغوطات الاجتماعية القاسية؛ فأغلب هؤلاء الشباب ليسوا من الحاصلين على شهادات تعليمية عالية، وبالتالي لم يعثروا على فرص للعمل، فضلا عن أنهم ينحدرون عادة من أسر فقيرة، ثم لأنهم يتزوجون مبكرا من أجل الإحصان وعدم السقوط في المعاصي، فيحتاجون بسبب كل هذا إلى مصدر رزق مهما كان ضئيلا يبارك فيه الله عز وجل، فلا يلقون أمامهم سوى تجارة لا تتطلب رأسمال كبيرا، ولا مجهودا كبيرا، فيقتنون بعض الكتب وأشرطة المحاضرات الدينية لأشهر العلماء والمشايخ في العالم الإسلامي، ويعرضونها للبيع غالبا على الأرض أو على عربات معدة سلفا لذلك؛ وإذا ما يسر لهم الرازق ذو القوة المتين، فإنهم يرفقون تلك الكتب والأشرطة بمطويات وكتيبات صغيرة وبعض العطور والقمصان والسواك وغير ذلك مما يحتاجه المرء المسلم في حياته اليومية.

تجارة شريفة تفيد الجميع

لا يجد الكثيرون في تجارة الكتب والأشرطة الدينية أية غضاضة، فهي تجارة كباقي أنواع التجارات. فقط الذي يختلف هنا هو نوعية السلع المعروضة ومكان العرض والشخص العارض لسلعته. فالسلعة تجارة تهدف إلى نشر الكتاب الإسلامي والشريط الإسلامي مع ضمان ربح ما طبعا. ومكان العرض يتمثل في أغلب الأحيان في الساحات المجاورة للمساجد التي تكون آهلة بالمصلين، وقد يكون المكان قرب سوق عمومي أو في دكان مخصص لذلك، أو حتى في الحافلات. أما الشخص العارض لسلعته تلك فغالبا ما نجده شابا تظهر على شكله ملامح التدين وعلامات الالتزام.

يقول محمد، أحد باعة الكتب الدينية: "لا أدري لماذا أثيرت كل هذه الضجة حول تجارتنا في الكتب العلمية والأشرطة وباقي الأغراض الدينية؟! إنها تجارة عادية؛ ثم إن الكتب المعروضة ليست كتبا ممنوعة أو فيها أمور تخالف العقيدة، فكلها كتب معروفة تتحدث عن العقيدة الصحيحة، وعن السلف الصالح وكيف فهموا هذا الدين؛ فلماذا يعارض البعض مورد رزق كهذا ؟!".

ويقول أبو مصعب الهلالي أحد تجار الكتب والأشرطة الدينية: "لقد ثارت ثائرة العلمانيين ضدنا، وكتبوا في جرائدهم العلمانية ما تتشقق منه الحجارة، وصفونا بالرجعية وبأننا نروج للخرافات ونبيع الوهم".

أما  أبو أويس، الداعية المغربي، فيقول: "إن المتاجرة في الكتب النافعة والأشرطة الدينية ليس فيها ما يضر المجتمع أو الفرد، بل بالعكس، فأثمانها الرخيصة تساعد شريحة مهمة من الناس - مثل طلبة العلم المبتدئين وذوي الدخول المحدودة - أن يشتروها بيسر، فتفيدهم في دينهم كما في دنياهم".

ويتابع أبو أويس قائلا: "لقد اطلعت على أنواع تلك الكتب والأشرطة والتسجيلات، فلم أعثر فيها على مخالفات عقدية أو فتاوى تكفيرية، إنما هي إصدارات لعلماء السنة ومشايخ الدعوة السلفية المباركة، مثل: الشيخ العلامة ابن باز، والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم كثير، فهل هؤلاء يدعون إلى الفتنة حتى تقوم كل تلك الهجمات الإعلامية الشرسة عليهم، وعلى من يبيعون أشرطتهم وكتبهم؟ إن من يبيعون تلك المواد مجرد شباب بسطاء، همهم أن يحصلوا على لقمة عيش شريفة من حلال، وفي نفس الوقت يفيدون الآخرين".

يرونها غطاء للتطرف

أما من يعارضون التجارة في الكتب والتسجيلات الدينية، فإنهم يتهمون من يفعل ذلك بالمساهمة في إيقاظ الفتنة النائمة، وبالترويج لأفكار مخالفة للمذهب المالكي السائد في المغرب، وينعتون تلك الكتب بالكتب الصفراء. ولقد سارت في هذا الاتجاه جريدة الأحداث المغربية التي تنشر يوميا تقريبا مقالات وعناوين عريضة تهاجم بعض الأنشطة الدينية وأصحابها، كما فتحت صفحاتها لإحدى الكاتبات التي خصصت مقالاتها لنقد الإمام البخاري رحمه الله.

وقد وصل الأمر بهذه الصحيفة وبمن سار في دربها إلى حث السلطات على تضييق الخناق على باعة الكتب الدينية. وقد حصل لهم ما كانوا يخططون لـه، إذ لم يعد سهلا عرض هذه الكتب قرب المساجد، كما أن بعض شركات توزيع الأشرطة الدينية وقعت في مشكلات مع السلطات مثل ما وقع لشركة "دار القمة". والأمر نفسه بالنسبة لبعـض المكتبات المتخصصة في الكتب والمراجع الإسلامية، بل حتى معرض الكتاب الذي نظم مؤخرا في مدينة الدار البيضاء لم يشهد عرض الكتب التراثية والدينية إلا بأعداد وكميات قليلة.

يقول أحد الناشطين في أحد الأحزاب السياسية: "إن التجارة في الكتب الدينية هي مجرد غطاء لمخطط أصولي متطرف يهدف إلى زعزعة الاستقرار المذهبي في البلاد، فنحن ندين بالمذهب المالكي، فلماذا يريدون أن يفرضوا علينا مذاهب أخرى؟ مع احترامنا وتقديرنا لجميع الأئمة. إن جميع الكتب التي تعرض هي كتب ترمي إلى نشر الوهابية  في المغرب. إننا جميعا مسلمون، فلا داعي لأن يدعي البعض أنهم يمتلكون الحقيقة، وأن دينهم هو الدين الحق، وصلاتهم هي الصحيحة، أما نحن فمجرد عوام وهوام".

كتب صفراء غرض بائعيها الربح

ويقول آخر من المعارضين: "إنها مجرد كتب صفراء تأتينا من المشرق العربي. يأخذها هؤلاء المتأسلمون مجانا عن طريق مراسلة الجمعيات الخيرية هناك في السعودية والكويت وغيرها، ثم يضعون الأثمان عليها هنا، فيربحون ويغنمون من هذه الوجبة الدسمة، وأتحدى أيا كان إذا ما كان هدف هؤلاء هو تيسير الكتاب أو الشريط الإسلامي للناس أو نشر الدعوة كما يزعمون هم. إنما قصدهم الأول والأخيـر هـو المـال، ولا شيء سـوى المال. لقد استغلـوا الهجمات الانتحارية ليـوم الثلاثـاء الأسـود على أمريكـا، واستغلـوا الأحداث التي تلتها في أفغانستان، بعرض الكتب عن ابن لادن، والقمصان التي عليها صورته؛ فهل هذا هو الدين يا ترى؟!".

وحين سألنا أحد المسئولين في إحدى المكتبات الدينية عن نوعية الكتب التي تمت مصادرتها، أجابنا قائلا: "أهم الكتب التي تم تضييق الخناق عنها هي: كتاب منهاج المسلم للشيخ أبي بكر الجزائري رسالة عذاب القبر الأصول الثلاثة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب كتاب العقيدة الواسطية كتاب العقيدة الطحاوية وكتاب التوحيد صحيح الكلام الطيب. فأغلب الكتب الدينية المصادرة هي للمشايخ الكبار: ابن باز، وابن عثيمين، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، رحمهم الله".

أما عن الأشرطة فقد تمت مصادرة أشرطة تلاوة القرآن وترتيله للشيخ عبد الرحمن السديس، والشيخ سعود الشريم، وأيضا أشرطة الدروس والمحاضرات للشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله، وأشرطة الشيخ الدويش والقرني وغيرهم.

قضاء على الفتنة أم إحياء لها؟

أخيرا، أرى أن من يدعي أن تجارة الكتب والأشرطة الدينية ستؤدي إلى الفتنة، هو في الحقيقة من يسعى إلى إذكاء نار الفتنة وإشعال فتيل التفرقة والتطاحن بين المسلمين، في حين أن دين الله واحد، ارتضاه لنا، وعلينا جميعا أن نعبده، ونتمسك بالعروة الوثقى، وأن يكون مصدر عزتنا هو: القرآن الكريم وسنة نبيه المصطفى عليه السلام. فتجارة الكتب والأشرطة الدينية ما هي إلا مشجب يعلق عليه أعداء الإسلام حقدهم، ويجعلونها سببا لمحاربة هذا الدين، لكن الله عز وجل يقول وهو خير قائل: "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ويَأْبَى اللَّهُ إلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ" [التوبة: 32].

اقرأ أيضًا:


** كاتب وباحث مغربي

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع