بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

برنامج النفط مقابل الغزو!

2003/04/01

** مجدي صبحي

عقبات تعرقل إطعام العراقيين من البرنامج

قرار مجلس الأمن يوم 28 مارس 2003 باستئناف العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء لمدة 45 يومًا بعد أن كان الأمين العام للأمم المتحدة قد أوقف العمل بالبرنامج يوم 16 مارس الماضي.. أثار التساؤل حول إمكانية تطبيق هذا القرار أثناء العمليات العسكرية الجارية على أرض العراق، خاصة أن قوات الغزو الأنجلو أمريكي لم تستطع السيطرة على المدن العراقية التي يفترض أن تكون مكانًا لتطبيق هذا القرار؟ وكذلك من سيشرف على تطبيقه في هذه الأجواء الحربية بعد أن سحبت الأمم المتحدة موظفيها؟ ولماذا كان تمديد البرنامج لفترة مؤقتة؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها دونما فهم لأبعاد العلاقة بين العراق والأمم المتحدة منذ بدء تطبيق البرنامج عام 1996.

شد وجذب

ظل اتفاق النفط مقابل الغذاء منذ بداية تطبيقه في ديسمبر 1996 محل شد وجذب بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة والنظام العراقي من جهة أخرى. فقد بدأ البرنامج بناء على مذكرة تفاهم بين الحكومة العراقية والأمم المتحدة في مايو 1996، وهي المذكرة التي تأسست على قرار مجلس الأمن رقم 986 الصادر في 14 إبريل 1995.

وقد سمح القرار للعراق بتصدير ما قيمته 2 مليار دولار من النفط كل ستة أشهر للوفاء بحاجات شعبه الأساسية، وقد قررت الأمم المتحدة الاحتفاظ بحصيلة الصادرات في حساب تديره بنفسها. واتفُق على أن يتم توزيع هذه الحصيلة بحيث يستخدم 53% منها للوفاء بالحاجات الإنسانية للمواطنين العراقيين في الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة العراقية (أي مناطق الوسط والجنوب)، بينما يخصص 13% لتمويل نفس الاحتياجات في المناطق الكردية شمال العراق، و30% تستخدم لدفع التعويضات المترتبة على حرب الخليج الثانية، كما يخصص الباقي لتغطية المصاريف الإدارية للأمم المتحدة.

وقد اتفُق كذلك على أن يتم النظر في تجديد البرنامج كل ستة أشهر؛ حيث إن البرنامج كان مقصودًا به أن يكون مؤقتًا، كما كان هناك نص يؤكد على أنه لا يفي بكل حاجات الشعب العراقي، ولكنه برنامج صمم لأجل تغطية الحاجات الإنسانية الأساسية من غذاء ودواء لحين مراجعة قضية العقوبات ككل.

ورقة النفط

ومن الملاحظ أن النفط قد شكل دائمًا جزءًا من معادلة الصراع بين العراق من جهة وكل من الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى منذ تم العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء. ويعد هذا الأمر طبيعيا إذ إن النفط بات هو الورقة الوحيدة تقريبا التي يمتلكها العراق في التعامل مع الولايات المتحدة والغرب وبقية دول العالم.

لكن الواقع أن ورقة النفط العراقية يمكن القول بأنها سلاح ذو حدين؛ إذ بقدر ما كان يتيح للنظام العراقي بعض القدرة على المناورة واستغلاله في تحقيق هدف رفع الحصار والعقوبات نهائيا عن العراق، بقدر ما كان يعد هذا السلاح موجهًا ضد النظام العراقي الذي لا يملك أي موارد أخرى لتغطية حاجات الشعب الأساسية.

لذا ظل استخدام ورقة النقط قبل وقوع الغزو الأنجلو أمريكي مرتبطًا إلى حد بعيد بالوضع أو طبيعة اللحظة التي يمر بها سوق النفط من حيث مستويات العرض والطلب والأسعار وغيرها من العوامل.

وقد كانت هناك لحظات استغلت فيها الولايات المتحدة أوضاع السوق النفطي العالمية في تمرير قرارات قد يبدو منها أنها في صالح العراق، ومنها الموافقة على زيادة قيمة الصادرات من النفط لتصبح 5.25 مليارات دولار كل ستة أشهر في 21 مايو 1999 مع ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية، فحينما تزيد أسعار النفط بشدة تكون كمية الصادرات أقل نتيجة؛ لأن العراق محكوم بقيمة لا بكمية الصادرات والعكس بالعكس.

ومن اللحظات التي نجح العراق في المناورة بالورقة النفطية حينما أوقف صادراته في 23 نوفمبر 1999، للمطالبة بالنظر في رفع العقوبات عنه نهائيا. وكانت هذه اللحظة مناسبة لأن أسعار النفط كانت قد أخذت في الارتفاع تدريجيًا من نحو 11 دولارًا للبرميل في بداية عام 1999 إلى نحو 26 دولارًا في نوفمبر من العام نفسه، وفي وقت كان هناك حاجة شديدة لكل قطرة نفط لكي يتم خفض مستويات الأسعار الآخذة في الارتفاع، وفي وقت كان لدى العراق فيه طاقة تصديرية تبلغ نحو 2.2 مليون برميل يوميا.

وفي تصعيد آخر في مواجهة للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، أعلن العراق في عام 2000 أنه تراكم في الحساب المصرفي الذي تديره الأمم المتحدة نحو 12 مليار دولار نتيجة لعدم تنفيذ العقود التي يتم الاتفاق عليها بالسرعة الكافية، أو نتيجة لأن الدخل النفطي خاصة بعد ارتفاع الأسعار يتحقق بسرعة أكبر من سرعة موافقة الأمم المتحدة على بعض المطالب العراقية من السلع الأجنبية.

ومن هنا فإن العراق يكون في واقع الأمر لديه الأموال التي تكفي حاجاته الإنسانية طبقًا لخطة النفط مقابل الغذاء لمدة عام كامل دون أن يقوم بتصدير أي قطرة جديدة من النفط. وقد شجع هذا الموقف العراق على الحديث في إمكانية تعليق صادراته من النفط عند بحث أمر تجديد العمل بصيغة النفط مقابل الغذاء. وكان العراق يدرك بالطبع الوضع المعقد والصعب المميز لسوق النفط خاصة مع تزايد برودة الجو في الدول المستهلكة الغربية.

ونظرا لأن العراق يقوم بتصدير ما يقدر بنحو 2.2 مليون برميل يوميا فإن غياب هذا الكمية ستعني ارتفاعا هائلا في الأسعار، والأهم ستدفع نحو حالة من الذعر في الأسواق، حيث هناك شك كبير في إمكانية تعويض غياب مثل هذا الكمية؛ لأن أغلب الدول المنتجة كانت قد شارفت في هذا الوقت على استغلال كامل طاقتها الإنتاجية ويعد الفائض المتوافر في هذه الطاقة محدودًا على المستوى العالمي في الوقت الراهن، وهو ما يعد في الواقع سبب اختيار العراق لهذا التوقيت في محاولة الضغط لرفع العقوبات أو على أقل تقدير الحصول على شروط أفضل من تلك التي تتضمنها اتفاقات النفط مقابل الغذاء.

وعاد البرنامج ليكون مشكلة مرة أخرى في يونيو عام 2001، وتم تمديد العمل به لمدة شهر واحد حتى يمكن إعطاء فسحة من الوقت لأعضاء مجلس الأمن لمناقشة اقتراح بريطاني. وكان الهدف من هذا الاقتراح هو محاولة تغيير نسق العقوبات ليتم التحول من صيغة "النفط مقابل الغذاء" لما سمي بالعقوبات الذكية. وكانت الخطة البريطانية تتضمن تسهيل الاتفاق على الواردات من السلع الغذائية والدوائية للعراق مقابل تشديد العقوبات والرقابة التي تتضمن سلعًا عسكرية أو السلع التي يمكن أن تكون ذات استخدام مزدوج مدني/عسكري. لكن التحالف الأنجلو أمريكي فشل في تمرير ما يريده وتم تجديد البرنامج لمدة ستة أشهر كما هي العادة مرة أخرى.

ثروة رهينة لمجلس الأمن

والواقع أن البرنامج لم يكن محل رضا لا من الجانب العراقي ولا من جانب بعض القوى التي تربطها به علاقات ومصالح مثل روسيا والصين وفرنسا. بل إن البرنامج لم يكن محل رضا من قبل مؤسسات الأمم المتحدة غير السياسية والمهتمة بالفعل بالأوضاع داخل العراق مثل منظمة الصحة العالمية وبعض الهيئات المستقلة التي درست الوضع في العراق عن قرب. فالبرنامج الذي كان مستهدفًا أن يكون مؤقتًا أصبح دائما ووضع الثروة العراقية رهينة لدى مجلس الأمن.

وقد تفاقم عدم الرضا إلى حد استقالة منسق عام البرنامج دينيس هاليداي في صيف عام 1998 بعد أن عمل لمدة 34 عامًا في الأمم المتحدة. ومما ذكره هاليداي كأسباب لاستقالته، رؤيته لعدم وجود أي نوع من التوافق بين البرنامج العراقي وروح ونص ميثاق الأمم المتحدة. وشدد هاليداي على أن البرنامج الذي كان يقع تحت إشرافه ليس برنامجًا إنسانيًا عبر المعونات وإنما هو برنامج مدفوع بالكامل مقابل تصدير جزء من ثروات الشعب العراقي نفسه المستفيد من البرنامج. وأشار إلى أن هناك نحو 6000-7000 طفل عراقي يموتون شهريا بسبب نقص الغذاء، وأكد على أن منظمة الصحة العالمية ترى أن الرقم الصحيح يتجاوز هذه الأرقام بكثير. وفي حوار مع إحدى الصحف أكد هاليداي على أن ما يحدث هو عملية تدمير لمجتمع بأكمله، وهو أمر غير أخلاقي وغير قانوني.

البرنامج أثناء العدوان

ثم جاءت الحرب على العراق وما تبعها من مناقشات في مجلس الأمن أدانت في أغلبها العدوان الأمريكي البريطاني المفتقد للشرعية الدولية. ولكن كان هناك قرار جديد لمجلس الأمن يوم 28 مارس باستئناف العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء لمدة 45 يومًا بعد أن كان الأمين العام للأمم المتحدة قد أوقف العمل بالبرنامج يوم 16 مارس 2003.

وقد نص القرار على أن يكون الأمين العام نفسه هو الذي يراقب البرنامج طوال مدة تنفيذه.

وكان التوصل لهذا القرار صعبًا من زاوية أن الدول خاصة تلك الدائمة العضوية في مجلس الأمن وعلى رأسها روسيا قد خشيت أن يفسر هذا القرار على أنه يمنح شرعية للغزو الأمريكي البريطاني للأراضي العراقية؛ ولذا فإن هذا التمديد المؤقت للبرنامج مر بسبع صياغات مختلفة على مدى أسبوع كامل.

وكان وزير الخارجية الروسي حريصًا على إصدار بيان رسمي في نفس يوم صدور القرار ينص على أن "القرار يعد فنيا وذا طبيعة مؤقتة، وهو ما يعني عدم إعطاء أي شرعية للعمليات العسكرية الأمريكية البريطانية".

ومن جانبه فإن النظام العراقي أصر على موقفه برفض تمديد البرنامج، وذلك بناء على العديد من الاعتبارات ربما يكون من أهمها قوة هو الحجة القانونية القائلة بأن البرنامج ذاته قد تم العمل به بناء على مذكرة تفاهم بين الحكومة العراقية والأمم المتحدة، بينما هذا التمديد لم يتم استشارة الحكومة العراقية فيه على الإطلاق.

ويأتي ذلك بالطبع نتيجة للأوضاع في العراق بعد الحرب؛ إذ لا يعرف عمليا كيف سيتم إمداد المواطنين العراقيين بحاجاتهم، بما في ذلك ما قيمته 2.4 مليار دولار من الأغذية والمعدات الطبية وغيرها من الحاجات الأساسية، علاوة على ما قيمته 6.5 مليارات دولار من سلع أخرى تم الموافقة عليها سابقًا ومن المفترض أن يتم شحنها للعراق. فبينما تسيطر الولايات المتحدة على المواني الرئيسية العراقية على الخليج العربي، فإنها في الوقت ذاته لم تسيطر على أي من المدن العراقية خاصة الكبيرة منها في الجنوب كالبصرة والناصرية، هذا ناهيك عن العاصمة العراقية بغداد.

ولا يعرف كيف سيتم تنفيذ البرنامج في هذه الحالة سوى إمكانية تنفيذه في جزء كبير من المناطق الشمالية الكردية، وهو ما يمكن أن يبدو بمثابة تأييد للجناح الموالي لقوات الغزو وتجاهل للحاجات الملحة لأغلبية الشعب العراقي في الوسط والجنوب.

بل إن المندوب الأمريكي في مجلس الأمن لم يترك مجالاً للتفكير في هذا الأمر، حيث ذكر أن "سلطات قوات التحالف سوف تقدم على تسهيل عملية التنسيق الضروري على الأرض في العراق مع الأمم المتحدة وممثلي وكالات الإغاثة مع وصول إمدادات برنامج النفط مقابل الغذاء وغيرها من المعونات الإنسانية وتوزيعها، طبقا لما تسمح به الأوضاع على الأرض"، فهل تسمح قوات الغزو بدخول الأغذية والأدوية للمواطنين في المدن المقاومة في الجنوب وهي تشدد عليها الحصار، أو تسمح بمرورها لبغداد التي تشدد القصف الجوي عليها وتسعى لتشديد الحصار عليها خلال الأيام القليلة القادمة؟!


**  خبير في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع