|

|
|
مكاسب عديدة ستجنيها أمريكا
|
سبق
أن أشرنا في مقال بـ"إسلام أون لاين.نت"
بعنوان "مخطط تركيع أوبك" أنه
ينبغي علينا ألا نضيع جهودنا سدى في
محاولة البحث عن السبب الحقيقي وراء
الإصرار الأمريكي على خوض الحرب ضد
العراق. وكان السؤال الأكثر إلحاحا
المطروح هو: هل الإصرار الأمريكي على
خوض الحرب يعود إلى الرغبة الأمريكية في
السيطرة على النفط أم لسبب آخر؟ وكان
ذلك بهدف يبدو نبيلا؛ هو محاولة نزع
الدوافع الأخلاقية أو القانونية أو
السياسية عن هذه الحرب التي كانت مزمعة
وقتها.
وكان
رأينا -وما زال- يتلخص في أنه إذا لم تكن
الحرب ترجع للنفط من حيث الأسباب؛ فإنها
-لا محالة- ستكون كذلك من حيث النتائج.
فبغض النظر عن المبررات الأمريكية نجد
أن شن الحرب والانتصار فيها سيعني وضْعَ
ثاني احتياطي نفطي في العالم (يبلغ حجمه
حاليا نحو 112 بليون برميل قابلة للزيادة)
تحت سيطرة الولايات المتحدة؛ وهو ما
يمكن أن يغير من وضع المعادلة النفطية
العالمية، وتمليك واشنطن للمزيد من
أوراق الضغط في السوق النفطية العالمية
التي تمكنها من تحييد قوة أوبك، أو الحد
منها على الأقل؛ بحيث يمكن الوصول إلى
أسعار في سوق النفط تقع ضمن النطاق الذي
تراه واشنطن مناسبًا، علاوة على أهداف
إستراتيجية أخرى سنشير إليها لاحقًا.
بدلاً
من التعامل التجاري
وهنا
يهمنا وضع القضية في إطارها الصحيح
بدلاً من التعامل التجاري مع هذه الحرب
ونتائجها؛ فقد كان من المدهش استخدام
قضية الحرب وتكلفتها لخدمة هدفين
متناقضين؛ إذ رأى البعض أن الإدارة
الأمريكية تراهن على أنه بعد الحرب
ستستطيع الولايات المتحدة تعويض هذه
الكلفة العسكرية بل وأكثر؛ نتيجة
لانخفاض أسعار النفط بعد السيطرة على
العراق، وزيادة الإنتاج منه. علاوة على
مكافأة شركاتها النفطية بالسيطرة على
الغنيمة العراقية، وخاصة بالارتباطات
المعروفة لبعض كبار مسئولي الإدارة
بهذه الشركات. بينما يستخدم البعض الآخر
نفس الحجة لنفي أهمية النفط كسبب
للعدوان الأمريكي؛ حيث إن تكلفة الحرب
تزيد بكثير في رأيهم عما يمكن جنْيُه من
النفط العراقي.
والواقع
أن هذه الأفكار أجدر بأن توجد -كما سبق
أن أكدنا- في مكان آخر ضمن سجلات
المحاسبين لا في الحديث عن حرب أمريكا
في العراق. ونعتقد أن التناول الصحيح
ينبغي أن يتم ضمن إطار يعطي لقضية
التكلفة وقضية استردادها عبر النفط أو
عقود إعادة الإعمار وزنها الصحيح ضمن
السياق الذي تتحرك فيه الولايات
المتحدة على الصعيد العالمي ككل؛ إذ
تراهن الإدارة –بالطبع- على بعض
الأهداف الصغيرة قصيرة الأجل إن جاز
القول؛ مثل أثر انخفاض أسعار النفط على
ميزانية المستهلك النهائي، وخفض تكلفة
النقل؛ وهو ما سيعمل على زيادة إنفاق
المستهلكين ليساعد بدوره على زيادة فرص
الانتعاش الاقتصادي.
كما
أنه لا يمكن إنكار دور الحرب، وخاصة في
حالة تحقيق الولايات المتحدة لأهدافها
منها؛ في مكافأة شركات البترول
الأمريكية التي تعد من بين كبرى الجهات
المؤيدة للإدارة الحالية، ومنحها شريحة
كبيرة في نفط الشرق الأوسط، وخاصة في
بلد بوزن العراق نفطيا، وهو ما كانت
تتطلع إليه الشركات الأمريكية منذ فترة
طويلة مع حرمانها من المساهمة في
استغلال الحقول الليبية والإيرانية منذ
فترة طويلة من الوقت، إضافة إلى عدم
تواجدها في العراق، وعدم وجودها بشكل
مباشر ضمن حصة إنتاج النفط في الكثير من
بلدان الخليج التي تسيطر على قرارات
الإنتاج فيها الشركات الوطنية مثل
المملكة العربية السعودية (البلد صاحب
أكبر احتياطي نفطي في العالم، والبلد
الأول عالميا في إنتاج وتصدير النفط)
والكويت.
نصر
إستراتيجي
لكن
السبب الأكثر أهمية من كل ما سبق هو
النصر الإستراتيجي الذي تراه الإدارة
الأمريكية على الجبهة الاقتصادية،
ناهيك عن الآثار على النظام العالمي
ككل، بالسيطرة على نفط العراق، ووضع
يدها على ثاني أكبر احتياطي نفطي في
العالم. فمن المعروف أنه حتى الآن
يتزايد اعتماد أوروبا وآسيا على النفط
من منطقة الخليج أكثر بكثير من الاعتماد
الأمريكي عليه (يصل الاعتماد الياباني
على منطقة الخليج إلى 85% من مجمل النفط
المستهلك).
كما
أن بعض القوى الأخرى ذات النمو السريع
التي قد تكون مناوئة -مثل الصين- يتزايد
اعتمادها أكثر فأكثر على استيراد النفط
مع معدلات النمو الصناعي التي تتجاوز 12%
سنويا. وهو ما يعني تملك الولايات
المتحدة لأصل إستراتيجي كبير في مواجهة
منافسيها وخصومها المحتملين في العالم.
كما أنه لا يمكن إنكار تزايد حاجة
الولايات المتحدة نفسها للنفط، وضآلة
الاحتياطي الأمريكي المؤكد، واضطرار
الولايات المتحدة لاستهلاك المزيد من
نفط منطقة الخليج التي تسيطر وحدها على
نحو ثلثي حجم الاحتياطي العالمي. يضاف
إلى ذلك فشل الولايات المتحدة في تأمين
مصادر أخرى لحاجاتها النفطية المتزايدة
من مناطق أخرى في العالم.
وإذا
ما تمت رؤية ذلك ضمن هلال غني بالنفط
يمتد من آسيا الوسطى وحتى الخليج ربما
لا يعيقه في شبكة المصالح الأمريكية بعد
العراق سوى إيران. وهنا فإن احتلال
العراق ثم تنصيب حكومة موالية للولايات
المتحدة سيعني تأمين الحاجات الأمريكية
لفترة طويلة من الوقت دون تهديد بحظر
نفطي أو غيره، علاوة –بالطبع- على الدور
الذي يمكن أن يلعبه نفط العراق في
القضاء على منظمة الأوبك إلى أقصى حد أو
إضعافها. ويكتمل هذا الإطار بالطبع إذا
ما نجحت الولايات المتحدة في دعم جهود
المعارضة الفنزويلية، وتم التخلص من
الرئيس شافيز.
تقسيم
الكعكة النفطية
وفي
مجال الصراع حول تقاسم الكعكة النفطية
العراقية يمكن الإشارة إلى عدد من
النوايا التي توضح مستقبل التعامل مع
هذه القضية في ظل الاحتلال المباشر
للولايات المتحدة أو في ظل حكومة عراقية
موالية لها:
إذ
نجد أولاً أن هناك صراعًا يدور منذ ما
قبل الحرب حول مصير العقود النفطية التي
سبق لنظام صدام حسين أن وقعها مع بعض
الشركات النفطية من روسيا وفرنسا
وفيتنام وسوريا وعدد من البلدان الأخرى.
وأهمها -فيما نحن بصدده- العقود مع شركة
"توتال فينا ألف" الفرنسية، واتفاق
بقيمة 3.7 مليارات دولار مع شركة "لوك
أويل" الروسية العملاقة.
ومن
هنا نجد تصورين مختلفين تماما:
أحدهما
وتتبناه الدول الكبرى التي عارضت الحرب
الأمريكية في العراق مثل فرنسا
وألمانيا وروسيا والصين، إلى جانب دعم -إلى
حد ما- من جانب بريطانيا الحليف الرئيسي
في الحرب الأمريكية في العراق. ويدعو
هذا التصور إلى ضرورة العودة للأمم
المتحدة فيما يتعلق بإدارة الوضع في
العراق، والبتّ بالتالي في قضية عقود
إعادة الإعمار وعقود النفط من خلال
المنظمة الدولية.
أما
التصور الآخر فهو التصور الأمريكي
المعلن والواضح، الذي سبق أن عبرت عنه
صقور الإدارة الأمريكية مثل مستشارة
الرئيس لشؤون الأمن القومي كونداليزا
رايس التي أكدت على أن من دفع الدم
والمال هو من يمكن أن يستفيد بعد التخلص
من نظام صدام حسين. كما أن ريتشارد بيرل
مستشار وزير الدفاع الأمريكي، الذي
استقال مؤخرًا من رئاسة المجلس
الاستشاري التابع للدفاع الأمريكي
ولكنه ظل عضوًا فيه.. ذكر في حديث مع
التلفزيون الفرنسي وبدون أدنى قدر من
الدبلوماسية: "إن فرنسا رفضت
الانضمام إلى النادي؛ فكيف تطلب
المشاركة في العشاء؟!"، وأكد أنه ليس
لفرنسا دور في فترة ما بعد الحرب، كما
أنه ليس للأمم المتحدة دور فيه؛ حيث إن
هذه المنظمة غير قادرة على حماية الشعب
العراقي، وفقط الولايات المتحدة هي
القادرة على القيام بذلك الدور.
ومصداقا
لهذه النوايا والتصريحات الأمريكية
سارعت الولايات المتحدة إلى تعيين
شخصين في مناصب عليا في العراق: أولهما
هو جاي جارنر الذي سيعمل كحاكم عسكري في
العراق. والثاني هو الرئيس السابق لشركة
"شل" البترولية الأمريكية الذي
سيعين بمثابة مفوض عام لإدارة شؤون
النفط العراقي.
كما
أن الإدارة الأمريكية عقدت اجتماعًا في
بداية الأسبوع الحالي لخمسة عشر خبيرًا
عراقيًا في شؤون النفط، ورغم أنه لم
يتسرب الكثير عما حواه هذا الاجتماع؛
فإن القليل الذي ذكر يتعلق بالتعاقد مع
الشركات الأمريكية، وفقًا لما يعرف
باتفاقيات المشاركة في الإنتاج بين
الشركات والدولة؛ وهو ما يتعارض مع ما
كان سائدًا منذ تم تأميم النفط العراقي
في السبعينيات.
زيادة
الإنتاج
الاتجاه
الثاني الذي بات واضحًا، وهو زيادة حجم
الإنتاج من العراق. وهنا نشير إلى أن
الإدارة الأمريكية كانت قد بالغت بشدة
في إمكانية رفع الإنتاج على الفور؛
نظرًا لحالة الآبار العراقية. لكن لم
تكد بغداد تسقط يوم 9-4-2003 في يد القوات
الأمريكية، حتى سارع نائب الرئيس
الأمريكي ديك تشيني إلى إعلان أنه يمكن
الوصول إلى إنتاج ثلاثة ملايين برميل
يوميا من النفط العراقي بحلول نهاية
العام الحالي (قارن ذلك بمستوى إنتاج
قبل الحرب الذي كان يدور حول 2.2 مليون
برميل).
هذا
في الوقت الذي كانت بعض الجهات
الأمريكية قد ذكرت فيه من قبل أنه يمكن
الوصول إلى الطاقة القصوى العراقية قبل
حرب الخليج الثانية التي كانت تبلغ نحو
3.5 ملايين برميل خلال عامين أو ثلاثة
أعوام. وبالتالي فإذا صح حديث ديك تشيني
-وهو من المؤكد مبني على حسابات خبراء
أمريكيين، لا سيما بعد السيطرة على
الحقول النفطية في جنوب العراق- فمن
الممكن إذن القول بأنه مع دخول الشركات
الأمريكية الكبيرة في مجال النفط بما هو
متوافر لديها من تمويل وتكنولوجيا
وخبرة فنية يمكن الوصول بحجم الإنتاج
إلى ما لا يقل عن 5 ملايين برميل خلال
فترة تقل عن العامين.
ما
نشير إليه سابقًا يوضح أن النية
الأمريكية على زيادة حجم الإنتاج قد
تتيح المجال أمام دخول كثيف للشركات
الأمريكية الكبرى في مجال النفط مثل شل
وتكساكو وأموكو، تليها الشركات
البريطانية مثل بريتيش بتروليم، لكن مع
ترك جزء من الكعكة للآخرين لا سيما "توتال
فينا ألف" الفرنسية العاملة منذ مدة
طويلة في العراق، وربما أيضا منح عقود
صغيرة لشركة لوك أويل الروسية. لكن في
كافة الأحوال فإن الشركات الأمريكية
سترتبط -دون أدنى شك- بعقود طويلة الأجل؛
إما في تطوير بعض الحقول الكبرى
القائمة، أو في البحث والاستكشاف عن
مزيد من النفط، لا سيما في صحراء غرب
العراق التي لم تشهد أي عمليات كبيرة في
هذا المجال حتى الآن.
اقرأ
أيضًا:
** خبير اقتصادي بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بجريدة الأهرام المصرية.
|