|
لم تصُب نتائج العدوان
الإسرائيلي على لبنان في مصلحة "مثلث
الاعتدال" العربي المتمثل في مصر
والسعودية والأردن، وهي الدول التي بدت
مواقفها من الحرب صادمة لميراث العلاقات
العربية، فعلى مدار السنين لم تتجه الدول
العربية مطلقًا إلى انتقاد بعضها، لا سيما
إذا تعلق الأمر بإسرائيل، فقد كان مجرد
دخول إحداها في اشتباك مع إسرائيل مقنعًا
تمامًا بشيء من الطهارة التي يصبح بعدها
للطرف العربي المحارب على الآخرين حق
الدعم والمساندة، لكن خلال "الحرب
السادسة" أخذت الدول الثلاث مواقف بدت
غير مسبوقة، حيث مالت إلى انتقاد حزب الله
واعتبرت أن ما أقدم عليه "مغامرة" على
نحو ما أشار الموقف السعودي أولاً والذي
تأثر به موقف مصر والأردن ثانيًا.
أوهام العقل العربي
غير أن النتيجة النهائية للحرب
في لبنان وصمود حزب الله أنهى الكثير من
الأوهام التي ارتبطت في العقل العربي
بأنصار الاعتدال، أو بالخط التفاوضي الذي
رعاه أنصار الاعتدال. لقد نتج عن الحرب -طبقًا
لاعتقاد فريق الصمود والتيارات العربية
القومية والإسلامية- سقوط العديد من
الأوهام التي ارتبطت بهذا المثلث
وبالأنظمة العربية المسالمة، لعل أهمها:
أولاً: وهم "عقلية الهزيمة"،
فقد ارتبط مثلث الاعتدال برباط حديدي
بمقولة التفوق الإسرائيلي والهيمنة
الإسرائيلية. وخضع هذا المثلث لنتائج
الحروب العربية النظامية مع إسرائيل
والتي عكست في مجملها أداء سلبيًّا للجيوش
العربية في مختلف الجولات. وأكدت سياسات
هذه الدول العربية سيادة مفهوم "العجز"،
وهو المفهوم الذي تلقفته مختلف النخب
العربية ليبرز كعنوان رئيسي في مقالات
الكتاب العرب مع استحكام كل أزمة في
السنوات الأخيرة.
وعلى الرغم من أن النخب
الليبرالية العربية روجت لهذا المفهوم من
منطلق الواقعية والتعايش مع الأوضاع، فإن
النخب القومية والإسلامية روجت له أكثر من
خلال تكثيفها الاتهام للأنظمة أو لفرط
شعورها بالحزن والألم. ومن خلال حرب لبنان
الأخيرة وصمود حزب الله وما بدت عليه
الآلة العسكرية الإسرائيلية من عجز يدعو
إلى السخرية فانزاح وهم عقلية الهزيمة،
وبدت النظم العربية المعتدلة إزاء موقف لا
تحسد عليه.
ثانيًا: وهم السلام كخيار
إستراتيجي، بدا هذا الوهم ماثلاً بصورة
واضحة منذ أواسط الثمانينيات وفي
التسعينيات من القرن الفائت، إلى أن غدا
ليس له بديل مع مطلع القرن الحادي
والعشرين؛ إذ ساد مبدأ السلام بمثابة
الخيار الوحيد، وقد ارتبط هذا المبدأ
بالدول العربية المعتدلة، فكان الرد
العربي على كل صلف إسرائيلي هو مزيد من
التأكيد على خيار السلام، وبدت الدول
العربية كأنها إزاء اختبارات ثقة
متتالية؛ فمهما عظمت الخطوب فإنها لا تملك
غير تأكيد توجه السلام.
وعلى الرغم من نجاحها في جميع
اختبارات الثقة، فلم تتمكن من إحراز أي
نتيجة. واستمر هذا الوضع إلى أن جاء أداء
المقاومة في لبنان ليعصف بهذا الخيار،
وليؤكد أن فقدان الخيار الآخر والتأكيد
على خيار السلام لن يحقق شيئًا، وأن اللغة
التي يفهمها الآخر هي لغة القوة التي
تجبره على التفاوض من أجل استرجاع جنوده، وقد
عرّى ذلك بعض الأنظمة المعتدلة التي لم
تسأل عن بعض أسراها في سجون إسرائيل، وكان
يمكن لحزب الله أن يحرر أسراها بدلاً عنها
لولا رفضها إعطاء هذه الميزة لحزب الله.
ثالثًا: وهم الاستعداء
المذهبي، فالدول العربية الثلاث (الأردن
والسعودية ومصر) حذرت في مواطن مختلفة من
الهلال الشيعي وعملت على القفز بالوعي
المذهبي في الوسط السني؛ إذ حذر ملك
الأردن منذ سنتين أو أكثر من احتمال قيام
ما أسماه بـ"الهلال الشيعي"، كما
شكّك الرئيس حسني مبارك في ولاء الشيعة
لأوطانهم العربية قياسًا بولائهم لإيران،
كما عبر مسئولون سعوديون خصوصًا وزير
الخارجية الأمير سعود الفيصل في مواضع
مختلفة عن مخاوف مماثلة. وكانت فتوى الشيخ
الوهابي عبد الله بن جبرين لاذعة -وإن
تراجع نسبيًّا عنها في وقت لاحق- خاصة في
وسط الحرب التي بدا منها غيابًا عن الواقع
تمامًا.
وقد خرجت هذه التصريحات وكأن
هناك إدراكًا جديدًا يراد القذف به في
الوعي العربي، وهو الاستعداء المذهبي،
كأمر تجد الأنظمة مصالحها فيه، أو تتحسب
لما هو مقبل ضد إيران في قادم الأيام، ولكن
جاء أداء حزب الله في الحرب ليعصف بهذه
المقولة، وليؤكد أن العداء لإسرائيل يجمع
الشيعة والسنة، وقد حظي أداء الحزب بإجماع
وتأييد من مختلف التيارات، وقد عبرت
الجماعات الإسلامية المعتدلة
والراديكالية عن اتفاقها مع حزب الله.
رابعًا، وهم الجيش الذي لا
يقهر، فعلى الرغم من أن حرب أكتوبر 1973
أسقطت هذا الوهم، فإن ما تراكم خلال حقبة
الثمانينيات، وتلهف القيادات العربية على
السلام، جعلها كما لو كانت تريد التخلص من
عبء ثقيل والفرار بأي شكل من ساحة
المواجهة، كما أن جمود الجبهة السورية
منذ أكثر من ثلاثين عامًا أكد هذا
الانطباع، وجاء أداء حزب الله ليضرب بهذا
الوهم عرض الحائط، فلقد تبين مدى العجز
الذي جابه أعتى آلة عسكرية عن مواجهة قوة
حزب الله، وأكد أن المهم ليس السلاح وإنما
عقيدة الجندي المقاتل ومبدؤه.
وقد أكد ذلك ما كان يقال دائمًا
من أن إسرائيل لا تقوى على تحمل حرب طويلة،
وأنها يمكنها الانتصار في حروب خاطفة فقط
على جيوش نظامية. والأهم من ذلك أنه بيّن
أن الكثير مما يروج له عن الحروب والأسلحة
ليس أكثر من مجرد أوهام، من ذلك دبابة
الميركافا التي كانت تُعَدّ أسطورة
السلاح الإسرائيلي، والاستخبارات
الإسرائيلية (الموساد تحديدًا)، حيث تبين
أنه لم يكن على علم بقدرات حزب الله ولا
بمكان إقامة زعيمه نصر الله ساعة الحرب،
وأيضًا بالقدرات المضادة للصواريخ
والقدرة على التصوير ومعرفة المواقع،
وصمود مقاتليه وقدراتهم على الاختباء
وتجنب القصف وقدراته الاستخباراتية خلف
صفوف العدو، فإنه أمر يجب أن تستفيد منه
الجيوش والمخابرات العربية.
مستقبل "مثلث الاعتدال"
مع هذه التطورات الجديدة والتي
تتعلق بمراجعات تدور داخل مثلث الاعتدال
في العالم العربي، فإنه يمكن توقع عدد من
المسارات داخل هذا المثلث في المرحلة
المقبلة:
أولاً: يستطيع مثلث الاعتدال
الاستفادة من انتصار حزب الله في تقوية
مواقعه لدى الإدارة الأمريكية من خلال
الدفع نحو تسوية حقيقية بين العرب
وإسرائيل، ومن ثَم الإمساك بزمام
المبادرة العربية وتخفيف الأثر السلبي
الداخلي المتوقع على أضلاع هذا المثلث من
جراء انتصار حزب الله. فعلى الرغم من أن
قدرات حزب الله أرغمت الآلة العسكرية
الإسرائيلية على التراجع، فإن مواقف
الأنظمة العربية المعتدلة في بداية
الأزمة والتي انحازت للموقف الإسرائيلي،
جعل لها أسهمًا ورصيدًا في الترتيبات
السياسية للأزمة.
وعليه، فعلى الرغم من فداحة
موقف الدول الثلاث في الأعين العربية فإنه
يمكن القول إنها بهذا الموقف تمكنت من
إحداث أكبر اختراق لجبهة اللوبي اليهودي
وسيطرته على صناعة قرار الإدارة
الأمريكية فيما يتعلق بالشرق الأوسط،
فارتماء مثلث الاعتدال العربي في الحضن
الأمريكي الكامل -وربما الإسرائيلي- جعل
لهذا المثلث بعض التأثير. وقد تمر فترة قبل
أن يتضح أن المفاوض العربي الذي ذهب
للتفاوض بخصوص قرار مجلس الأمن بشأن لبنان
كان وراءه مجهود مستتر من مثلث الاعتدال
خلف الستار مكن من تغيير قرار مجلس الأمن
قبل صدوره.
وانطلاقًا من هذا الاختراق قد
تتمكن الأنظمة العربية الثلاثة من
الاستفادة من موقفها الأخير غير المسبوق
في حثّ أمريكا على مبادرة سلام تعزل سوريا
عن إيران قبل الذهاب للحرب مع الجمهورية
الإسلامية بهدف تسكين الجبهات وعزل
التأثير الإيراني عن العالم العربي.
ثانيًا: انقسام في الساحة
العربية، قد تشهد الساحة العربية
انقسامًا حقيقيًّا أقسى مما سبق، لا سيما
إذا سعت الإدارة الأمريكية إلى ضرب سوريا
أو إيران. وفي ظل هذا السيناريو من المتوقع
ازدياد الانقسام العربي بين مثلث
الاعتدال الذي تبنى حديث "المغامرة"،
وبين مواقف الفريق الذي اعتقد أنه انتصر،
والمتمثل في سوريا وإيران وحزب الله
وحركات المقاومة الفلسطينية، فضلاً عن
أغلبية الجماهير العربية التي تفاعلت مع
انتصار حزب الله.
بداية انقسام جديد
وفي ظل هذا السيناريو، فإن خطاب
الرئيس بشار الأسد الناري الأخير سوف يؤرخ
له على أنه بداية انقسام حقيقي بين
معسكرين جديدين في العالم العربي لمرحلة
قد تطول وقد تنتهي بتغيير الجغرافيا
السياسية لدول عربية، وتبدل الأحلاف
التقليدية في العالم العربي، وخروج سوريا
من المحور الثلاثي ليحل الأردن محل سوريا
في العلاقات المصرية والسعودية. وقد نكون
مقبلين على مرحلة يزداد فيها التراشق
الإعلامي والصحفي.
ثالثًا: اضطرابات داخلية في
مثلث الاعتدال، فقد يشجع نموذج
المقاومة اللبنانية على ظهور نسخ سنّية من
حزب الله الشيعي في عدد من الدول العربية،
بل ربما تؤدي الفتاوى السنية المنغلقة على
العصر إلى إعادة تفكير الحركات الإسلامية
السنية في مواقفها لتكون أكثر تطرفًا ضد
أوطانها، وتنفتح على الشيعة سياسيًّا
وتنغلق على دوائرها التقليدية، وقد تبرز
حركات عابرة المذاهب وأيضًا انقسامات وسط
التيار الديني السني تميل أكثر إلى اتباع
نهج حزب الله. وقد يبرز أنماط مقاومة عربية
داخلية ضد الأنظمة المعتدلة تتبنى
تكتيكات حزب الله، وهناك احتمال
لانتقال أسلحة تكتيكية خفيفة إلى الداخل
في الدول العربية واتباع العمليات نفسها،
وإذا ما تمكنت الحركات الإسلامية
المقتربة من إيران من إيجاد علاقات لها مع
الجماعات الإسلامية في عدد من الدول
العربية فيمكن إحداث قلاقل داخلية كبيرة
للدول العربية في السنوات المقبلة،
خصوصًا إذا تم توجيه ضربة لإيران أو
سوريا، أو انتهى الأمل بالسلام والإصلاح
السياسي معًا.
رابعًا: نكوص الإصلاح في "مثلث
المغامرة"، جراء تغير كل إستراتيجيات
إدارة بوش وما بعدها، على الأقل في المدى
المتوسط، حول موضوع الإصلاح السياسي، فمن
المؤكد أن الإصلاح السياسي قد تلقى ضربة
وأن أشكال التفكير غير التقليدية في تغيير
العالم العربي والإسلامي من خلال مناهج
التعليم والإصلاح السياسي قد تلقت ضربة
قاسية وعادت للوراء بعض الخطوات، فمن أجل
رصّ الصفوف العربية وراء عدوان محتمل على
إيران أو سوريا قد تضطر الإدارة الأمريكية
لتقديم تنازلات والعودة للعبة القديمة،
وتمكين الحكومات من إقناع شعوبها بمظاهر
الاستقلال الوطني عن القرار الأمريكي.
العرب وطريق اللبننة
إن الأقرب للتصور أن لبنان الذي
تعرض للتدمير والذي يبدو أنه الحلقة
الأضعف في النظام العربي الراهن، هو البلد
العربي الوحيد الذي يمكن أن يخرج من هذه
التحولات في العالم العربي من دون التأثر؛
لأنه البلد الذي توصل فيه أتباع "مثلث
المغامرة" لدرس وأتباع "مثلث
المقاومة" لدرس، وهو البلد الذي يمارس
الديمقراطية ويتعامل مع الإصلاح بتفاعلات
ذاتية وبقرار وطني حر، من دون ضغوط
أمريكية، وهو البلد الذي تتوافر له قيادات
وزعامات متعددة كلها تستطيع أن تقدم أكثر
من صورة جميلة لوطن واحد. وذلك هو الجانب
المشرق.
فهل تحتاج الأوطان العربية
لمرحلة من اللّبننة مدتها ثلاثين عامًا
لتجعل الإصلاح اختيارًا ذاتيًّا، وتخلف
زعماء أبطالاً مثل الزعماء الأبطال في
لبنان الذي يعيش فيه السنيورة مع نصر الله
وبرّي مع جنبلاط؟!.
|