بريدك الالكتروني


English

 

السبت 23شعبان 1427هـ - 16/9/2006م

شئون عربية » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين

 

غزو السودان.. لتدشين القرن الإفريقي الكبير

محمد جمال عرفة**

اجتماع مجلس الأمن الدولي لدى إصداره القرار 1706 الذي يدعو لإرسال قوات دولية إلى إقليم دارفور

حينما توالت عمليات العدوان العسكرية الأمريكية على العديد من الدول العربية -بدوافع وأذرع إسرائيلية أحيانا- مثل غزو العراق، والعدوان على الشعب الفلسطيني، وغزو جنوب لبنان، ومحاسبة سوريا، وتحجيم الدور المصري، انكشفت حقيقة مخطط إستراتيجي أمريكي لتدشين "الشرق الأوسط الأمريكي الجديد" التي تديره تل أبيب، ولم تكن خطوات الحصار والعدوان التدريجية سوى خطوات تكتيكية مرحلية لتنفيذ هذه الإستراتيجية الكبرى في المنطقة.

ومع أن الضغوط الأمريكية المكثفة على السودان -كدولة عربية- منذ سنوات تدخل ضمن هذا "الشرق الأوسط الجديد أو الكبير"؛ فقد أظهر تصاعد الضغوط على السودان مؤخرا وبهذه الطريقة المنظمة، وحصاره بسلسلة قرارات دولية انتهت بفرض تدخل قوات دولية يقودها حلف الناتو، أن هناك حلقة أخرى من الإستراتيجية الأمريكية في إفريقيا يجري تنفيذها بالتوازي مع إستراتيجية "الشرق الأوسط الكبير"، بل ويجري التعجيل بهذا القرن الإفريقي الكبير حاليا، بعدما أفشلت المقاومة أو عطلت تنفيذ الشق الخاص بالشرق الأوسط!.

وكي لا يبدو الحديث عن هذا "القرن الإفريقي الكبير" مجرد تخمينات أو بدعة، نشير إلى أن هذا المصطلح أمريكي المنشأ، وأن مسئولي الإدارة الإفريقية بالخارجية الأمريكية هم أول من تحدث عن هذا وفضحوا مخططاتهم بداية من عام 1995 بما عُرِف حينئذ بـ"مشروع القرن الإفريقي الكبير"، والذي كان يصنف "جنوب السودان" كدولة مستقلة ضمن هذا المخطط!.

بل إن زيارة مادلين أولبرايت -وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة- لإفريقيا خلال الفترة من 17 إلى 23-10-1999 ضمن اهتمام إدارة كلينتون بالملف الإفريقي، جاءت ضمن حلقات تنفيذ هذا المخطط القديم الذي استهدف تدويل الملف السوداني، والذي بدأ برفض الإدارة الأمريكية للمبادرة المصرية الليبية وإفشالها، ثم دعمها المطلق لمبادرة "الإيجاد" الإفريقية، ولـ"جون قرنق" رئيس حركة التمرد الجنوبية الراحل. وحينها تعهدت أولبرايت بتمويل فصل جنوب السودان بما يتماشى مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة القرن الإفريقي.

ووفقا لـ"مشروع القرن الإفريقي الكبير" الأمريكي الذي اتضحت ملامحه بداية عام 1998، كان المستهدف هو خلق منطقة نفوذ أمريكية كبرى هناك ترث النفوذ الأنجلو سكسوني البريطاني، وتنافس النفوذ الفرنسي، والأهم أن تصبح نقطة انطلاق إستراتيجية جديدة للوجود الأمريكي في ظل مكانة المنطقة الجيوسياسية، والاقتصادية بعد ظهور احتياطي بترولي وفير ومعادن صناعية مهمة.

وقد ظهرت ملامح هذه الإستراتيجية الأمريكية تجاه إفريقيا في عهد كلينتون عندما قال (كلينتون) في أثناء زيارته لغانا خلال الفترة من 23/3/1998 إلى 2/4/1998: "لقد آن الأوان لأن يضع الأمريكيون إفريقيا الجديدة على قائمة خريطتهم"، وأكد ذلك كثافة الزيارات التي قام بها مسئولون أمريكيون رفيعو المستوى إلى إفريقيا؛ مثل زيارة أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في سبتمبر 1997 وزيارتها في أكتوبر 1999، ثم جولة كلينتون في مارس 1998.

وتبلور هذا الاهتمام عام 2001 في صورة مشروعات فعلية عندما طرح المسئولون الأمريكيون مبادرة أُطلق عليها (مشروع مبادرة مواجهة الأزمات الإفريقية)، تتلخص في عقد صفقات عسكرية أمريكية خاصة مع تلك الدول، وتكوين وحدات عسكرية وطنية بأعداد ضخمة تُقدر بـ 12 ألف جندي تحت عنوان مجال حفظ السلام في المناطق المتأزمة.

أما الدول التي يتكون منها هذا القرن الإفريقي الكبير -وفق التصور الأمريكي- فهي دول القرن التقليدية (إثيوبيا – الصومال – إريتريا)، وكل من: أوغندا – الكونغو – رواندا – بوروندي – وجنوب السودان بعد انفصاله؛ حيث كانت إدارة كلينتون تعتبر القيادات الجديدة في عدد من هذه الدول قيادات إصلاحية يمكن الاعتماد عليها، وتركز اعتمادها في السودان على جون قرنق الذي كان يرفع شعار "سودان جديد".

ولكن هذه الرؤية الأمريكية والسياسة المترتبة عليها تراجعت لأسباب موضوعية -كما يقول الصادق المهدي رئيس وزراء السودان السابق- بعدما دخلت القيادات الجديدة في القرن الإفريقي في نزاعات داخلية وصراعات، كما سعت الخرطوم لإفشال هذا المخطط وسياسات العزلة الأمريكية، واكتشفت واشنطن أن قدرات الحركة الجنوبية بزعامة قرنق لا تؤهلها لقيادة السودان ولا حتى الجنوب بسبب الصراعات الشرسة هناك بين الجنوبيين؛ وهو ما جمد نسبيا خطط هذا القرن الإفريقي الكبير.

قرن إفريقي كبير.. وجديد!

والجديد في التفكير الأمريكي في ظل إدارة بوش اليمينية الحالية أن إحياء هذا القرن الإفريقي الكبير الذي وضعته إدارة كلينتون السابقة، ارتبط بأفكار أخرى لا تقتصر على خلخلة القرن القديم وإثارة القلاقل وتشجيع انفصال أقاليم، وإعادة تركيب أقاليم أخرى على أسس قبلية وعرقية بحيث تكون موالية لأمريكا، ولكنه ارتبط هذه المرة برغبة أكبر في توسيع حجم هذا القرن الإفريقي وتصنيفه وتنسيقه مع خطط الشرق الأوسط الكبير.

بمعنى أن يتم سلخ المناطق الشمالية (العربية) في إفريقيا وضمها لمخطط الشرق الأوسط (الأمريكي) الجديد، وإدخال المناطق الجنوبية والغربية في إفريقيا -ومنها جنوب السودان ودارفور والصومال ضمن هذا المخطط- لبناء قرن إفريقي أمريكي كبير يعتمد على ولاء الأنظمة دون اعتبار لعمليات الفك والتركيب العرقية والقبلية، ويستعين بالمنظمات التبشيرية والإغاثية (الاستخبارية) الغربية.

وربما يفسر هذا ضمنا لماذا تم التصعيد الغربي في أزمة دارفور، وسر الاهتمام الأمريكي بأزمة دارفور واستغلال الأسباب الإنسانية لتحويلها لقضية سياسية، ومزاعم إبادة بواسطة "العرب" السودانيين بحق السكان من أصل إفريقي، بهدف التدخل في المنطقة في نهاية المطاف.

السودان قاعدة انطلاق أمريكية لإفريقيا

ولأهمية وكبر مساحة حجم الدولة السودانية وأهميته الإستراتيجية كرابط بين "الشرق الأوسط الجديد" و"القرن الإفريقي الكبير"، فقد جرى التركيز على السودان والتدخل فيه باعتباره قاعدة انطلاق للسياسية الأمريكية في إفريقيا.

وقد ألمح لهذا تقرير أعده مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن في يناير 2004؛ حيث أشار لصدور قرار عن الكونجرس بتكوين لجنة استشارية للسياسة الأمريكية في القارة الإفريقية، أوصى باعتبار السودان "قاعدة انطلاق جديدة للسياسة الأمريكية في القارة الإفريقية"، ولكنه تحدث عن هذا المخطط بالطريقة الأمريكية المنمقة المعهودة عن تحويل السودان لنموذج للديمقراطية في إفريقيا بعد إحلال السلام فيه، بحيث ينتقل صداه فيما بعد من دول القرن الإفريقي وصولاً لدول الشرق الأوسط عبر البحر الأحمر.

وقالوا إن السودان يشكل في هذا الخصوص نموذجا قياديا للدول الإفريقية بشكل عام بشأن كيفية حل الصراعات الداخلية، والمشاركة السياسية عن طريق السلام (يقصدون به فصل الجنوب ودارفور عن الشمال)، وهو تصور خطير خصوصا أن من يعتمد عليهم هذا المخطط من القادة الأفارقة مثل يوري موسيفيني رئيس أوغندا لهم مطامع بشأن بناء دولة للتوتسي مثلا تضم التوتسي في رواندا وأنجولا وغيرها، وبالتالي تجزئة الدول وتفكيكها، رغم أن التقرير يؤكد أن المصالح الأمريكية في إفريقيا ستكون مهددة باستمرار إذا استمرت تلك الصراعات العرقية في القارة.

وإذا ما أدركنا أن سياسة إدارة بوش الحالية تقوم على فكرة "الفوضى الخلاقة" أو ما سبق أن أسماه "روبرت ساتلوف" مدير مؤسسة واشنطن لشئون الشرق الأدنى بسياسة "اللاستقرار البنّاء" التي تعني إحداث هزات عنيفة في دول المنطقة لخلخلة أوضاعها وإعادة بنائها على أساس ديمقراطي، سوف تتضح خطورة هذه الإستراتيجية الأمريكية في إفريقيا، ويمكن بسهولة تفسير سر التدخل الأمريكي لتشجيع اتفاقات سلام سودانية تشجع ضمنا الانفصال للجنوب أو الغرب أو الشرق.

بعبارة أخرى، يبدو أن "مشروع القرن الأمريكي الجديد" أو الكبير، يستهدف خلق موضع قدم أمريكية جديدة في إفريقيا واستغلال وضعها الجغرافي ومواردها الطبيعية الغنية، وهذا لن يتحقق قبل تنفيذ سلسلة تدخلات وضغوط وحصار يستهدف في النهاية فك وتركيب دول بمزاعم نشر الديمقراطية، في حين أن الهدف النهائي هو السيطرة على مقر إستراتيجي جديد في القارة الإفريقية، والاستفادة من ثرواتها الهائلة، وتحديدا النفط الذي هو محور المطامع الأمريكية حيث تشير تقارير لسعي أمريكا لرفع نسبة استيرادها من النفط الإفريقي بحلول عام 2015 إلى 50% من مجموع نفطها المستورد ضمن خطط لتخفيف الطلب على النفط العربي.

وإذا ما أدركنا أن الاحتياطي الإجمالي النفطي السوداني مرجح أن يصل إلى 3 مليارات برميل، وأن القسم الأعظم من آبار البترول السودانية هي في الجنوب والغرب والشرق لاتضح لماذا ارتبطت بهذه المناطق قلاقل وتدخلات أمريكية ولو بطريق غير مباشر مع أعوان أفارقة، وانتهى الأمر باتفاقات سلام تشجع على الانفصال ضمنا أو تغل يد الحكومة المركزية عن هذه المناطق.

قرارات.. قرارات

ولم تكن دارفور والتدخلات الغربية فيها من قبيل المصادفة؛ فهذه المنطقة التي تشكل مساحتها حجم دولة مثل فرنسا، معروفة بأنها أرض القرآن ومنها خرج المحمل وكسوة الكعبة، وكانت منارة لنشر الإسلام في إفريقيا غربا وجنوبا، وبالتالي مثلت خطا فاصلا بين العالم العربي الإسلامي والعالم الإفريقي المسيحي أو اللاديني، ويعتبرونها على الخريطة الأمريكية نقطة فصل جرى تحديدها بين الشرق الأوسط الجديد الذي يضم شمال السودان والقرن الإفريقي الذي يريدون أن يدخلوا فيه دارفور مع جنوب السودان.

ولصعوبة عمليات سلخ هذا الإقليم (كل أبناء دارفور من المسلمين سواء العرب أو الأفارقة)، فقد بدأت المؤامرة بالتغلغل التبشيري وترويج مزاعم الإبادة الجماعية والضغط على الخرطوم للتدخل في دارفور رغم أن الصراع هناك قبلي قديم وسبق أن تكرر عدة مرات، وتلا هذا توالي القرارات الدولية والضغوط الأمريكية؛ حتى إنه صدر قرابة 50 تقريرًا من الأمين العام للأمم المتحدة أو قرارات من مجلس الأمن بشأن السودان في غضون 10 سنوات (منذ عام 1996 حتى 2006) بهدف تضيق الخناق على حكومة الخرطوم، كل منها يقدم لفكرة التدخل الدولي حتى صدر القرار الأخير رقم 1706 بالتدخل الفعلي.

فالقرار رقم 1556 لعام 2004 أمهل الحكومة 30 يوما فقط لتسوية الأزمة في دارفور، واتهم القبائل العربية والجنجويد بأنهم السبب في المأساة القبيلة، ولم يتطرق لهجمات المتمردين المدعومين من جهات تبشيرية غربية، والقرار رقم 1564 أعلن عن قلقه الشديد من أن حكومة السودان لم تفِ تماما بالتزاماتها الواردة في القرار 1556 (2004)، وأيد اعتزام الاتحاد الإفريقي تعزيز وزيادة بعثته للمراقبة في إقليم دارفور بالسودان، واعتبر الوضع في السودان يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، ولاستقرار المنطقة، وهدد بفرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السودانية.

وكان قرار مجلس الأمن رقم 1593 الخاص بإحالة من يشتبه في ارتكابه جرائم حرب في دارفور لمحكمة الجنايات الدولية سابقة خطيرة منذ أن تأسست تلك المحكمة بروما عام 1998، حيث كان مجلس الأمن يلجأ إلى تكوين هيئات مساعدة على مثل المحكمة المؤقتة لمجرمي الحرب والإبادة الجماعية في رواندا أو تلك الخاصة بمجرمي الحرب في يوغسلافيا، واتخذ القرار من تقرير البعثة الدولية المكلفة من قبل مجلس الأمن لتقصي الحقائق حول انتهاكات اتفاقيات جنيف مرجعيته لتأسيس وثيقة الاتهام الأساسية حول هذا الموضوع بالرغم من كثرة التناقضات والمبالغات التي حفل بها ذلك التقرير؛ وهو ما وضع السودان تحت الوصاية الدولية بشكل أو بآخر.

وتوالت القرارات حتى صدر القرار 1706 الذي أقر التدخل الدولي بالفعل في السودان وحدد آلياته، وارتكز عمليا على الفصل السابع من ميثاق المنظمة؛ وهو ما يعني إعطاء قوات التدخل الدولية حق استعمال القوة وتجاهل الحكومة السودانية وخرق سيادة البلاد.

وتبع هذا تصاعد حدة الضغوط الغربية تجاه الحكومة السودانية عقب رفضها المتجدد لقرار مجلس الأمن رقم 1706، وهجوم شديد قاده أعضاء في الكونجرس مطالبين بتدخل عاجل للناتو في دارفور، وتوالي اتهامات للحكومة بقصف مدنيين في الإقليم، ثم تحذيرات من الأمم المتحدة بتدهور الوضع الإنساني وتهديد بانسحاب المنظمات الإنسانية إذا أصرت الحكومة على موقفها الرافض للقوات الدولية؛ وهو ما يستهدف في نهاية المطاف تهيئة المسرح الدولي للتدخل العسكري.

حصار ثم البدء بخطوات لغزو السودان عسكريا تحت زعم وجود أزمات إنسانية، يستهدف في نهاية المطاف تدشين هذا القرن الإفريقي الكبير -بالتوازي مع خطط الشرق الأوسط الجديد- عبر تفكيك السودان كدولة التماس بين هذين المخططين الإفريقي والشرق أوسطي، تمهيدا لإعادة رسم المنطقة الإفريقية والعربية بما يخدم في نهاية الأمر المصالح الأمريكية والإسرائيلية.


**المحلل السياسي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع