المتغيرات الداخلية وسيناريوهات المستقبل العراقي

 د.نيفين عبد المنعم مسعد **

الأكراد العراقيون يرحلون عن شمال العراق

من المتعذر إنكار التفاعل بين أثر المتغيرات الداخلية وأثر المتغيرات الخارجية على تشكيل الظاهرة السياسية وتحديد اتجاهات تطورها. وتلك إحدى القواعد المستقرة في تحليل النظم المقارنة بشكل عام وإن أكسبتها تطورات ما بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي أبعاداً أخرى جديدة. وفيما يخص الحالة العراقية بالتحديد، فإن هذه الورقة تنطلق من تفهم دور المتغيرات الدولية بوصفها المحددات الأهم في ترجيح سيناريو حرب أو لا حرب على ضوء الأولوية المتقدمة التي يحظى بها الملف العراقي على أجندة الإدارة الأمريكية الحالية ونهج القوة الذي اعتمدته في مقاربته، والتجاذبات السياسية المحيطة بهذا النهج سواء داخل مجلس الأمن أو خارجه.

لكنها (أي الورقة) تعتبر في الوقت نفسه أن المتغيرات الداخلية العراقية هي التي سترجح أياً من سيناريوهات المستقبل في مرحلة ما بعد وقوع العدوان الأمريكي على العراق، وبالتالي فإنها تعد الأهم في معرض إجابة السؤال:

في أي اتجاه تتطور الأوضاع الداخلية في تلك المرحلة؟

وفى هذا السياق ستعمد الورقة إلى تحديد ثلاثة متغيرات داخلية أساسية ثم تعنى بمتابعة انعكاسها على التطور المحتمل للأوضاع السياسية العراقية.

أولاً المتغيرات الداخلية الحاكمة:

في مقدمة تلك المتغيرات تأتي تركيبة النظام السياسي الحالي كونها تكشف عن حجم اتساع القاعدة الشعبية الداعمة له وبالتالي عن مدى تمتعه بالشرعية وجوداً أو عدماً. وتكمن نقطة الانطلاق الرئيسية في فهم النظام العراقي في تبين الدور المحوري للرئيس صدام حسين في إطار العملية السياسية. فصدام حسين هو رئيس مجلس قيادة الثورة الذي يعد أهم مؤسسات صنع القرار في العراق، والذي يتمتع بصلاحيات تشريعية تجب نظيراتها للمجلس الوطني (أي الهيئة التشريعية) بخلاف الصلاحيات التنفيذية الواسعة التي يمارسها. وهو يرأس مجلس الوزراء ويعين باقي أعضاء المجلس ويقيلهم. كما أنه يتولى الأمانة العامة لحزب البعث العربي الاشتراكي وهو الحزب الحاكم في إطار صيغة تعددية هشة تشترط لتأسيس الحزب بين ما تشترط الإيمان بمبادئ البعث. وفى عبارة موجزة فإن النظام يدور حول شخص الرئيس ويتمحور من حوله.

ويعتمد صدام حسين في تأمين نظامه على أحد أضلاع المثلث السني الواقع شمال بغداد وغربها، وهو المثلث الذي ظل يضخ في النخبة العراقية أبرز عناصرها على امتداد ما يزيد على نصف القرن، وقوامه كلُ من الديلم والموصل وتكريت.

أما انحياز الرئيس لتكريت تحديداً فمبعثه أنها تمثل مسقط رأسه. ومن هنا يتوزع التكارتة على كبريات المراكز السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وفى قلب هذا البناء يحظى قصي نجل الرئيس بمكانة شديدة التفرد والخصوصية، فهو الذي كان مرشحاً لخلافة والده بعد انحسار الضوء عن أخيه عدي لأسباب صحية، وهو يتمتع بعضوية القيادة القطرية لحزب البعث، وينوب عن والده في المكتب العسكري له، ويتولى الإشراف على مختلف الأجهزة الأمنية من قبيل: فدائيو صدام وجيش القدس والحرس الجمهوري، والأخير من أخلص أجهزة الرئيس له وأكثرها تدريباً ومراناً، وهو يضم ما بين 70 إلى 80 ألف مقاتل يتوزعون على سبع فرق بينها ثلاث فرق مدرعة وآليات مشاة.

وبقدر ما عمقت هذه العلاقات الشخصية من ولاء أطرافها للنظام العراقي الحاكم وربطت مستقبلها بمستقبل الرئيس صدام حسين شخصياً، فإنها قادت إلى تهميش الغالبية الساحقة من المواطنين العراقيين في مواجهة قلة لا تزيد عن 0.27% من إجمالي السكان.

وفى الوقت نفسه فإن ضيق كل من قنوات المشاركة السياسية وفرص التعبير عن الرأي جعل من المحاولات الانقلابية الوسيلة الرئيسية للتعبير عن الاحتجاج الشعبي، وهي المحاولات التي كانت تجهض بفعل إحكام القبضة الأمنية للنظام.

وعلى صعيد ثالث وعلى الرغم من مركزية دور حزب البعث في الحياة السياسية العراقية، فإن الشخصانية الغالبة على تشكيل أطر الحزب وهياكله ساعدت على تآكل قاعدته الشعبية التي كان قد كونها نتيجة دوره في الانقلاب على النظام الملكي في عام 1958، ثم تزعمه للتيار القومي العروبي بعد التحول إلى الجمهورية وتطويره لأساليب التجنيد وآلياته.

وهكذا أخذت شعبية الحزب تضعف خصوصاً بعد سلسلة الصراعات الداخلية التي ابتلي بها والتي تمثلت في عدد من الانقلابات والانقلابات المضادة. كما انفرط عقد الجبهة الوطنية التي كانت قد تأسست في عام 1973، وضمت في عضويتها كلاً من الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني وبعض المستقلين جنباً إلى جنب مع حزب البعث نفسه.

لا يقل أهمية عن المتغير المتعلق بطبيعة النظام السياسي التكوين الاجتماعي والإثني العراقي الذي هو أحد أعقد التكوينات على مستوى الوطن العربي. فالعراق يأتي ضمن الدول العربية التي تتمتع بأقصى درجة من التعددية الإثنية شأنه في ذلك شأن دول أخرى مثل سوريا ولبنان والسودان، إذ لا نكاد نجد جماعة إثنية في الوطن العربي إلا ولها امتداداتها داخل العراق.

فعلى المستوى القومي اللغوي يضم العراق جماعات من العرب والأكراد والتركمان والفرس والآشوريين والكلدانيين.

وعلى المستوى الديني يضم مسلمين ومسيحيين. والمسلمون ينقسمون إلى سنة وشيعة.

وبمعنى معين فإنه لا توجد جماعة واحدة تحظى بالأغلبية العددية في العراق. وذلك أن الشيعة يمثلون أغلبية مذهبية (بين 50 و55%) لكنهم لا يشكلون أغلبية لغوية أو قومية.

كما تبلغ نسبة الأكراد ما بين 20 - 25% من إجمالي السكان، وهم على الرغم من اختلافهم مع العرب في اللغة والقومية فإنهم يماثلونهم في المذهب السني شأنهم في ذلك شأن التركمان.

يذكر أن عدد سكان العراق بلغ حوالي 23 مليون نسمة في عام 2000.

ومثل هذا الوضع الإثني شديد التعقيد ينطوي على مجموعة من الحقائق واجبة المراعاة عند تصور سيناريوهات المستقبل العراقي. إحداها أن هناك تلازماً بين التقسيم الإثني والتقسيم الجغرافي حيث يتوزع العرب والأكراد والشيعة على أقاليم الوسط والشمال والجنوب على التوالي. والأخرى أن هناك تاريخاً طويلاً من التنازع ليس فقط بين الجماعة الإثنية المسيطرة (أي العرب السنة) وما عداها من جماعات تعاني درجات مختلفة من التهميش، ولكن فيما بين هذه الجماعات الإثنية وبعضها البعض.

والحالة النموذجية ذات الصلة هي حالة العلاقة بين الأكراد والتركمان لا سيما مع تركزهم الجغرافي في المنطقة ذاتها وهى الموصل وكركوك، وهي العلاقة التي صورها البعض على أساس تهميش الأكراد للتركمان وتعاملهم معهم بوصفهم أقلية. والثالثة أننا إزاء منطقتي حظر جوي شمال العراق وجنوبه تتمتعان باستقلال عن السلطة المركزية منذ اثني عشر عاماً، مع التأكيد على أننا في حالة الشمال إزاء دولة متكاملة لا ينقصها سوى إعلان السيادة، تملك برلمانها وحكومتها وعائداتها.

والرابعة أن هناك جملة مصالح نفطية وحدودية وديموجرافية وأيديولوجية تجعل من تطور الأوضاع في العراق في صميم اهتمام قوى دولية بحجم الولايات المتحدة وأخرى إقليمية في وزن كلٍٍ من تركيا وإيران.

وأخيرًا يتحكم المتغير الخاص بخريطة المعارضة العراقية في تحديد شكل نظام الحكم فيما لو تم إسقاط الرئيس صدام حسين، وماهية القوى المرشحة لإزجاء الفراغ الناجم عن اختفائه من الساحة السياسية، سواء كان ذلك بمفردها أو بالتعاون مع حاكم عسكري كما في السيناريو الذي تتبناه الولايات المتحدة.

ومن المفهوم أنه يمكن التمييز بين فصائل المعارضة العراقية وفق أكثر من معيار، منها اتجاهها السياسي، ومنها علاقتها مع الخارج، ومنها ظروف نشأتها وتطورها، ومنها درجة تماسكها التنظيمي وحجم شعبيتها في الشارع العراقي... إلخ.

إلا أن الورقة اختارت التمييز في هذه الجزئية بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج على أساس أن بعض المعايير المشار إليها عاليا تتأثر بظروف العمل وما إذا كان هذا العمل يتم من داخل الأراضي العراقية أم يتم من خارجها.

كما أن التفرقة ضرورية لتحديد مدى الجدارة بالمشاركة في الحكم ومساحة هذه المشاركة نفسها.

في طليعة المعارضة يأتي الحزبان الكرديان: الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وهما حزبان يحصران مطالباتهما في كل ما يخص الأكراد مع الوعي بالتطور الذي أصاب تلك المطالب وانتقل بها من احترام الحقوق الثقافية للأكراد وإشراكهم في هياكل السلطة وفق نسبتهم العددية وتفعيل صيغة الحكم الذاتي التي نص عليها بيان 11 مارس 1970 إلى اقتراح الفيدرالية للدولة العراقية على ما سوف يجيء.

وفى إطار الجماعة الإثنية نفسها ظهرت الحركة الإسلامية لكردستان العراق التي يتزعمها الشيخ علي عبد العزيز ومقرها حلبجة، وقد انشق عنها فصيل آخر حمل اسم أنصار الإسلام تزعمه الملا كريكر الذي اعتقل في أوروبا في عام 2002 بدعوى ارتباطه بتنظيم القاعدة.

كذلك فإن هناك الحزب الديمقراطي التركماني العراقي الذي أسسه مظفر أرسلان في عام 1988 وظل يعمل في السر حتى تحول إلى العلانية في عام 1991 أي بعد حرب الخليج الثانية عندما تمتع باستقلال نسبي في ظل منطقة الحظر الجوي الشمالية. وكما هو واضح من اسمه فإن الحزب المذكور يركز في مطالبه على الجماعة التركمانية ويدعو كما سنرى إلى إقامة كونفدرالية عراقية. وهناك بالطبع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي تأسس في عام 1982 أي بعد ثلاثة أعوام فقط من قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي يتواصل معها مذهبياً وسياسياً والتي تستضيف قيادته ممثلة في محمد باقر الحكيم وجناحه العسكري ممثلاً في فيلق بدر.

وقد اختبرت القوة الحقيقية للمجلس في العراق إبان الانتفاضة الشعبية في مارس 1991 عندما تمكن مقاتلو فيلق بدر من السيطرة على 40 مدينة عراقية.

وفى المربع الشيعي أيضا يقف حزب الدعوة الإسلامية الذي أسسه محمد باقر الصدر في نهاية الخمسينيات، إلا أن ملاحقته الأمنية المستمرة وتصفية كوادره الرئيسية بما في ذلك مؤسسه نفسه كانتا من الأسباب المباشرة لإضعافه بالمقارنة بالمجلس، ويقود الحزب حالياً أبو أحمد الجعفري.

هذا بخلاف بعض التنظيمات التي تضم عسكريين عراقيين أمثال التحالف الوطني العراقي الذي تأسس عام 2000 تحت قيادة شيعية مثلها توفيق اليسري الذي تولى رئاسة الأكاديمية العسكرية العراقية وشارك في الانتفاضة الشيعية في 1991. وكذلك العديد من قوى المعارضة غير المؤطرة تنظيمياً خصوصاً المعارضة القبلية للرئيس صدام ونظامه.

ويمثل المؤتمر الوطني العراقي المظلة الرئيسية لحركات المعارضة الناشطة في المنفى، وقد تأسس في عام 1992 على إثر اجتماع كل من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في فيينا بحضور عشرات من تنظيمات المعارضة. وقد اختير أحمد الجلبي لرئاسة اللجنة التنفيذية للمؤتمر وهو علماني شيعي تعلم في الولايات المتحدة ونزح من العراق إلى الأردن في عام 1958 قبل أن يبارحها للإقامة في لندن حيث مقر المؤتمر اعتباراً من عام 1989 بعد اتهامه بمخالفات مالية إبان توليه إدارة بنك يترا في عمان.

ويضم المؤتمر إثنيات واتجاهات وفصائل مختلفة، وضباطاً وحزبيين سابقين، ويرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويبث بثاً موجهاً إلى العراق من خلال تلفزيون الحرية الذي تموله الولايات المتحدة الأمريكية.

وكسائر فصائل المعارضة العراقية، انشقت عن المؤتمر بعض قواه ومن بينها الحركة الوطنية العراقية التي ضمت بعض كبار الضباط السابقين في الجيش العراقي وتأسست في عام 2001. كما أن هناك المجلس الأعلى للإنقاذ الوطني الذي تشكل في الدانمارك في عام 2002 برئاسة وفيق السامرائي المدير السابق للمخابرات العسكرية العراقية ونزار الخزرجي الرئيس السابق للأركان. وهناك الوفاق الوطني العراقي الذي شكله إياد علوي الرئيس السابق لاتحاد الطلاب العراقيين في أوروبا.

وإذا كانت الخريطة السابقة تلقي بالضوء على أبرز القوى المعارضة، فإن تحليلها يسمح باستخلاص مجموعة من الخصائص الرئيسية المميزة لها تحسم المقارنة بين الواقع الأفغاني الذي أفرز نموذج قرضاي بحد أدنى من الوفاق الاجتماعي والسياسي، والواقع العراقي الذي يراد له إفراز نموذج مشابه.

وبداية فإننا عندما نتكلم عن المعارضة العراقية إنما نتكلم في واقع الأمر عن معارضة متشرذمة أو مجزأة بعضها من بعض. أكثر من ذلك فإن هذه المعارضة أو إن شئنا دقة التعبير العناصر الرئيسية للمعارضة تتميز بالطائفية، وبالتالي فإنها تدور حول جماعة إثنية بذاتها وتحصر مطالبها في حدودها.

ثم إن من هذه المعارضة من تورطوا في مواجهة عسكرية مفتوحة كما حدث بين الحزبين الأكبر المعبرين عن القومية الكردية خلال الفترة بين عامي 1994 و1996، لتتوسط الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا من أجل وقف إطلاق النار بموجب اتفاقية واشنطن، وتعود الاشتباكات الدامية مجدداً في عام 1998 خلافاً حول حصيلة الواردات من الإشراف على بوابات التجارة مع تركيا.

وكم بدا داعياً للتأمل وربما للدهشة أن يستعين مسعود البارزاني في غضون تلك المعارك بالسلطة المركزية في بغداد وذلك في تأكيد لما سبقت الإشارة إليه من أن الفجوة بين فصائل المعارضة العراقية، بما في ذلك المنتمية إلى الجماعة الإثنية نفسها، لا تقل عن تلك التي تفصلها عن السلطة المركزية إن لم تزد عنها. يتصل بما سبق أن هناك قائمة كبيرة من القضايا التي تتباين من حولها مواقف المعارضة العراقية، من أهمها قضية العلاقة مع الخارج، ومستقبل الدولة العراقية، والتمثيل النسبي للجماعات الإثنية المختلفة، خصوصاً الطائفة الشيعية.

ثم إننا وباستثناء قلة من التنظيمات المعارضة نفتقد تلك التي تتمتع بهياكل قوية على نحو يباعد بينها وبين صور المعارضة القوية كما في النموذج البولندي من خلال الحركة النقابية التي تزعمها ليخ فاونسا، والنموذج التشيكي من خلال حركة حقوق الإنسان التي تزعمها فاتسيلاف هافل، والرجلان الرمزان لعبا دوراً أساسياً في إسقاط النظام والتمهيد للتحول نحو الديمقراطية.

وأخيراً يفسر ضعف شعبية المعارضة العراقية وإن لم يستأثر بهذا التفسير، تورط بعض قيادات هذه المعارضة في بعض أشكال الفساد السياسي. وقد تعرضت الورقة من قبل لمثال أحمد الجلبي زعيم أهم تنظيم معارض في المنفى وأشارت إلى الاتهامات التي وجهت له أثناء إقامته في الأردن. لكن الجلبي الذي استطاع أن يدفع عن نفسه الاتهام في الثمانينيات ويلقي بمسئولية توجيهه له على عاتق النظام العراقي، عاد ليجد نفسه في وضع أسوأ بعد عشرين عاماً عندما قامت الولايات المتحدة بتعليق المبالغ المالية المخصصة للمؤتمر لإسقاط الرئيس صدام حسين (في إطار قانون تحرير العراق الذي رصد 95 مليون دولار لهذا الغرض) على أساس إساءة الجلبي التصرف في تلك الأموال، ناهيك عن تقديمه أسوأ نموذج لمن رشح لقيادة العراق نحو الديمقراطية!

ثانياً: العراق وسيناريوهات المستقبل

يمكن الحديث بشكل أساسي عن أربعة سيناريوهات محتملة، لا تزعم الورقة أنها تمثل كل السيناريوهات المطروحة أو بالطبع المضمرة، لكنها تؤكد أنها مستوحاة بالدرجة الأولى من المتغيرات المتعلقة بالتكوين الداخلي وانعكاساته المحتملة.

هناك أولاً سيناريو الحكم العسكري الأمريكي وهو السيناريو الذي ترشحه الولايات المتحدة لفترة انتقالية تالية على انتهاء المعارك العسكرية وسقوط نظام صدام حسين، وتعتبره ضرورياً لتنشئة الشعب العراقي على مبادئ الديمقراطية وقيمها وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يسمح بترجمة هذه المبادئ والقيم إلى سياسات وإجراءات. لكن السيناريو المذكور نفسه قد خضع لاجتهادات بحثية وسياسية شتى اختلفت حول المسميات واتفقت في التحليل الأخير على برنامج تنفيذي ثلاثي المراحل. مرحلة أولى تسمى مرحلة خلق الاستقرار وتمتد لمدة شهرين بعد انتهاء العمليات العسكرية وتتوزع فيها السلطة على اثنين من جنرالات الجيش الأمريكي (يتردد أنهما تومي فرانكس وأنتوني زيني) والسفيرة الأمريكية السابقة في بغداد بين عامي 1981 و1983 يعلوهم جميعاً حاكم عام، ويعاونهم مجلس من المستشارين العراقيين يراعى في اختيارهم تمثيل معارضة الداخل ومعارضة الخارج مع بعض ممثلي دول التحالف الدولي (هل يوجد تحالف؟) ضد العراق!!. ومرحلة ثانية يكون شعارها نقل السلطة لحكومة عراقية ويتم ذلك تحت إشراف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة وممثل رفيع المستوى للولايات المتحدة. أما المرحلة الثالثة والأخيرة التي يطلق عليها مرحلة العراق الحر فإنها تشهد تشكيل حكومة عراقية كاملة السيادة تطبق الديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان وتضع دستوراً جديداً يناسب المرحلة الجديدة من مراحل التطور السياسي العراقي.

وفي الوقت الذي كان يجهز فيه هذا السيناريو ويتم ترشيح أبطاله وتحديد مراحله، كانت تجرى على قدم وساق محاولات نظرية لتسويقه وتبريره بأسانيد مختلفة وبذرائع متعددة. ومن أهم المحاولات ذات الصلة تلك التي قام بها ريتشارد هاس مدير هيئة تخطيط السياسة في وزارة الخارجية الأمريكية، والتي تمثل في جوهرها انقلاباً على المفهوم التقليدي للسيادة وتُشَّرِع التدخل الدولي (الأمريكي في الواقع) لتقييد تلك السيادة، وتبدو وكأنها صممت خصيصاً لتطبق أول ما تطبق على العراق. يقول هاس: لم يعد من الممكن اعتماد المعايير المتهالكة للسيادة التي تحتكر للدولة حق استخدام القوة على أرضها، وتقف عليها تنظيم حركة التنقل عبر حدودها، وتخولها تصميم سياستها الخارجية بما يخدم مصالحها القومية، وتحصنها ضد التدخل الدولي في شئونها. ومن هذه النقطة ينطلق هاس ليؤكد أن المعايير المشار إليها يمكن أن تقود لشر مقيم إذا كانت الدولة المعنية غير جديرة بها، وهو يحصر مظاهر عدم الجدارة وبالتالي أحقية المجتمع الدولي في التدخل في الحالات الآتية: ضعف الدولة، واضطراب الحدود، وإخلال الدولة بالتزاماتها، سواء حيال مواطنيها أو تجاه المجتمع الدولي. والحالات الثلاث يمكن تلبيسها بشكل أو بآخر على النموذج العراقي بالقدر نفسه الذي يمكن به اختزال المجتمع الدولي في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي كل الأحوال فإن سيناريو الحكم العسكري سيناريو شديد الفساد من أكثر من زاوية. الأولى أنه يعيد اجترار الذرائع الاستعمارية ذاتها التي سُوِّغَت بها تجارب الوصاية والحماية والانتداب قبل أكثر من 70 عاماً والتي قامت على أساس رُشد الخارج وقصور الداخل. والثانية أنه يعبر عن جهل مطبق بالتكوين النفسي والثقافي للشعوب عموماً وللشعب العراقي خصوصاً، أي الجهل بحقيقة أن نظم الحكم لا تستورد بل هي تتخلق عبر عملية طويلة تفعل فيها العوامل التاريخية والثقافية والاجتماعية فعلها أخذاً وعطاء". والثالثة أنه ينطلق من أن ثمة من سيقبل التعاون مع الحاكم العسكري ويقبل بالحكم العسكري من بين سائر فصائل المعارضة، وهو افتراض خاطئ بالكلية. وذلك أننا لو سلمنا بأن من بين المعارضين العراقيين من يرضى بتسهيل عمل القوات الأمريكية على إسقاط نظام صدام حسين (ومنها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، والمؤتمر الوطني العراقي، والحزبان الكرديان) مقابل من يرفض تلك التسهيلات بالمقارنة (منظمة العمل الإسلامي وحزب ولاية الفقيه). فإننا لا نكاد نجد طرفاً معارضاً يقبل بوجود حاكم عسكري في العراق، وهذا منطقي لأنه لا يعقل أن يستبدل عراقي وطني محتلا أجنبيا بحاكم متسلط. وقد عبرت جميع قوات المعارضة العراقية عن هذا الموقف بشكل واضح في مواقف مختلفة. وعكس البيان السياسي لمؤتمر لندن الذي حضرته تلك المعارضة في ديسمبر 2002 هذه الحقيقة بجلاء تام حيث نص البند السادس من البيان وبدون مواربة على ما يلي "رفض أية تدخلات تهدف إلى تجاوز إرادة الشعب العراقي في عملية التغيير". واستطرد مضيفاً "ويرفض المؤتمر أية صيغة من صيغ الاحتلال أو الحكم العسكري المحلى أو الأجنبي أو الوصاية الخارجية أو التدخل الإقليمي، ويؤكد على ضرورة احترام سيادة العراق واستقلال الدول المجاورة". بعبارة أخرى فإن فصائل المعارضة تميز تمييزاً واضحاً -بما في ذلك منها الذي يقبل بالعدوان الأمريكي- بين معاداة نظام الرئيس صدام حسين من جهة وبين التمرس على الديمقراطية بواسطة جنرالات الولايات المتحدة من جهة أخرى. وفي هذا السياق جاء إعلان فيلق بدر الأخير رفضه الحرب إلى جانب المعسكر الأمريكي.

وإذا كانت الاعتبارات الداخلية السابقة تمثل قيوداً حقيقية على تحويل سيناريو الحكم العسكري من خطط الإدارة الأمريكية الجمهورية إلى واقع يعيش فيه العراقيون، فإن هناك قيوداً أخرى إقليمية ودولية لا تقل تأثيراً، يبدو من أهمها:

* مواقف القوى الدولية ليس فقط التي تعارض العدوان على العراق ابتداءً مثل فرنسا وألمانيا وروسيا والصين ناهيك عن أن يتبع هذا العدوان احتلال عسكري تتجاوز آثاره حدود تشكيل خريطة المنطقة العربية إلى إعادة ترتيب الأوزان الدولية حتى إشعار آخر. ولكن كذلك الدول الداعمة للحل العسكري من قبيل بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا التي ليس لها فعلياً دور سياسي في العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين. ففي المرحلة الأولى تتحدث الخطط الأمريكية عن جنرالات وسفيرة أمريكيين يشاورهم (فقط يشاورهم) بعض ممثلي التحالف الدولي. وفي المرحلة الثانية يغيب أي دور إلا للولايات المتحدة وللأمم المتحدة التي لا أحد يدري على أي حال ستخرج من إدارة أزمة العراق.

* التلويح بالاستعانة بإسرائيل وقبرص كبديل لتركيا أو بالتوازي معها. فعلى الرغم من الخطأ الإستراتيجي الفادح الذي ينطوي عليه مثل هذا التطور من منظور المصلحة القومية الأمريكية الفعلية، وهو الخطأ الذي وعاه جيداً بوش الأب أثناء حرب الخليج الثانية وتجنبه. إلا أن تحققه كفيل بوضع النظم العربية أمام مسئولياتها، هذا بافتراض أن كل نذر الخطر المحيطة بالمسألة العراقية لم تكن كافية بذاتها لتنبيهها إلى أن العراق ليس أكثر من نقطة انطلاق. هذا فضلاً عن أن من شأن هذا التطور إن هو حدث أن يخلط الأوراق ويزيد في تعقيد القضية ويعزز من موقف معسكر الرفض للخيار العسكري في التعامل مع القضية العراقية.

* ثم هناك الطرفان الإيراني والتركي ولا بد من أخذ احتمالات التطور في سياستيهما بعين الاعتبار. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إيران التي تكتفي رسمياً بإعلان معارضتها لضرب العراق وتكرر رفضها انطلاق المعارضة العراقية لإعانة الولايات المتحدة من أراضيها، قد شهدت في شهر مارس الحالي واقعتين تنمان عن صعود نجم التيار المتشدد الذي هو من أعدى أعداء الولايات المتحدة. الواقعة الأولى الفوز الساحق المحافظين لأول مرة منذ انتخاب خاتمي في عام 1997، وذلك على مستوى الانتخابات البلدية. والواقعة الثانية نجاح مجلس صيانة الدستور أحد أهم ابرز معاقل التيار المحافظ في زيادة مخصصاته المالية رغم أنف الرئيس خاتمي قطب الإصلاحيين وإمامهم. وإذا كان لا أحد يراوده وهم في أن تتواجه إيران والولايات المتحدة في العراق، فإن الجمهورية الإسلامية تملك العديد من الأسلحة التي يمكن بها أن تهز أركان الحكم العسكري الأمريكي إن هو قام. ومن جانبها فإن تركيا عاصرت في الشهر نفسه (مارس) تطوراً لا يقل خطورة، ألا وهو استباق الولايات المتحدة موافقة البرلمان التركي على استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في العدوان على العراق، وذلك في استخفاف شديد بمؤسسات الديمقراطية في "الدولة النموذج" في الشرق الأوسط، وفي تجاهل تام لموقف الرأي العام التركي المعارض للعدوان. ومثل هذا التطور قد يترتب عليه مستقبلاً من التداعيات ما يمكن أن يلجم الموقف التركي الرسمي خصوصاً إذا ما هُمشَّت تركيا من تحديد مستقبل العراق بوجه عام ومستقبل شماله بوجه خاص

وهناك ثانياً سيناريو الفوضى وهو سيناريو منبثق عن سابقه ومرتبط بتطوره، حيث يمكن الحديث في إطاره عن أكثر من متغير مُرَجِح لمثل تلك الفوضى. أحد هذه التطورات هو احتدام المعارك في بغداد العاصمة وإطالة أمد الحسم العسكري الذي تقدره بعض المصادر الأمريكية باستخفاف شديد بأسبوعين إلى 3 أسابيع. فمع التسليم بأن مهمة القوات الأمريكية لن تكون بالعسيرة في مجال السيطرة على منطقتي الحظر الجوى شمال خط عرض 36 وجنوب خط عرض 33 بالتعاون مع بعض ميليشيات الأكراد والشيعة وبتعاون مع تركيا وربما من خلال صفقة سرية مع إيران. فإنه ما من شك في أن بغداد لن تكون لقمة سائغة، ففيها القوة الرئيسية للنظام وقبيلته وعشيرته وأعوانه وأنصاره، وجميع هؤلاء لا يملكون إلا الاستماتة في الدفاع عن الرئيس أو في الواقع الدفاع عن أنفسهم تجنباً لمصير أشبه ما يكون بمصير أسرى العرب الأفغان في جوانتنامو. وهم قد يُلْحَقون بالقوى الرافضة للتعاون من حيث المبدأ مع الولايات المتحدة. وقد يدخلون في مواجهات مع عناصر من الجيش أو من القبائل تتواصل معها الولايات المتحدة وتسعى لتجنيدها ضد النظام. لكن حسم معركة بغداد وتنصيب حاكم عسكري لن يكون إيذاناً باستقرار الأوضاع بل بمزيد من تدهورها بما لا يقاس، وذلك عندما يتغير جوهر القضية ويتحول من كونه خصومة مع الحاكم الفرد إلى كونه مقاومة للاحتلال الأجنبي. ولا ننسى في هذا السياق أن قوى المعارضة هي قوى مسلحة في معظمها، ومنها من خبر حرب العصابات وتدرب عليها لعقود. كما لا ننسى أن العراق أحد أغنى الدول العربية بتاريخه في الانقلابات والانقلابات المضادة بما يرجح خيار المقاومة بل ويجعله الخيار الوحيد.

يقود إلى النتيجة نفسها أي الفوضى، متغير آخر يتعلق بميراث العداء بين الطوائف والجماعات الإثنية المختلفة، وبين المحسوبين على النظام ممن قد لا تطولهم الاعتقالات الأمريكية بالضرورة والغالبية الساحقة من الشعب العراقي التي لها مع كلٍ منهم ثأر أو خصومة. كما قد يندلع الصراع بين معارضي الداخل ومعارضي الخارج حول مدى أحقية كل منهم بالنصيب الأكبر من السلطة، وهو الصراع الذي تتحسب له الولايات المتحدة تماماً ويحدوها لاستبعاد فكرة حكومة المنفى منعاً لخذلان معارضي الداخل بل والتفكير في تهميش أولئك وهؤلاء (أي شقي المعارضة) والاستعانة بالأطر القائمة في مجالات الصحة والتعليم والنظافة والطب ... إلخ ما لم يثبت ولاؤها للنظام. ولأن الصلة بين الأسباب والنتائج لا تمتد بالضرورة في صورة خطية بل متقاطعة على الأرجح، فمن الوارد أن تتداخل مقاومة الحكم العسكري مع تفجر الصراعات البينية بين الجماعات السياسية والإثنية. وفي كل الأحوال تبدو مسألة خروج كرزاي جديد من بين صفوف الشعب العراقي أمراً بعيد المنال.

وهناك ثالثاُ سيناريو الفيدرالية وهو سيناريو لا تعارضه الولايات المتحدة كما تتبناه بعض أبرز فصائل المعارضة العراقية مع اختلاف في موقف الطرفين بخصوص توقيت هذا السيناريو وآليات أعماله. وفيما يخص قوى المعارضة بالتحديد فلقد أعربت إبان مشاركتها في مؤتمر لندن المشار إليه عن تفضيلها هذا الخيار من خلال نص المادة الثانية من البيان السياسي للمؤتمر على أن عراق المستقبل هو "دولة ديمقراطية برلمانية تعددية فيدرالية" فيما يبدو كأنه رسالة طمأنة إلى الأعراق والطوائف والإثنيات المختلفة التي يتكون منها العراق، والتي أشار البيان إلى أهمها، وهى: الأكراد، والشيعة، والتركمان والآشوريون. وعلى الرغم من أن البيان المشار إليه سكت عن تقديم تفاصيل إضافية لشكل نظام الحكم في الدولة الفيدرالية واكتفى باشتراط الديمقراطية، فإنه ألمح في المادة الخامسة عشرة منه إلى تجربة الحكم في كردستان العراقية باعتبارها تجربة مرشحة للتعميم على سائر أنحاء العراق بإشارته نصاً إلى أن المؤتمر "يقيم عالياً تجربة إقليم كردستان العراق في الحرية والديمقراطية والإعمار"، وإضافته أنه يرى "أن بالإمكان الاستفادة من هذه التجربة الناجحة باعتبارها خطوة متقدمة على طريق التغيير الديمقراطي المنشود في العراق، وحل الخلافات عن طريق الحوار البناء ونبذ العنف في العمل السياسي".

والواقع أن الإشارة إلى وجاهة تعميم التجربة الكردية على سائر أنحاء العراق ركوناً إلى الميزة النسبية التي تمتع بها الأكراد نتيجة لاستقلالهم بمؤسساتهم التنفيذية والتشريعية على مدار 12 عاماً كاملة لا تراعي الاختلاف في وجهات النظر بين مختلف القوى السياسية حول ما يخص قضايا من نوع: العلاقة بين السلطات، وأسلوب تداول السلطة، والتعددية الحزبية، ودور المرأة في المجتمع، وهي خلافات وارد أن تظهر وتعبر عن نفسها مع الانتقال من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى الممارسة الفعلية. وأهم من ذلك أن الإشارة المذكورة تقفز على الحقائق عندما تدعي أن التجربة الكردية كانت نموذجاً لنبذ العنف في العمل السياسي أو حتى نموذجاً للديمقراطية. فلقد سبق  التنويه إلى تصارع الحزبين الكرديين على مدار التسعينيات لأسباب مختلفة منها اقتسام السلطة التنفيذية.

وهكذا فإنه في مقابل الاتفاق على شكل الدولة العراقية يثور الخلاف حول شكل نظام الحكم فيها وما إذا كان سيأتي على الشاكلة التركية أو الكردية أو كان سيأتي على نمط ولاية الفقيه في تطبيقها الإيراني.

وهناك رابعاً وأخيراً سيناريو التفكيك أي تقسيم العراق إلى دويلات ثلاث كردية وشيعية وعربية بالتوازي مع التقسيم الجغرافي الطبيعي للدولة، وهو سيناريو له مبرراته الأمريكية القوية بقدر ما له كوابحه الإقليمية العربية وغير العربية. في المبررات يمكن النظر إلى تقسيم العراق بوصفه خطوة على طريق إعادة رسم خريطة المنطقة برمتها، إذ لا يستطيع المحلل أن يفصل بين التحركات الأمريكية حيال العراق من جهة والتحركات ذاتها على جبهات أخرى كالجبهة السودانية بدعم حق الجنوب في الاستفتاء على تقرير مصيره من جهة أخرى، والتلويح بتقسيم السعودية إلى ثلاث مناطق من جهة ثالثة، وافتعال مشكلة قبطية في مصر من جهة رابعة، وإضفاء شرعية على جملة تلك الممارسات والتهديدات من خلال إصدار الكونجرس قانون حماية الأقليات من الاضطهاد في عهد الإدارة الديمقراطية السابقة. ويستدعي سيناريو التفكيك إلى الذاكرة اتفاقية سايكس بيكو ولكن بتداعيات أخطر بما لا يقاس بحكم التفرد الأمريكي ولو المؤقت بقيادة النظام الدولي. ومن المفهوم أن مثل هذه السياسة التفكيكية تخدم على عدة محاور، منها تليين مواقف الدول الصديقة، ومعاقبة الدول المناوئة، وتجديد شرعية الدولة اليهودية كدولة أقلية، وربما المساهمة في إيجاد حل جزئي لقضية اللاجئين الفلسطينيين عن طريق توطينهم في شمال العراق.

وفي الكوابح تبرز قضية الإضرار بالمصلحة التركية في الصميم وهي التي تواجه من عقود خلت ما يسمى بإرهاب حزب العمال الكردستاني، وبالتالي فإن إقامة دولة كردية شمال العراق قد يجعلها مأوى لمتمردي هذا الحزب خصوصاً أن علاقة أكراد العراق بتركيا لا تتمتع بالاستقرار. فالأكراد يذكرون لتركيا أنها في فترة وفاقها مع الرئيس صدام حسين تبادلت معه في الثمانينيات حق المطاردة الحثيثة للأكراد. كما يذكرون لها أنها عندما انقلبت على نظام الرئيس صدام حسين داومت على اجتياح الحدود العراقية وتمشيط الشمال من جانب واحد مع كل ما كان يصاحب ذلك من عمليات قتل وتخريب واسعة النطاق للأكراد عراقيين وأتراكاً. ويفسر لنا ذلك التصعيد الأخير في علاقة أكراد العراق بتركيا وتظاهرهم ضدها وحرقهم أعلامها، وتحذيرها لهم في المقابل فيما لو أقدموا على أعمال عدائية حيالها في حال وقوع العدوان الأمريكي واجتاح الجيش التركي في إطاره شمال العراق. مثل هذا الهاجس التركي إذن لا بد أن تأخذه الولايات المتحدة بعين الاعتبار، فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وقد أثبتت قدرتها على تجديد أهميتها الإستراتيجية على الرغم من انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، هذا إلى أنها ما زالت تمثل من وجهة النظر الغربية نموذجاً للقدرة على استيعاب التيار الإسلامي وتدجينه والتحول به من أداة لممارسة العنف السياسي إلى طرف أصيل في العملية السياسية.

وبطبيعة الحال يمكن التفكير في صفقة بين الولايات المتحدة وتركيا، تقبل بمقتضاها الأخيرة بقيام كيان كردي مستقل مقابل أن تكون لتركمان العراق دولتهم، وهو مطلب تركي متجدد، خصوصاً أن الأرض العراقية التي تقبل القسمة على ثلاث قوى يمكن أن تقبلها على أربع أو خمس؛ إذ ما الذي يكسب الأكراد شرعية إقامة دولتهم وينزع في الوقت نفسه الشرعية عن التركمان أو الآشوريين؟ أكثر من ذلك قد يقال إن انفصال التركمان بكركوك والموصل الغنيتين بنفطهما يمكن له أن يهدئ الهواجس التركية من دولة كردية عراقية بعد استقطاع هاتين المنطقتين. لكن في حدود المعلوم عن ردود الفعل التركية الرسمية المعلنة يظل الموقف التركي من تقسيم العراق - منعاً لانفصال الأكراد بالتحديد - موقف الرفض المطلق.

وثمة كابح آخر من كوابح إعادة رسم خريطة المنطقة بدءاً بالعراق، هو الكابح الخاص بالمتغير الإيراني. وذلك أن ميلاد دولة شيعية على حافة إيران لا بد أن يفترض قيام علاقة وثيقة بين الطرفين. وعلى الرغم من أن الرهان على احتمال التنافس بين المرجعيتين الدينيتين العراقية والإيرانية لا يخلو من صواب، ومثل ذلك المقارنة بين الأساس القومي (الفارسي) للجمهورية الإيرانية ونظيره المحتمل (العربي) للدولة الشيعية العراقية، إلا أنه ما من شك أن خيوط التواصل بين الدولتين الشيعيتين تظل أكثر امتداداً والتفافاً على نحو يبدو غير مريح بالمرة من وجهة النظر الأمريكية.

وأخيراً فإن هناك الكابح النابع من احتمالات التعثر في السيطرة على حالة عدم الاستقرار السياسي في العراق، وهي الاحتمالات التي لا بد أن تقترن بعملية الفك والتركيب. وفي كل الأحوال فإن تطور المسألة العراقية  بقدر ما سوف يضع على المحك مستقبل الكيان العراقي كدولة فإنه سوف يمثل فرصة الاختبار الأخيرة للنظام الإقليمي العربي برمته.

المصادر الأساسية:

1- Kenneth Katzman, Iraq: U.S. Efforts to Change the Regime, Report for Congress received through the CRS Web.

2- ريتشارد هاس، الحقوق القائمة والمسؤوليات الناشئة، ترجمة كلمة مدير هيئة تخطيط السياسة في وزارة الخارجية أمام طلاب معهد السلك الخارجي.

http://usinfo.state.gov/arabic/mena/0122rich.htm

3- Report of An Independent Working Group Cosponsored by the Council on F.R. and the James A. Baker III Institute for Public Policy of Rice University, Guiding Principles for U.S. Post-Conflict Policy in Iraq.        

4- معتز سلامة، حزب البعث العربي الاشتراكي، بحث مقدم للمؤتمر السنوي الخامس للباحثين الشباب، القاهرة 10-11/5/97.

5- وائل جمال، النخبة السياسية في العراق، في د. محمد صفي الدين، النخبة السياسية في الوطن العربي، القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية.

6- رجائي فائد، الأكراد ينتظرون خيانة أمريكية ثالثة، الأهرام العربي، عدد 311، 8/3/   

اقرأ أيضًا:


**أستاذة العلوم السياسية بكلية الاقتصادوالعلوم السياسية- جامعة القاهرة

بحث متقدم

الأخبار

صفحات خاصة 

فتاوى الاحتلال

العراق.. مستقبل أمة

ضد الهيمنة

الحرب.. تداعيات وآثار

صور الحرب

وثائق.. خرائط.. بيانات

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

اسألوا أهل الذكر

معًا نربي أبناءنا

دعوة ودعاة

ساحة الحوار

الإسلام وقضايا العصر

كاريكاتـير

استشارات صحية

 نادي المبدعين

مشاكل وحلول للشباب

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

الحج والعمرة

  شريك الحياة

حوارات حية

حدث في العام الهجري

  بطاقات إلكترونية

المكتبة الإلكترونية

دليل المواقع

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع