المسكوت عنه في خطابات القوى الأوربية

الاتحاد الأوربي إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة

د. عمرو حمزاوي **

تنسيق فرنسي ألماني مع روسيا والصين في مجلس الأمن

تحديان رئيسيان يواجهان الناظر إلى المشهد الأوربي في اللحظة الراهنة، يرتبط أولهما بالبحث عن أسباب اختلاف مواقف القوى الأوربية المركزية حول قضية العراق والتأمل في انعكاساته المحتملة على وتيرة ووجهة عمليات التوحد والاندماج الأوربي، ويتعلق الثاني بحقيقة بروز أنماط جديدة لتعامل بعض الدول الأوربية مع توجهات السياسة الأمريكية باعتبارها تعبيراً عن إرادة القطب المهيمن عالميا والمضطلع تقليدياً بدور القيادة في منظومة التحالف الغربي. وعلى الرغم من حدة المقارعات الدبلوماسية بين الحكومات الأوربية في الفترة الأخيرة والتي بلغت درجة حديث البعض عن عصابات عميلة لواشنطن داخل القارة الأوربية (كلمات المستشار الألماني شرودر في معرض تهكمه على الدول الثمانية التي وقعت على إعلان تأييد موقف الرئيس الأمريكي من العراق) أو تذكير الآخرين بأن الولايات المتحدة هي مَن صنعتهم وأنعمت عليهم بنعمة الديمقراطية بعد حقب طويلة من الاستبداد (رئيس الوزراء البريطاني موجهاً حديثه للمجتمع الألماني ناكر الجميل) إلا أن عباءة الهوية الأوربية المشتركة ما زالت تغلف محاور الخلافات والصراعات الواقعية وترتب تبعاً لذلك تعاظماً لمساحات المسكوت عنه في خطابات القوى الأوربية، وغلبة لمنطق "دعنا ننتظر فلا نكون البادئين بإحداث أزمة قارية"، وهو منطق تعلمه السياسي الأوربي بعد سلسلة طويلة من المواجهات المريرة خسرها دائماً كل من بادر بالتصعيد أو تفجير موقف مشتعل بالفعل (خبرة الحربين العالميتين الأولى والثانية).

بين المصالح.. والمواقف

وحقيقة الأمر أنه يمكن التمييز بوضوح على خلفية المواجهة الأمريكية العراقية بين معسكرين متقابلين داخل القارة الأوربية لكل منهما رؤيته وخطابه السياسي ورموزه الإعلامية. فهناك من جهة مجموعة مؤيدي ومعاوني الولايات المتحدة في حربها ضد العراق وتضم بصورة أساسية في غرب أوربا بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا وهولندا والدانمارك، وفي وسط وشرق القارة بولندا وجمهورية التشيك والمجر ودول البلطيق. وتتوافق إرادات هذه الدول مجتمعة على مشروعية التدخل العسكري لتغيير النظام الحاكم في بغداد وتؤكد في خطابها السياسي على التوجه نحو إحلال ترتيبات ديمقراطية في العراق بعد عقود طويلة من الحكم الديكتاتوري ومحاولة جعل عراق ما بعد صدام حسين نموذجاً إقليميا يحتذى به. وعلى الرغم من الالتقاء حول الأهداف الكبرى فإن دوافع أعضاء هذه المجموعة شديدة الاختلاف؛ الأمر الذي يرتب تفاوت درجات تأييدها للحرب الأمريكية. ففي حين تلتصق بريطانيا بحكومتها العمالية بصورة شبه كاملة بموقف واشنطن في إطار إدراك يضع التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة في المرتبة الأولى على سلم الأولويات أي قبل اعتبارات المعارضة الشعبية والحزبية للحرب على العراق أو مستقبل عملية الاندماج الأوربي، وهو التوجه الذي تشاركه في اللحظة الراهنة هولندا والدانمارك بصورة عامة -يأتي التأييد الأسباني والإيطالي أكثر تحفظاً.

والواقع أن موقف الدولتين الأخيرتين الحالي يشكل تحولاً ملحوظاً في تاريخ علاقتهما المعاصرة مع الولايات المتحدة. فقد تميزت الأحزاب اليسارية والاشتراكية التي سيطرت على مقاعد الحكم لفترات طويلة في مدريد وروما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بنزعتها النقدية إزاء السياسات الأمريكية خاصة في منطقة الشرق الأوسط القريبة جغرافياً وتاريخياً لها وتماهت في ذلك، على الرغم من اندراجها في سياق منظومة حلف الأطلنطي عادة مع الموقف الفرنسي. ربما فسرت حقيقة أن الائتلافات الحاكمة الآن في الدولتين بقيادة أزنار وبرليسكوني هي يمينية الهوى هذا التحول جزئياً إلا أن فهمه بصورة أعمق لن يتأتى إلا من خلال إدراك أهمية التحولات الكبرى التي شهدتها القارة الأوربية في التسعينيات. فالوحدة الألمانية وتوسع الاتحاد الأوربي شرقاً قد رتبا باختصار اختلالاً واضحاً لموازين القوى القارية في صالح وسط وشرق أوربا على حساب جنوبها؛ الأمر الذي يدفع صانع القرار في دول مثل أسبانيا وإيطاليا إلى البحث باستمرار عن إطارات بديلة للفعل السياسي يعادل بها هيمنة الأجندة الألمانية على القارة. ولم يكن تطوير الشراكة الأورومتوسطية إلا محاولة من صانع القرار في مدريد وروما بل وقبلهما في باريس لكبح جماح توجه القاطرة الألمانية نحو الشرق. وأضيف إلى ذلك فيما يخص الأزمة العراقية حالة التقارب الفرنسي-الألماني الواضحة التي أعادت الحياة إلى محور باريس-برلين بعد فترة من التوترات بين البلدين في أواخر التسعينيات وهو الوضع الذي تخشى معه دائماً دول القارة الأضعف نسبياً تجاهل مصالحها وتصوراتها.

 يمكن إذن فهم التأييد الأسباني والإيطالي للموقف الأمريكي باعتباره محاولة للتأكيد على استقلالية الدولتين وتوسيع مساحة حركتهما السياسية من خلال التقرب إلى واشنطن. ورغم المعارضة الشعبية الواسعة للموقف الرسمي والتي تصل في أسبانيا على سبيل المثال وفقاً لاستطلاعات الرأي العام الأخيرة إلى ما يزيد عن 90% فإن حكومة رئيس الوزراء الأسباني إنما تعتمد على شرعية الإنجاز الاقتصادي في علاقتها مع الناخب هناك في حين يعتمد برليسكوني على تشرذم الساحة السياسية الإيطالية وغياب البديل في بقائه في الحكم.

 أما دول أوربا الشرقية والوسطى فلها هي الأخرى دوافعها الخاصة. فبولندا وجمهورية التشيك والمجر فضلا عن الجمهوريات القزمية في منطقة البلطيق تسعى جميعها في ظل وضعية جيوإستراتيجية شديدة التعقد لتوظيف علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة لخلق حالة من التوازن الإيجابي في فعلها الخارجي في ظل ارتباطها العضوي بالاتحاد الأوربي الذي بدأت بالفعل عملية انضمامها له وفي ظل شبح عودة الهيمنة الروسية خاصة في حالة دول البلطيق تمكنها من التعبير عن إراداتها الوطنية محتمية بالقوة العظمى التي تدخلت بالفعل في الماضي القريب للدفاع عن مصالحها في مواجهة التصورات الألمانية والفرنسية المجحفة أحياناً.

ومن جهة أخرى تمركزت في الشهور الماضية حول موقف فرنسا وألمانيا مجموعة ثانية مناوئة للتوجهات الأمريكية ضمت معهما بصورة رئيسية بلجيكا وبدرجات أقل اليونان والنرويج والسويد. ويشدد الخطاب المعلن لهذه المجموعة على عدم مشروعية استخدام القوة العسكرية في نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية إلا بعد استنفاد كافة الوسائل الأخرى وبترخيص واضح من الأمم المتحدة، وعلى عدم جواز التدخل المباشر لتغيير نظام الحكم في العراق أو غيرها من دول المنطقة وذلك بصرف النظر عما يمكن أن يساق في هذا الصدد من أسباب مثل الحرب ضد الإرهاب أو التحول الديمقراطي. وتستند هذه السياسة إلى نظرة للشرق الأوسط ترى في حل الصراع العربي الإسرائيلي نقطة البدء في الإصلاح، وفي الحرب على العراق تطورا يفضي بالحتم إلى غلبة رؤى المواجهة الشاملة بين العالم الغربي والإسلامي في ظل هوس عام بصراعات بين الحضارات وبحروب صليبية قادمة. أما المصالح الكامنة وراء موقف دول هذه المجموعة فتأتي أيضاً تماماً مثل المجموعة المؤيدة للسياسة الأمريكية شديدة التفاوت.

ففرنسا ترغب بالأساس في تسجيل اختلافها مع الإدارة الأمريكية الحالية حول أسلوب إدارة النزاعات العالمية بحيث يتضح بجلاء رفضها لهيمنة دولة واحدة على مقدرات البشرية، خاصة إذا كانت هذه الدولة تحتكم إلى منطق من ليس معي فهو ببساطة ضدي. وترد في مرتبة تالية كمحدد هام للسياسة الفرنسية المصالح الخاصة في الشرق الأوسط ومع العراق، والتي جعلت تبني موقف قريب من الموقف الأمريكي يذهب بمصداقية استقلالية باريس النسبية عن واشنطن في فعلها الدولي أمرا من الصعوبة بمكان. 

ألمانيا على صعيد آخر أعادت في ظل حكومة يسارية اكتشاف نفسها كقوة أوربية يمكنها التصرف عالمياً بمعزل عن الإرادة الأمريكية وفي ضوء تصورات جديدة تعلي من شأن المصالح القومية الألمانية - وجزء حيوي منها متموضع في الشرق الأوسط - على حساب اعتبارات الطاعة العمياء للولايات المتحدة. 

ويمكن أخيراً النظر إلى رفض قطاعات واسعة من المجتمع المدني في الدولتين ومعهما بلجيكا والنرويج والسويد على أنه عامل مساعد شجع حكوماتها في لحظة أزمات اقتصادية وتغيرات مجتمعية عميقة الأثر (نهاية عصر دولة الرفاهية) على المضي في رفض الحرب الأمريكية ومكنها من تسويق هذا الموقف باعتباره تعبيرا صادقا عن الإرادة الشعبية.

وعلى الرغم من السمو الأخلاقي والفلسفي للموقف والخطاب الرافض للحرب والذي يعد وزير خارجية فرنسا الحالي من أهم رموزه فإنه يعاني من ثلاث مشكلات كبرى. وفي حين تتمثل الأولى في حقيقة محدودية فاعلية هذه الدول في التأثير على الإدارة الأمريكية لتغيير توجهاتها على أرض الواقع ترتبط الثانية بممارسة فرنسا تحديداً لسياسات أحياناً ما تقترب إلى حد بعيد من المواقف الأمريكية المنتقدة على نحو يجعل من السهل الحديث عن عدم اتساق بين أو تناقض جلي بين القول والفعل. والإشارة هنا على سبيل المثال إلى التدخل الفرنسي العسكري في عدد من الدول الأفريقية كانت ساحل العاج أهمها في الفترة السابقة وعلى الرغم من غياب ترخيص دولي واضح من الأمم المتحدة.

 أما أخطر وأعقد هذه المشكلات فيرتبط بالأهمية الإستراتيجية لعلاقات هذه الدول مجتمعة مع الولايات المتحدة في إطار منظومة التحالف الغربية. فواشنطن هي أهم شريك تجاري للاتحاد الأوربي وما زالت تمثل الطرف الأكثر فاعلية في ترتيبات الأوربيين الدفاعية والذي تدخل باستمرار لإنقاذ القارة القديمة من شبح الحروب أو من أخطار استمرار تصفيات عرقية بشعة في السنوات الأخيرة لم تتمكن دول مثل فرنسا وألمانيا من التغلب عليها بمفردها. وبالمقابل فإن أدوات الفعل الخارجي الجماعي خاصة العسكري باستقلالية عن الولايات المتحدة غائبة إلى حد كبير. وإن وجد توجه نحو سياسة خارجية مشتركة للاتحاد الأوربي فإن معناه الواقعي محدود للغاية في ضوء الاختلافات الأوربية- الأوربية.

حديث المحاور والأقطاب

ترتيباً على ذلك فإن الحديث الرائج الآن في الإعلام العربي عن بدء تشكل محور أو قطب أوربي جديد مناوئ للهيمنة الأمريكية هو أمر متسرع للغاية بل وخيالي في اللحظة الراهنة. وربما ارتبط مثل هذا التصور أكثر بالرؤية أو الآمال العربية وربما العالمية الباحثة عن بدائل لإدارة أمريكية تتصرف بمفردها ولا تعير إرادة البشرية أية اعتبار ولكنه لا يعبر عن واقع الأمور بل ولا يعبر عن نظرة الأوربيين أنفسهم لدورهم. فالواضح أن الدول الأوربية البعيدة الآن عن واشنطن ترغب ببساطة ومعها في ذلك روسيا والصين فقط في عقلنة الدور الأمريكي مع التسليم بهيمنته في اللحظة الراهنة.  

اقرأ أيضًا:


** مدرس العلوم السياسية- جامعة القاهرة

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع