بريدك الالكتروني


English

 

11:00 مكة - الأربعاء 2 جمادى الآخرة 1427 هـ - 28/6/2006 م

الداخل الفلسطيني » القضية الفلسطينية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين

 

عملية تبديد "الأوهام"

حماس الحائرة بين الحكم والمقاومة

د. محمد خالد الأزعر**

الاستعدادات الإسرائيلية تجري على قدم وساق على مشارف حدود غزة

الأجنحة العسكرية للتنظيمات الفلسطينية التي شاركت في مهاجمة قاعدة كرم سالم الإسرائيلية الحصنية، على مشارف رفح جنوب قطاع غزة، أطلقت على عمليتها اسم "تبديد الوهم". هذه التسمية تبدو موفقة جدا إذا ما أخذنا بعين التبصر والاعتبار تأثيرات العملية وأصدائها على البيئات المحيطة بها، لا سيما إسرائيليا وفلسطينيا.

ولن يجانب البعض الصواب إذا ما مضوا إلى أن هذه العملية، بنوعيتها وتوقيتها ومقاصدها المباشرة والمضمرة، أقرب إلى تبديد "أوهام" وليس وهما واحدا فقط.

فالأرجح أن أصحاب العملية أرادوا جوهريا تجديد الشكوك في قوة المؤسسة العسكرية الأمنية الاستخبارية الإسرائيلية، بحسبها ليست مهيبة الجانب، شديدة الحرص والبأس أو لا يمكن النيل منها وإيلامها إذا ما اتجهت الإرادة الفلسطينية إلى حسن الإعداد والتخطيط والتنفيذ.

بصيغة أخرى، نعتقد أن رسالة العملية تتعلق بزلزلة القناعة القديمة/ الجديدة حول مناعة هذه المؤسسة وحصانتها، وبالتداعي إشعار كل من يهمهم الأمر في إسرائيل بأنهم ليسوا بمأمن من دفع ثمن اعتماديتهم المفرطة على هذه المؤسسة في عدوانيتهم الممتدة والموغلة في دمويتها ضد الشعب الفلسطيني.

وتوحي الشواهد بأن هذا "الهدف الأم" تحقق إلى أقصى الممكن، فالذين لا تنقصهم الصراحة في لحظة الغضب اعترفوا -على المستويين الإسرائيليين العام والخاص- بدقة العملية وجرأتها النوعية غير المسبوقة، وكان أكثر ما أخذه هؤلاء على مؤسستهم أن المهاجمين نجحوا في مباغتة الموقع والعودة بأسير يساومون عليه، على الرغم من وجود إنذارات مسبقة بهذا الخصوص، فكيف الحال فيما لو أن المفاجآت كانت كاملة؟!. معلق إسرائيلي عسكري وصف بالكبير، بعد رفض الإفصاح عن شخصيته، ذهب إلى أن "ما جرى هو فشل استخباري لا يغتفر.. وواضح أن إسرائيل إزاء كوادر قتالية فلسطينية رفيعة الكفاءة والتدريب والجرأة، وتنتمي للتشكيلات العسكرية المحترفة البعيدة عن مفهوم الخلايا الإرهابية التقليدية".

قبل أن تمر سحابة يوم واحد على العملية، كانت قد ساهمت إلى حد ملموس في تبديد وهم الاطمئنان إلى أن توازن القوى المختل بضراوة لصالح إسرائيل كفيل وحده بتحقيق الأمن للإسرائيليين، جنودهم قبل مواطنيهم. وآية ذلك، هذا التلاوم الشديد الذي استتبعها فورا بين العسكريين أنفسهم وبينهم وبين سواد الرأي العام وداخل قطاعات هذا الرأي أيضا. وبين ما يقال في غمرة هذا التلاوم إن اختطاف جندي واحد ليس بالأمر المستحيل، غير أن حدوث هذه الواقعة بالحيثية التي تمت بها، أي بنزع الجندي من داخل وحدته العسكرية المحضة وليس على قارعة طريق عام أو مكان منعزل، قضية تثير السخط ولا بد أن تطير النوم من جفون البقرة الإسرائيلية المقدسة، المؤسسة العسكرية، علاوة على الإطاحة برؤوس كبيرة فيها..

وهم الأمن بالخطوات الأحادية

ستمثل الإهانة التي لحقت بهذه المؤسسة محددا مهما لردود أفعالها على عملية كرم سالم بحيث علينا أن نتوقع المغالاة في استخدام الأداة العسكرية لمداواة جرح عسكري، وليس للحشود العسكرية الضخمة برا وبحرا وجوا حول قطاع غزة، المصحوبة بوعيد الاجتياح الانتقامي الشامل، سوى هذا المعنى، ولولا ما تقتضيه تكتيكات الحفاظ على حياة الجندي المختطف لما تأخر هذا الاجتياح ساعة بعد العملية. هذا مع العلم بأن التهديد باجتياح القطاع أمر سابق على هذه العملية الفدائية، لدرجة أن السؤال كان يتعلق بالتوقيت وليس بإمكانية الاجتياح من عدمه، بل وقد يقع رغم وجود الجندي في الأسر.!

هذا يقودنا للإشارة إلى شق آخر من الأوهام التي يفترض أن تكون العملية قد أكملت تبديدها على الصعيد الإسرائيلي، وربما غير الإسرائيلي أيضا.. إنه الوهم المتصل بالانعكاسات الأمنية للخطوات الأحادية التي اختطها إريل شارون ويلوح بها خليفته إيهود أولمرت.. فما يدور من حرب منخفضة الشدة بالتعبير العسكري حول غزة وبوتيرة متزايدة الحدة منذ خطوة الانسحاب أو إعادة الانتشار الأحادية في سبتمبر 2005، تؤكد خطل هذه السياسة وفشلها في تحقيق المتوخى منها إسرائيليا.. إذ لم تصبح إسرائيل، تخومها المحاذية لغزة بالذات، أكثر أمنا غداة الخطوة. ربما أدت هذه الخطوة الانفرادية إلى تسخين الساحة الفلسطينية وبروز منازعات مضافة بين أقطاب النظام الفلسطيني وإلى شيء كثير من ضيق عيش أهل قطاع غزة وتهميشهم اقتصاديا، لكن شظايا هذه النتائج باتت أيضا مؤذية لإسرائيل.. لقد زادت شكايا البلدات المتاخمة للقطاع من صواريخ المقاومة، وزادت صورة إسرائيل سوءا وهي تهاجم أهل القطاع بلا تمييز وبعقلية إبادية.

وإجمالا ظلت غزة جرحًا في خاصرة إسرائيل بعد إجرائها الأحادي كما كانت من قبل.. وليس من المقدر ولا هو منتظر أن تفضي وعود أولمرت بشأن الضفة إلى نتيجة مغايرة، على الرغم من وجود الاستيطان وجداره العنصري.

لا ندري نوع الشاكلة التي ستثور بين يدي ضلعة السياسة الإسرائيلية بناء على مدارسة مثل هذا التقدير. لكن لا نذر ولا دلائل تشي حاليا بأن أولمرت وبطانته من الوارد أن يتعظوا بعبرة غزة وعملية كرم سالم، وهم يقررون سياستهم الملعونة إزاء التسوية الفلسطينية. وأغلب الظن أنهم سيحبذون الاستناد إلى معاملات القوة، والحديث عن اللاشراكة الفلسطينية ويغذون السير في الاتجاه المعاكس للتسوية الشاملة على قاعدة الشراكة التفاوضية الحقيقية.

وهم الاستسلام الفلسطيني

كذلك لا ندري إذا ما كان مطبخ السياسة الإسرائيلية، وفي معيته المعنيون الأمريكيون بالملف الفلسطيني، سيقدرون ما تضمره عملية كرم سالم من إخفاق لسياسة حصار الشعب الفلسطيني.. ترى هل ستبدد العملية وهم احتمال تطويع هذه الشعب، بقطاعاته الشعبية والسياسية، من مدخل اعتصار لقمة عيشه والضغط على بطنه الاقتصادي والمالي الرخو؟.

جدلا، يحق الاعتقاد بأنه بينما كان أنصار الحصار ينتظرون إعلانا بالاستسلام الفلسطيني، تحت شعارات أو يافطات التفافية، لشروطهم المبسوطة أمام حكومة حماس، إذا بالرد يأتي عاصفا وعلى غير المتوقع بالمرة. العملية تنطوي على معاني رفض التوجه الإذعاني الفلسطيني، أساسا من لدن حماس ومناصريها، كونها شاركت بجناحها العسكري فيها، ويجوز الاعتقاد أيضا بأن سياسة الحصار والاعتصار ساقت شطرا من القوى الفلسطينية، السياسية والشعبية، نحو مزيد من التشدد ورفض الإملاءات. نقول ذلك وفي الذهن، أن بعضا من عقلاء المتابعين للسيرة الذاتية الفلسطينية الكفاحية حذروا من هذه النتيجة، وألمحوا إلى أنه لا حكمة في هذه السياسة الطغيانية، وأن الإفراط فيها أقرب إلى جرف الفلسطينيين بعيدا عن المرونة والبرجماتية، وأن حماس السياسة، حركة وحكومة، أفضل بكثير لدعاة التسوية من حماس الأيديولوجيا والعقيدة التي تطفو بالضغط على الفلسطينيين.

مغزى العملية وتوجهات حماس

هذا يقودنا إلى تحري معنى العملية ومغزاها بالنسبة لتوجهات حماس وسياقها الحركي من الداخل، وكذا بالنسبة لسيرورة الحوار الفلسطيني المتفاعل.

فمن الأسئلة التي تجول بالخاطر، ما إن كانت القيادة السياسية، حكومة حماس، على دراية مسبقة بالعملية؟.

هناك مؤشرات محدودة توحي بأن كتائب القسام، أو إحدى خلاياها قررت المشاركة في الهجوم بمعزل عن هذه القيادة، ذلك بالنظر إلى ما يقال عن مردودات سلبية لهكذا عملية على دولاب الحوار الداخلي من جهة، وعلى تعطيل فضية إفشال الحصار الخارجي من جهة ثانية، واحتمال تعرض قيادات كبيرة من حماس، الحركة والحكومة، للانتقام الإسرائيلي الدموي بظهر مشكوف عربيا ودوليا من جهة ثالثة.

إذا صح هذا التوقع، فإن الساحة الفلسطينية ستكون على مشارف انشطارات داخل حماس، التي عرفت بتماسكها التنظيمي وتوحد كلمتها وخضوع قواعدها لقمتها طويلا، أي أن العملية ستذهب بريح وحدة بنية حماس، واضعة ركائز قوية للادعاء بوهم هذه الوحدة والتماسك الداخلي، ويقينا لا مصلحة لحماس ولا للحركة الوطنية الفلسطينية في هكذا نتيجة!.

غير أنه يمكن التشكيك في شرود بعض قوى حماس وصولا إلى حالة التشظي المتصورة، ذلك على الأقل؛ لأن حكومة حماس لم تدن العملية ولا هي أنكرت على القائمين بها حقهم في المقاومة والرد على استباحة الدم الفلسطيني عموما.

ولأن هذه الحكومة لم تعلن تبنيها للعملية بصراحة مطلقة، فمن المتصور أن المشهد يؤشر إلى ما يمكن اعتباره تطبيقا لسيناريو المسافة ما بين حماس الحركة وحماس الحكومة. والذي خلاصته حرية الحكومة في اتخاذ السياسات اللازمة للوفاق الوطني ورفع الحصار، مع حرية الحركة في العكوف على ما يعرف بثوابتها ومنها نبذ سياسة التهدئة المسلحة ردا على المبادرات الدموية الإسرائيلية.

ويصعب توقع مسيرة سهلة لهذا السيناريو، فثمة ما يوجب حتما التنسيق بين أدائي الحركة والحكومة، وكذا بين أدائي الجناحين السياسي والمسلح لحماس. ثم إن للتمايز بين الحركة والحكومة حدودا لا يمكن تجاوزها أو تخطيها دون عوائد سلبية على هذه وتلك. وفي كل الأحوال فإن اجتراح معادلة التمايز التي يتناظر حولها بعض أنصار حماس (وبعض خصومها!) يبدو أمرا عصيا على الفهم، ناهيك عن فرص التطبيق.

الاجتياح قادم والحوار ليس وهمًا

فلسطينيا أيضا، تكاد عملية كرم سالم تقع في مكان محير، من حيث صلتها بالتفاعلات الداخلية الفوارة وتداعياتها على هذه التفاعلات، أي جولة الحوار الوطني حول ما يعرف بوثيقة الوفاق الوطني بخاصة.

لا يعقل بالطبع أن تكون حماس وأخواتها قد اضطلعت بهذه العملية تخطيطا ثم تنفيذا إبان هذه الجولة، ذلك لطول الإعداد والتجهيز الذي تقتضيه هذه العملية النوعية الفارقة. بيد أنه يحق القول بأن إشارة التنفيذ جاءت متزامنة لتلصص الأمل بوصول المتحاورين إلى قواسم مشتركة، وتواتر الأقاويل والتصريحات عن أن النقاط العالقة باتت أضيق بكثير من نقاط التباين والتنازع.

فهل يعني ذلك شيئا بالنسبة للمشاركين في العملية ونياتهم الحقيقية؟. هل يمكن القول بوجود من لا يرومون وصول الحوار غايته في الوفاق؟.. أيمثل هؤلاء حركات وفصائل بعينها أم أنهم مجرد خلايا وقطاعات محددة داخل بعض هذه الحركات والفصائل المتحاورة، وقد خرجت عن طاعة القادة الكبار والشيوخ المدبرين للسياسات العليا؟.

وحري بالانشغال والمتابعة في هذا الإطار، ردود الأفعال الفصائلية المنتظرة على الاجتياح الإسرائيلي العتيد لغزة، ترى هل ستشارك الفصائل في التصدي الميداني للحشود الإسرائيلية الغازية، إذا ما أخذت إسرائيل بخيار الاجتياح؟.

الواقع أنه لا دليل على أن القيادة الإسرائيلية سوف تستجيب لمطلب إطلاق سراح مئات المعتقلين لديها من النساء (138 أسيرة) والأطفال (350 طفلا - دون الثامنة عشرة) مقابل استرداد جنديها المختطف، فهذه سابقة أخرى لا تود إسرائيل تسجيلها مجددا في التعامل مع المقاومة الفلسطينية حتى لا تصبح تقليدا ساريا.. هذا يعني واحدا من خيارين: فإما التعجيل بالاجتياح بدعوى إنقاذ أسيرها مع احتمال أنه لن يصاب بسوء؛ لأن المختطفين سيحتاجون للمساومة عليه في كل الأحوال، وقع الاجتياح أم لم يقع. وإما إرجاء الاجتياح إلى أجل مسمى، إذا ما أفلحت وساطات معينة (مصرية أو أردنية أو دولية) في إرجاع المختطف الإسرائيلي سالما كشرط لعدم الاجتياح.

وعليه، فإن أقصى ما يرتجى من إسرائيل المستشيطة بعملية "تبديد الوهم" هو إرجاء اجتياح غزة والعبث في أرضها وناسها فسادا لتوقيت لاحق ولكن غير بعيد.. فكيف ستكون المواجهة الميدانية الفلسطينية لخطة وقوع هذا الفعل العدواني؟.

الموقف الأنسب للوفاق الوطني، إذا ما تحقق تحت ضغط هذه الأزمة، هو الإعلان منذ الآن، وبشكل مسبق، عن وحدة الدم في الميدان كعنوان وطريق لوحدة التصور السياسي الفلسطيني.. إن هذا الإعلان أدعى إلى زجر الانفلات الإسرائيلي ونيات الاجتياح، لكنه يحتاج إلى الالتزام الفصائلي الصارم بحدود ما يتفق عليه في الحوار، والذي – بالمناسبة- لا ينبغي له أن يتوقف مهما كانت الظروف.

والشاهد، سيظل هناك من يعتقد أن عملية الفدائيين السبعة في كرم سالم وتوابعها، ستقضي على آفاق الحوار أو تعطله، وستفتح الأبواب مجددا لتلاوم فلسطيني كبير حول حدود التزام المشاركين في هذا الحوار بالمسئولية الوطنية العليا، التي تعني بنظرهم قطع الطريق على اجتياح غزة، لا إعطاء إسرائيل الذرائع لهكذا فعلة يمكن أن تؤذي الشعب وسلطته بشدة.

ومع ذلك، فإنه لا يتعين الكف عن آلية الحوار والعزوف عنهما بالمطلق؛ لأن البديل مفزع جدا.. الحوار بكلمات متقضبة لا ينبغي أن يكون واحدا من الأوهام التي بددت عملية كرم سالم صدقيتها وشجاعتها، إذ إنه حاجة إستراتيجية فلسطينية، وقع اجتياح غزة أم لم يقع.


**كاتب ومحلل سياسي فلسطيني.

 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع