|
مصر.. الأمن "الجنائي" يوازن "السياسي"!
|
|
القاهرة- محمد جمال عرفة**
|
02/03/2004
|
 |
|
رجال أمن ينتشرون في النخيلة بعد القبض على زعيم المجموعة الخارجة عن القانون |
تعتبر
معركة جزيرة النخيلة التي تبعد 30
كيلومترا من مدينة أسيوط (جنوب مصر)
والتي دارت وقائعها على مدى أسبوع كامل
بين الآلاف من قوات الأمن المصرية
والعشرات من تجار المخدرات والخارجين
عن القانون أو (المطاريد) كما يسمونهم
في صعيد مصر الذين تحصنوا بالقرية، من
أشرس وأعنف المعارك التي خاضتها
الشرطة المصرية منذ انتهاء الصراع
بينها وبين الجماعات الإسلامية
المصرية منتصف التسعينيات من القرن
الماضي.
ويرى
محللون أن هذه المعركة ربما تكون مؤشرا
على توجه الأجهزة الأمنية لإبداء مزيد
من الاهتمام بـ"الأمن الجنائي"
بعد أن كان التركيز بشكل أكبر طوال
السنوات الماضية على "الأمن السياسي".
وشهدت
تلك المعركة التي انتهى الجزء الأكبر
منها بسقوط زعيم المجموعة الجنائية (عزت حنفي
حنفي) أمس الإثنين 1-3-2004 استخدام أنواع
ثقيلة من الأسلحة من الطرفين ضمت -وفق
ما نشرت الصحف المصرية ومراسلون
رافقوا قوات الأمن- صواريخ آر.بي.جي،
ومدافع هاون وجرينوف، غير الرشاشات
والقنابل وأنابيب الغاز (الطهي)
والمدرعات، وكذلك الطائرات لرصد
المجرمين، على عكس المواجهات بين
الأمن والجماعات الإسلامية في
التسعينيات من القرن الماضي التي كانت
تقتصر غالبا على إطلاق الرصاص
والقنابل.
ورغم
حرص وزارة الداخلية المصرية على سياسة
النفس الطويل وتأكيد أن الاقتحام تم
ببطء لمنع مقتل عشرات الأبرياء، فقد
أكدت مصادر أمنية مصرية لوسائل
الإعلام المصرية أنه تم اقتحام قرية (النخيلة)
من قبل رجال الشرطة بالمدرعات
وباستخدام أسلحة ثقيلة من قذائف (آر بي
جي) الصاروخية ومدافع رشاشة ثقيلة
وهاون لقصف معاقل عائلة أولاد علي
حنفي، وأسفر القصف عن تهدم 5 منازل كان
يحتمي بها أفراد من العائلة.
الأمن
الجنائي ضحية لـ"السياسي" !
ويؤكد
محللون سياسيون مصريون أن معركة
النخيلة واستفحال خطر الجنائيين هناك (محكوم
على أغلبهم بالإعدام أو السجن) يعد
دليلا على "الخلل" الناجم عن
تركيز قوات الأمن المصرية -خاصة طوال
فترة الثمانينيات والتسعينيات- على
الأمن السياسي والتقصير في الأمن
الجنائي، وأنها نتاج لهذه الخلل حيث
اهتمت أجهزة الأمن المصرية بالجانب
السياسي وراحت تلاحق الجماعات
الإسلامية وقوى سياسية مصرية أخرى
وتعطي هذا الملف أهمية فائقة انعكست
على إهمال تدريجي للأمن الجنائي.
ونتج عن ذلك زيادة كبيرة في جرائم الأمن الجنائي مثل زيادة أنشطة تجار المخدرات في مصر بشكل كبير. وأعلن في هذا السياق الدكتور هاني الناظر رئيس المركز القومي للبحوث في فبراير 2003 أن حجم تجارة المخدرات في مصر يتراوح بين 4 مليارات و6 مليارات دولار سنويا، طبقا لإحصائيات المركز.
وبموازاة
ذلك انتشرت تجارة السلاح والفساد
المالي في البنوك وغسيل الأموال
والجرائم الأخلاقية بشكل كبير، كما تم
إدراج مصر باللائحة السوداء للدول
المتهمة بتسهيل غسيل الأموال بعدما
بلغ حجم التجارة غير المشروعة في مصر -وفق
تصريح لوزير العدل المصري في أكتوبر
2002- 30% من حجم التجارة!.
عودة
الاهتمام بالجنائي
ويبدو
أن عودة مصر للاهتمام بالأمن الجنائي
عموما وإصدار قانون خاص بغسيل الأموال
يضع قيودا مشددة على الأعمال التجارية
والاقتصادية التي يمكن أن تندرج في هذا
الإطار، قد ساهم بدوره في رفع اسم مصر
(29 فبراير 2004) من قائمة دول غسيل
الأموال بواسطة الهيئة الدولية التي
تقود حملة لمكافحة غسيل الأموال (تضم 30
دولة) كدليل على أن مصر "تتخذ
إجراءات جوهرية لتطهير أنشطتها
المالية" كما قال تقرير الهيئة.
ويرتبط
بهذا الأمر أيضا بدء حملة مصرية
لمطاردة "حيتان البنوك" الذين
حصلوا على قروض بملايين الدولارات من
البنوك المصرية ولم يسددوها أو هربوا
بها لخارج البلاد، ومحاكمة من سهلوا
لهم -من رجال البنوك- الحصول على هذه
القروض بضمانات وهمية.
ازدهار
تجارة السلاح
وسبق
أن كشفت عشرات الحوادث الجنائية عن
انتشار تجارة السلاح بين المجرمين
بشكل خطير خصوصا في صعيد (جنوب) مصر حيث
تكثر جرائم الثأر، مثل حادثة (مذبحة
بيت علام) التي وقعت يوم 10/8/2002م بمحافظة
سوهاج وراح ضحيتها 22 شخصا من عائلة
الحناشات بأيدي رجال من عائلة عبد
الحليم بسبب خلافات بين الأسرتين ترجع
لعام 1990، وحادثة مدينة قوص بمحافظة قنا
حينما ارتدى 6 أشخاص من إحدى العائلات
ملابس النساء ونزلوا إلى السوق في وسط
النهار بعد أن أخفوا البنادق الآلية في
ملابسهم وقتلوا 13 شخصا من عائلة خصومهم
فما كان من العائلة الأخرى إلا أن
قتلتهم قبل أن يخرجوا من السوق.
كذلك
كشفت حادثة قتل المطربة التونسية (ذكرى)
على يد زوجها بـ81 طلقة في يناير الماضي
2004 عن امتلاك زوجها ترسانة مصغرة من
الأسلحة في منزله.
وتعتبر
محافظات الصعيد سوقا رائجة للسلاح
تتقدمها محافظة أسيوط التي يتركز
نشاطها في مركز القباني المتاخم للجبل
ثم ساحل سليم بقريتي صدفة النخيلة
ودرنكة ومركز أنبوب وهذه الأماكن
مشهورة بتجارة السلاح.
وبالإضافة
لما حصل عليه تجار السلاح من أسلحة من
مخلفات الحروب التي دارت في سيناء مع
إسرائيل في القرن العشرين، هناك
العديد من قضايا تهريب السلاح التي جرى
اتهام صهاينة بالقيام بها مثل الشبكة
الصهيونية التي قدمت لمحكمة جنوب
سيناء عام 2000 وضمت 5 إسرائيليين اتهموا
بتهريب أسلحة إلى مصر.
ويختلف
المحللون بشأن حقيقة وحجم ترجيح كفة
الأمن الجنائي على الأمن السياسي،
فالدكتور "عصام العريان" -القيادي
البارز في جماعة الإخوان المسلمين-
يؤكد أن "انشغال أجهزة الأمن
المصرية بمطاردة السياسيين والجماعات
الإسلامية على مدى أكثر من خمسين عامًا
أدى إلى تفشي الظاهرة الإجرامية، وأنه
منذ ثورة يوليو 1952 وحتى الآن، كان
الاهتمام منصبًّا على تأمين النظام،
ومطاردة كل الجماعات السياسية التي
تستهدف تقويض أركان النظام، أو تسعى
إلى المشاركة في الحكم، ومن هنا كان
الإهمال الشديد للأمن الجنائي".
ويقول
إنه "برزت ظواهر إجرامية متكررة
استفحلت بعد انتهاء حرب أكتوبر عام 1973م،
كما شهدت مصر موجاتٍ من جرائم
المخدرات، والفساد الإداري، والجرائم
الأخلاقية، وغسيل الأموال، وتجارة
الرقيق الأبيض؛ بسبب الإهمال الشديد
في تعقُّب الظواهر الإجرامية".
إلا
أن العريان يعتبر أن ما شهدته قرية (النخيلة)
التابعة لمحافظة أسيوط هو "بداية
إدراك جهاز الأمن لخطورة تنامي
الظاهرة الإجرامية، التي يتردد حولها
أن كبار المجرمين قد تحالفوا مع
المسئولين عن الأمن لمطاردة أعضاء
الجماعات الإسلامية التي ارتكبت
أحداثَ عنفٍ في الصعيد".
الأمن
السياسي غير الجنائي
ورغم
أن الدكتور "ضياء رشوان" الخبير
بمركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام يشير إلى أن
مقولة إن هناك نوعا من التواطؤ بين
الجنائيين والأمن في صعيد مصر هي من
قبيل "المقولات الشائعة" بين
السكان في جنوب مصر، فهو يؤكد أن هذه
المقولة أيضا كانت سارية خلال فترة
عنفوان الجماعات الإسلامية المصرية في
صعيد مصر، وتردد -حينئذ- أن هناك تعاونا
بين الأمن والإسلاميين ضد الجنائيين
قبل أن ينقلب الصراع بين الطرفين.
ويؤكد
د. رشوان أن مدينة أسيوط (جنوب مصر)
عبارة عن وجهين للأمن الجنائي
والسياسي معا، وأن ما جرى مع جماعة (عزت حنفي
حنفي) -التي هاجمتها قوات الأمن مؤخرا
في قرية النخيلة- هو الوجه الآخر الذي
تم مع الجماعات الإسلامية حيث ساد أولا
"التواطؤ أو الخوف أو الصمت من قبل
أجهزة الأمن في المدينة لفترة ثم البدء
بضربها بعد استفحال خطرها"!.
ويذكر
د. رشوان أن الفترات الأخيرة شهدت
الشيء نفسه في مجال الأمن الجنائي،
وأنه عندما استفحلت هذه المجموعات
الجنائية وتصاعد خطرها ووصلت الأوضاع
في قرية مثل النخيلة لحد أنها أصبحت
أشبه بالمستوطنة أو المحمية الجنائية،
أصبحت أجهزة الأمن مضطرة للتعامل معها بهذا الحجم من القوة.
ومع
أن د. ضياء رشوان يرى أن مقولة إن
الحكومة المصرية غلّبت الأمن السياسي
على الجنائي تبدو مقولة "منطقية"،
فهو يشدد على أنه - من الناحية الواقعية
- أجهزة الأمن الجنائي منفصلة عن
السياسي وليست هناك مؤشرات على أن عدد
أجهزة الأمن الجنائي تقلص لمصلحة
السياسي ولا العكس، كما لا توجد مؤشرات
على تزايد نفقات هذا الأمن على الآخر.
وقد
أكدت مصادر صحفية مصرية مقولة إن هناك
نوعا من "التحالف أو التواطؤ بين
حماة الأمن مع الجنائيين" خاصة خلال
فترات الصراع بين أجهزة الأمن المصرية
والجماعات الإسلامية، حيث ذكرت صحيفة (الوفد)
29/2/2004 أن نفوذ أولاد علي حنفي بدأ "بعد
أن استعانت بهم الداخلية في نهاية
الثمانينيات وبداية التسعينيات في
تمشيط فلول الإرهاب في أسيوط، ووصلت
منزلتهم لدى الداخلية لحد التكريم،
وبعدها بدأت تظهر زراعات المخدرات من
بانجو وأفيون ليس لدى أولاد علي حنفي
فقط وإنما عائلات أخرى بدأت تتجه لهذه
التجارة المحرمة وتستتر وراء ما يزرعه
أولاد علي حنفي الذين بدأت العيون تتجه
إليهم مؤخراً"!.
كذلك
ترددت أنباء غير مؤكدة عن أن وزير
الداخلية المصري حبيب العادلي أصدر
قرارا بتغيير قيادات الأمن في هذه
المنطقة بسبب تقصيرهم في مواجهة هذه
الظاهرة الإجرامية حتى استفحلت، وهو
ما يرجح وجود "نوع من التواطؤ" أو
الصمت من قبل بعض المسئولين الأمنيين
أو المحليين عن نشاط هؤلاء الجنائيين،
وربما بسبب تهديد هؤلاء المجرمين لهم
بعدما استفحل شر المجرمين وأصبحت
قضايا القتل والخطف لخصومهم مسألة
روتينية حتى إن الداخلية المصرية
تتحدث عن مقتل 103 أفراد خلال السنوات
الخمس الماضية على أيدي هؤلاء
الجنائيين غير تجارتهم العلنية في
المخدرات، كما قال شهود عيان لصحف
مصرية.
وقد
قال بيان لوزارة الداخلية المصرية: "إن
قوات الأمن -التي تستخدم نحو مائة
وخمسين عربة مدرعة وسبعين زورقا
بخاريا- تمكنت من ضبط مساحة خمسة أفدنة
وكمية من نبات البانجو المخدر، تقدر
بنصف طن بالإضافة إلى نحو خمسين
كيلوجراما من بذور الأفيون (تكفي
لزارعة مائتي فدان) مزروعة بجزيرة
النخيلة".
بل واعترف قائد المجموعة المطلوبة -في حوار هاتفي مع الأهرام المصرية أول مارس 2004- بأن عائلته تمتلك 300 فدان بجزيرة النخيلة جزء منها مزروع بالمخدرات، وقال: "في ظل سطوتنا على القرية اشتركنا في ارتكاب جرائم قتل وأخذ أموال من المواطنين" وقال إن ثروته تبلغ 10 ملايين جنيه في البنوك المصرية.
بل
إن قائد المجموعة (عزت حنفي) رد على سؤال
يقول كيف تم فك الحصار عنه في نوفمبر
الماضي 2003 عندما قامت قوات الأمن بفرض
الحصار على الجزيرة لأول مرة بالقول:
"كنت أستطيع -بأساليب خاصة- فك هذا
الحصار" وهو ما يشير إلى نفوذه في
المنطقة التي يسكنها ربما على أجهزة
الحكم المحلي أو قادة الشرطة.
وكانت
أحزاب وقوى سياسية مختلفة تتهم
الحكومة المصرية دوما بتغليب الجانب
السياسي في العمل الأمني (اعتقالات -
تعذيب - مطاردة نشطاء سياسيين) على
الجانب الجنائي وهو ما أدى لاستفحال
الجرائم الأخلاقية، والجرائم
الاقتصادية، والجنائية، وكان الرد
الغالب دوما من وزراء الداخلية
المصريين بأن هذا غير صحيح بدليل ما
يرد في تقرير الأمن العام المصري حول
ضبط العديد من الجرائم.
كذلك
لعب الصحفيون المصريون دورا في تسريع
اقتحام قوات الأمن لجزيرة النخيلة
واعتقال المطاريد في أعقاب تقدم
العديد من الصحفيين العاملين في مدينة
أسيوط الذين يغطون أخبار حوادث الثأر
والقتل والاختطاف بشكاوى إلى مجلس
نقابة الصحفيين المصريين حول تهديدات
طالتهم من تجار السلاح والمخدرات بسبب
تغطيتهم للأحداث، وقد أكد عزت محمد
حامد قائد المجموعة التي واجهتها قوات
الأمن المصرية وجود خصومة مع أحد
الصحفيين بالفعل ونفى تهديده له، بيد
أن هذه الشكاوى نقلها مجلس نقابة
الصحفيين المصرية إلى مكتب وزير
الداخلية المصري وكانت أحد أسباب
التعجيل بشن الحملة على منطقة النخيلة
وإنهاء سطوة تجار المخدرات والسلاح
هناك على الأقل بشكل مؤقت بسبب وجود
عائلات ومطاريد آخرين يتاجرون في
المخدرات والسلاح بشكل سري.
ويبقى
السؤال قائما: هل حانت ساعة موازنة
الحكومة المصرية للأمن الجنائي مع
الأمن السياسي خصوصا في ظل الحديث عن
إصلاح سياسي وتغييرات بشر بها الحزب
الوطني المصري الحاكم وتطالب بها
أمريكا علنا، أم أن الأمر لا يعدو كونه
تحركا للقضاء على خطر استفحل أيا كان
مصدره كما حدث مع الجماعات الإسلامية
في جنوب مصر؟.
**
محلل الشئون السياسية بموقع إسلام أون لاين.نت
|