سمير العيطة: نظام الأسد يفعل بسوريا ما فعلته أمريكا بالعراق Reviewed by IslamOnline on . إسلام أون لاين ـ خاص أكد المفكر السوري د. سمير عيطة أن من أهم سمات المشهد السوري، اليوم، هو أن سلطة تقوم على عائلة الأسد مستعدّة لسفك دماء السوريين واضطهادهم من إسلام أون لاين ـ خاص أكد المفكر السوري د. سمير عيطة أن من أهم سمات المشهد السوري، اليوم، هو أن سلطة تقوم على عائلة الأسد مستعدّة لسفك دماء السوريين واضطهادهم من Rating:

سمير العيطة: نظام الأسد يفعل بسوريا ما فعلته أمريكا بالعراق

حوار سمير العيطة

إسلام أون لاين ـ خاص

أكد المفكر السوري د. سمير عيطة أن من أهم سمات المشهد السوري، اليوم، هو أن سلطة تقوم على عائلة الأسد مستعدّة لسفك دماء السوريين واضطهادهم من دون هوادة، للإبقاء على هيمنتها على البلاد، وأنّها لم تتوان عن استثارة العنف والطائفيّة والتدخّلات الأجنبيّة، كي لا ترحل إلاّ إذا زالت سوريا كدولة وشعب من الوجود.. واعتبر رئيس تحرير  الطبعة العربية لجريدة “لوموند ديبلوماتيك”، في حوار مطول مع “إسلام أون لاين” أن ما فعله النظام السوري في البلاد من فوضى يشابه ما صنعه الجيش الأمريكي في  العراق. وحول وضع المعارضة قال: إن أبرز ما يميّز المعارضة السياسيّة اليوم ليس تشرذمها، بل عدم اتفاقها على برنامج حدّ أدنى، يضع صورة توافقيّة لسوريا المستقبل وللمرحلة الانتقالية. وحول مهمة كوفي أنان، قال إنّ ما يبحث عنه أنان منذ البداية هو إيجاد آليات لخفض وتيرة العنف ولإغاثة المناطق المنكوبة. مؤكدا أنه: “لا تفاوض حقيقيّا في ظلّ تصاعد العنف، ولا أقصد هنا فقط التفاوض بين السلطة والمعارضة، بل أيضاً، وأهمّ من ذلك، التفاوض بين الدول الإقليميّة والدوليّة التي يقوم بعض منها بتصفية الحسابات على الأرض السوريّة”.

 ـ هل يمكن أن نرسم صورة للمشهد السوري اليوم؟

 

ثلاثة أمور أساسيّة ميّزت السنة الأخيرة التي عاشتها سوريا. أوّلها، أنّ سلطة تقوم على عائلة الأسد مستعدّة لسفك دماء السوريين ولاضطهادهم من دون هوادة للإبقاء على هيمنتها على البلاد، وأنّها لم تتوان عن استثارة العنف والطائفيّة والتدخّلات الأجنبيّة، كي لا ترحل إلاّ إذا زالت سوريا كدولة وشعب من الوجود. وثانيها، أنّ “التسونامي الشبابي” للسوريين قد فرض نفسه في إرادته لتغيير واقعه ومستقبله، وأنّ هذه الإرادة كانت أقوى وأكثر ثباتاً من السلطة القائمة، بحيث خلقت استعصاءً لا يمكن معه العودة إلى أوضاع ما قبل 2011، وقبول حلول واهية تشبه تلك التي في مصر قبل سقوط سلطة عائلة مبارك. وقد أثبت السوريّون، وخاصّة جيل الشباب منهم أنّهم حقّاً أحرار، لأنّ من يقف أشهراً طويلة ينادي سلميّاً بالتغيير في وجه الرصاص الحيّ، هو في جوهره إنسان حرّ. ثالثهما، أنّ الشعب السوري قد أثبت مناعة طويلة في مواجهة دفعه للانزلاق نحو العنف والطائفيّة من قبل السلطة القائمة، كما من قبل القوى الخارجيّة، إقليميّة كانت أم قوى عظمى.

أمّا اليوم، فأبرز ما يميّز الوضع هو الاستعصاء والفوضى العارمة في البلد. لا السلطة ولا الحراك قادران على الحسم، في حين انفلت الوضع السياسي والأمني والمعيشي والاقتصادي من أيدي جميع السوريين.

البارز سياسيّاً، هو تدويل الأزمة السوريّة، وخروجها من يد كلّ الكيانات السياسيّة سلطةً ومعارضة. هكذا أضحى الملفّ السوري في مجلس الأمن، عرضة للتجاذبات بين الدول الأعضاء الدائمة. وأصبحت طريقة رحيل السلطة رهناً بقرار روسيا والصين، ومن ورائهما إيران؛ وبات الضغط على السلطة عبر العقوبات أو التسليح، رهناً بتوافقات غريماتها.. لأنّه لا يمكن لروسيا والصين الاستمرار طويلاً في إبقاء السلطة في سوريا على ما هي عليه، خاصّة بعد كلّ الدم الذي سفك. وخاصّة أيضاً، أنّ بعض الدول المتجمّعة فيما يسمّى “أصدقاء سوريا” تدفع إلى تسليح فئات في المعارضة، ممّا يهدّد بانفجار داخليّ يضع استقرار المنطقة برمّتها على المحكّ. وهنا يقع صلب مهمّة وسيط الأمم المتحدة والجامعة العربيّة، كوفي أنان، في إيجاد توافق دوليّ حول طريقة لرحيل النظام، إن نجح، أو مواكبة للانفجار الداخليّ، إن فشل.

وكيف ترى الصورة في الداخل السوري تحديدا؟

أيضاً تبرز اليوم بداية إنهاك حقيقيّ للمجتمع ومؤسّسات الدولة في سوريا. حتماً يأتي الإنهاك من جرّاء وحشيّة القمع والحصار. إلاّ أنّ الحملات الإعلاميّة على القنوات التابعة للسلطة وتلك المناوئة لها على السواء، قد ساهمت كثيراً في استنزاف مخزون التضامن الكبير لدى الشعب السوري، ودفعت مشاعر أبنائه أكثر نحو الطائفيّة والإقصاء والانتقام، بحيث انزلقت ثورة ضدّ سلطة استبداديّة ذات طابع عائليّ رويداً رويداً لدى البعض إلى نزاعٍ بين فئات في المجتمع؛ بل حتّى تحوّل تهجّم فئات معارضة على فئات أخرى إلى أولويّة، بدل توحيد الجهود من أجل التغيير؛ وتحّولت الوطنيّة المشهودة للسوريين إلى استعانة واستقواء بالأجنبيّ. هكذا أنهكت الاستفزازات الطائفيّة التي قامت بها السلطة، ثمّ أجّجتها قوى خارجيّة، قدرات المجتمع المدنيّ وعقلاء المجتمع الأهلي على احتواء الفتن. وأنهكت العقوبات الاقتصادية الشاملة، غير الموجّهة إلى عناصر السلطة، قدرات التعاضد الشعبيّ، فاتحة للمال السياسي مجالاً لاجتذاب أطراف إلى جانبه. كما أنهكت هذه العقوبات آليّات الدولة مهدّدة إيّاها بالانهيار. وأهمّ من ذلك، زجّت السلطةُ الجيشَ السوري في معركة ضدّ شعبه، بحيث تمّ إنهاك هذا الجيش، مقتحماً مدناً وقرى المرّة تلو الأخرى من دون جدوى، وفاقداً هو أيضاً الكثير من الشهداء، وانشقّ منه من رفض إطلاق النار على أهله وبات في حربٍ مع أشقّائه.

الشعب السوري غاضب. بات كلّ أبنائه يعرفون اليوم أن لا عودة إلى الوراء، فهناك دمّ غال قد بذل، لكنّ السلطة الاستبداديّة ذات الطابع العائليّ قرّرت أن تضيعهم شعباً ووطناً قبل أن ترحل. كما قرّرت قوى خارجيّة أن تطيل أزمته وتجعل بلاده أرضاً تصفّي حساباتها عليه. النظام القائم سقط عمليّاً منذ أشهر، إلاّ أنّ النظام البديل لم يظهر بعد، ذلك الذي يحفظ وحدة الشعب السوري، وينظّم رحيل السلطة الحالية.

نظام موحّد ومعارضة متشتتة!

 ـ من المتناقضات في المشهد السوري أنه عوضا عن أن يكون التفتت سمة النظام والتوحد سمة المعارضة، فإن المشهد يبدو معكوسا تماما؟

أبرز ما يميّز المعارضة السياسيّة اليوم، ليس تشرذمها، بل عدم اتفاقها على برنامج حدّ أدنى يضع صورة توافقيّة لسوريا المستقبل وللمرحلة الانتقالية. إذ من الطبيعي أن تتشكّل هذه المعارضة من توجّهات مختلفة، لكنّ المسؤولية التاريخيّة التي كانت منوطة بها في دعم انتفاضة المجتمع وتسريع رحيل السلطة القائمة، تحتم عليها وضع ذاتيّاتها جانباً، والإصرار على خلق هذا التوافق. لكنّ كلّ المحاولات فشلت، في سلسلة المؤتمرات التي شهدتها قطر وتركيا والقاهرة. إذ اعتمدت بعض الجهات السياسيّة فكرة أنّها تستطيع أن تسيطر وحدها على مستقبل سوريا.

الشيء الوحيد المتّفق عليه اليوم بين أطياف المعارضة، هو أنّ الهدف المنشود هو الوصول إلى دولة “مدنيّة ديمقراطية”. ولكن من الواضح أنّ الاتفاق على هذا الهدف غير كافٍ، بل سمح عدم الذهاب إلى وضع أسس دستوريّة أكثر وضوحاً لسوريا المستقبل، التي أفضّل أن أسمّيها دولة “المواطنة والحريّات”، والسبيل للوصول إليها، سمح بكلّ التفسيرات والالتباسات وبحملات تخوين متبادلة بين أطياف المعارضة السياسيّة. ويحزنني فعلاً كيف ذهبت هذه الأطياف تبحث عن اعتراف دوليّ، حتّى على أنّها البديل الوحيد للدولة السورية، بدل النقاش بينها والتوافق لتوضيح صورة البلاد التوافقيّة وسبل دفع السلطة إلى الرحيل. بالتالي ساهمت هذه المعارضة بكلّ أطيافها في تدويل قضيّة الشعب السوري، واقعة بالضبط في الفخّ الذي نصبته لها السلطة.

ـ يتحجّج بعض السياسيين المعارضين، أنّ هذا التشرذم وعدم التوافق، ينتج عن أربعين سنة من الاستبداد؟

 هذه الحجّة واهية برأيي، إذ ما منعه الاستبداد هو “السياسة السياسويّة” والتنافس، وبقي الوقت متسّعاً أمام السياسة النبيلة، تلك التي تبحث عن التوافقات وعن الأسس المشتركة وعن دعم حركة المجتمع نحو الحريّة والكرامة. وأمثلة ذلك في سوريا كثيرة، أهمّها “إعلان دمشق” في صيغته الأولى، الذي رسّخ توافقا سياسيّا حتّى بين مكوّنات مختلفة جدّاً إيديولوجيّاً، من الشيوعيين إلى الإخوان المسلمين، الذين كانوا يخضعون حينها لخطر الحكم عليهم بالإعدام. وفي الحقيقة، تستخدم حجّة أنّ الاستبداد هو سبب مشاكل المعارضة الحالية للتغطية على التهرّب من المهمّة الأساسية في البحث عن التوافقات، بل لمحاولة السيطرة على الثورة من قبل البعض.

ومن أبرز ما يميّز المعارضة السياسيّة السورية أيضاً، هو أنّها بالرغم من الإمكانيات المتاحة والوقت، لم تنظّم هيكليّاتها على أسسٍ متينة وديمقراطية، حتّى داخلها. بقيت الأمور هلاميّة، ومرتبطة بأفراد وذاتيّات، أو بتنظيمات معيّنة، دون ضبط لآليّات اتخاذ القرارات الجماعيّة والالتزام بها، ودون ضبط للآليّات المالية والرقابة الداخليّة، حتّى فيما يخصّ قضايا الإغاثة. في حين أن من المفترض أن تشكّل هذه المعارضة مثالاً لسوريا المستقبل الديمقراطية.

هناك أيضاً مشاكل أخرى في المعارضة السياسية، لعلّ من أهمّها، أنّ أغلب من يظهرون في وسائل الإعلام هم معارضون لا يقيمون أصلاً في سوريا، بل ربّما لم يزوروها في السنين الماضية إلاّ نادراً. وهذه مشكلة حقيقيّة صعبة الحلّ، بالنسبة لبلدٍ عدد مغتربيه كبير. فهل يقرّر المغتربون مصير المقيمين؟ حتّى لو كانوا يعينونهم اليوم في محنتهم.

المعارضة السياسيّة إذاً ضعيفة، والمجتمع هو القويّ وهو الذي يثبت إرادته على الأرض. والعلامة على ذلك هو الانتقادات الواسعة التي يوجّهها المنتفضون إلى جميع أطياف المعارضة، بما فيها المجلس الوطني بعد أن كان تشكيله قد فتح آمالاً كبيرة.

يبقى أنّ توحيد المعارضة هو مطلب وطني للكثيرين، وهو ضروريّ للمرحلة الانتقالية، ويجب إيجاد الآليّات اللازمة له، ولو لتشكيل نوع من نواة لمجلس تأسيسيّ. إلاّ أنّ هذا الأمر يحتاج أيضاً لتوافق دوليّ. فانقسام المعارضة يأتي في الحقيقة نتيجة للمواجهات الدوليّة، ولو أراد “المجتمع الدولي” حقّاً أن تتوحّد المعارضة، لتوحّدت منذ زمن.

جدل لا منته حول التدخل الخارجي

 ـ كان لك منذ بداية الثورة موقف من دعوة بعض أطراف المعارضة إلى التدخل الأجنبي..هل يمكن إيضاح هذا الموقف؟

أخذت قضيّة الدعوة إلى التدخّل العسكريّ الأجنبيّ أو رفضه حيّزاً كبيراً من الخلافات لأشهر، في حين لم تكن هناك، وليس هناك اليوم، أيّ دولة خارجيّة مستعدّة للقيام بهكذا تدخّل. هذا شيءٌ لافت، نتج لجزءٍ كبير منه ممّا شهدته ليبيا، والتدخّل الأجنبيّ الواضح فيها منذ اللحظات الأولى لانطلاق انتفاضتها ضدّ عائلة القذّافي. وكانت ليبيا هي فعلاً لحظة انحراف أساسي “للربيع العربي” بالقياس إلى المرحلة الأولى التي شهدت رحيل بن علي ومبارك. بل إنّ حالتي ليبيا والبحرين قد شكّلتا سويّة منعطفاً، تمّ عنده المزج بين انتفاضات الشعوب وبين محاولة تجيير مصير البلدان المتحوّلة إلى مصالح خارجيّة عبر التدخّل العسكري المباشر.

لم تجرؤ المعارضة السياسيّة في سوريا على أن تقول صراحة، إنّ التدّخل العسكريّ الأجنبيّ غير مطروح، حتّى لخلق مناطق عازلة أو ممرّات آمنة أو غير ذلك. بل أشاع بعضها أوهاماً أنّ هذا يمكن أن يحدث، ممّا خلق إحباطاً تلو الإحباط لمن يعاني القمع والتنكيل. هكذا تمّ دفع تسمية الجمعات والهتافات دوماً إلى مزيد من المزايدة في هذا الشأن (فما معنى تسمية جمعة “التدخّل العسكري الفوريّ” غير الإحباط). وفي المقابل، زايدت فئات معارضة أخرى على موضوع رفض التدخّل الخارجي، انطلاقاً من أنّ معظم الشعب السوري يخشى أنّ يكون مصيره ما حدث في العراق من جرّاء التدّخل العسكري الأمريكيّ أو ما يحصل اليوم في ليبيا.

دفع بعض المعارضين بعيداً بالمطالبة بالتدخّل العسكري الخارجي، رغم وضوح أنّه يقسم المجتمع السوريّ، ويزيد من نسبة المتخوّفين من التغيير. فبدل أن تتمّ الإهابة بهؤلاء المتخوفين بأنّهم هم مسؤولون كغيرهم من السوريين عن حماية المدنيين، كمسؤولية وطنيّة وإنسانيّة، ومحاولة كسبهم لصفّ الثورة، بات هناك من يطالب حيناً بضربة عسكريّة تركيّة، وحيناً آخر بتدّخل من حلف الأطلسي… لحماية المدنيين. وقد لعبت القنوات الفضائيّة لعبة في تأجيج هذا السجال القاتل، مخصّصة بالضبط للمعارضين الذين يصرخون بهذه المطالبات الحيّز الأكبر من برامجها. ذروة هذه الحملة رافق المبادرة العربيّة، التي صمّمت أساساً لخفض وتيرة عنف السلطة للسماح للحراك السلميّ بأن يقوى ويتوسّع. وأتت المهاترات الإعلاميّة عمّا قاله هذا المراقب العربيّ أو ذاك، في حين أنّ ما كان مهمّاً هو فقط تواجد المراقبين في الأماكن الساخنة، كي لا تقوم السلطة بما فعلته في بابا عمرو. وكأنّ ما كان يراد هو بالضبط ترسيخ هذا السجال العقيم حول التدخّل العسكري للدفع نحو العنف ولإطالة الأزمة ودفع البلاد نحو الفوضى.

بل إنّ الخطاب الإعلامي قد انزلق نحو الحديث عن “احتلالٍ” في سوريا، لتبرير عمليّة “تحرير” من قبل قوى خارجيّة. الأمر قمعٌ ووحشيّة وقتل وتنكيل، ولكنّه ليس “احتلالاً”، بما يعني ضمنيّاً أنّ فئة من السوريين ليست سوريةً وتحتلّ الأخرى. مع أنّ محصّلة ما فعلته السلطة بالبلاد من فوضى بدأ فعلاً يشبه ما صنعه الجيش الأمريكي في العراق.

تسليح الثورة

ـ وماذا عن موقفك من تسليح المعارضة؟

 

عرف موضوع التسليح مساراً مماثلاً. إذ في حين استنكر الجميع قتل المتظاهرين السلميين، ظهر مبكراً موضوع قتلى الجيش والأمن والشبيحة كموضوعٍ خلافيّ لدى بعض أطياف المعارضة ووسائل الإعلام المناوئة للسلطة. رفض كثير من هؤلاء حتّى مقولة أنّ هناك من يقتل على الجانب الآخر، واتّهم كلّ من يتحدّث في الأمر بخيانة الثورة. وقد ساهم هذا في زيادة الشرخ، وكأنّه يجب عليك كي تكون داعماً لثورة الشعب ألاّ تقول حقيقة ما يجري. وفي فترة ثانية، اجتمعت كلّ أطياف المعارضة على الحقّ المشروع في الدفاع عن النفس، ولكن هنا أيضاً ظهر شرخ بين من أصرّ على إبقاء سلميّة الثورة باعتبارها الأساس، واستخدام السلاح هو الاستثناء، وبين من يعتبر أنّه لا يمكن إسقاط النظام سوى بالوسائل العسكريّة. وكذلك هو الأمر بالنسبة “للجيش السوريّ الحرّ”، فهل هو رمز المقاومة الشعبيّة أم نواة لجيش وطنيّ جديد؟

المشكلة في طروحات التدخّل الأجنبيّ والتسليح هذه، أنّ من كان يدافع عنها لم يكن يعي ما تعنيه حقّاً، أو يبقي الالتباس قصداً، لدفع الثورة نحو الإحباط كي تحقّق النبوءة ذاتها، ويتمّ الانزلاق في الفخّ الذي نصبته السلطة. فما تعنيه “الممرّات الآمنة” سوى تدخل عسكريّ أجنبيّ… يؤمنها؟ وما معنى المناداة بالتدخّل العسكري إذا لم يكن هناك أحد يضمن ماذا سيفعله هذا التدخّل بعد أن يقضي على الجيش السوري؟ وماذا ستكون البلد بعد ذلك، إذا غدت مسرحاً للاقتتال الداخليّ كما ليبيا اليوم؟

 ـ على الطرف المقابل كيف ترى حال النظام.. وكيف تفسر تماسك آلة النظام السياسية والعسكرية والدبلوماسية حتى الآن، وهل هو قادر على الحسم فعلا؟

من المستحيل أن تكون السلطة قادرة على الحسم أمنيّاً، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل آذار 2011. هناك مسألة أساسيّة، وهي أنّه حتّى المتخوّفون من التغيير، باتوا يحمّلون هذه السلطة، وبشّار الأسد بشكلٍ خاص، مسؤوليّة الأحداث الحالية في سوريا والفوضى الحاصلة، وكيف يمكن أن تضيع البلاد. الدلالة الجوهريّة اليوم لكلّ الدمّ الذي سفك، بين المدنيين والعسكريين على السواء، هي أنّ السوريين لم يعودوا يقبلون مقولتي “سوريّا الأسد” و”الأسد إلى الأبد”، ومهما سيكون شكل الحلّ، سينتهي تسلّط عائلة الأسد على مقدّرات البلاد.

أمّا لماذا لم ينقسم الجيش بشكل كبير؟ ولماذا لم ينشق سوى القليل من كوادر الدولة والدبلوماسيين؟ هذا له أسباب كثيرة، منها أنّ المعارضة السياسية لم تكن على مستوى المسؤوليّة، ولم تبنِ الأسس التي تجذب هؤلاء إليها، ولم تشكل مشروعا وطنيّا بديلا واضحا يشمل جميع أطياف الشعب السوري، في حين استخفّت بقدرة السلطة على تجييش مناصرين لها، ولم تعمل بثبات على قلب موازين القوى لصالحها رويداً رويداً.

هل حسمت السلطة حقّاً معركة حمص؟ تهجّر عدد كبير من السكّان، وأصبحت الأحياء مقطّعة، وأغلبها خارج عن سيطرة الدولة وفي فوضى كبيرة، وحالة تشنّج على نطاق واسع، حتّى في الأحياء التي توصف بالموالية. ماذا كسبت السلطة بعد معركة بابا عمرو؟ لا شيء سوى إدخال البلاد إلى الفوضى، وزيادة قناعة السوريين، موالين ومعارضة، أنّها لا تستحقّ بأيّ شكلٍ كان أن تبقى مهيمنة على مقدّرات البلاد. وحتّى إذا اعتبرنا أنّ السلطة ربحت معركة عسكريّة، فهي قد خسرت المعركة السياسيّة، وأثبتت أنّ ما يهمّها هو الحكم وليس الوطن.

ـ أخيرا .. ما هي السيناريوات المتوقعة..في ظل طرح موضوع تقسيم سوريا؟

سوريا مفترق طريق الربيع العربي. من ناحية، هناك ثورة شعبيّة ضد سلطة، وهناك لعبة أمم حول سوريا. وهذان أمران لا يتناقضان. الثورة في سوريا لا يمكن أن تنجح إلاّ إذا جلبت قيماً جديدة للربيع العربي، تقوم على مواطنة حقّة يتساوى فيها الجميع، ولعبة الأمم حول سوريا قويّة، وتسعى إلى إقامة تحالفات جديدة لمواجهة تحوّلات الربيع العربي في سوريا ومصر وتونس وغيرها.

لا أظنّ أنّ طرح تقسيم سوريا أمر وارد، مهما كانت لعبة الأمم. الشعب السوري قوّته في تنوّعه، ومازالت فيه عناصر هذه القوّة التي تكبح أيّ حلّ من هذا النوع، رغم الانهاك الكبير الذي يعاني منه المجتمع السوري اليوم بفعل القمع والحصار. لقد احتاج العراق ثلاث عشرة سنة من الحصار حتّى تفكّكت عرى تماسكه الاجتماعي. وبرأيي ستحتاج سوريا عشرين أو ثلاثين سنة حتّى يحصل هكذا تفكّك. ولا أظنّ أنّ التغيير سيحتاج كلّ هذا الوقت.

التغيير سيحصل في سوريا، وسيشكّل مرحلة في تطوّرات كبرى ستشمل المنطقة برمّتها. وقناعتي أنّ التحوّل السوري سيكون علامة فارقة في تحوّلات المنطقة، ولهذا فالمخاض طويل ومؤلم.

عن الكاتب

عدد المقالات : 73
  • Mahboolsori

    كل واحد من أساطين و عظماء (المعارضة) يريد من الغريب الذي يدعو لمؤتمر يجمعهم – لأنهم مشرذمون و تافهون و أصحاب مصالح و يعانون من شيزوفرينيا و يعتقدون أنهم أقطاب الكون تدور من حولهم المجرات و تتقافز على أحذيتهم الشموس و النيازك – يريد من الغريب الذي يدعو لمؤتمر يجمعهم أن يأتيهم حبوا و يبوس أقدامهم لكي يوافقوا على المشاركة في هموم شعبهم المذبوح المحروق المستباح. بدل ما أنتو تتجمعوا و تطالبوا الآخرين بالحضور .. ليش؟ لأنو كرامتكن الفردية الأنانية المريضة و البرتوكول و الاتكيت فوق كل شيء و قبل كل شيء.

  • Mahboolsori

    القول الفصل: هيئة التنسيق الوطنية السورية تنتمي الى المغارضة و ليس الى المعارضة.
    هيئة التنسيق الوطنية السورية عبارة عن مأساة فكرية ضد القيم المجتمعية السورية و الموروث العربي الاسلامي الذي ملأ الدنيا و شغل الناس … هي فكر متحرر فلسفي سوريالي (الزهايمر ذهني) منفصل عن الواقع ( اتيكيت وسط المذبحة السورية الغرض منها ليس المعارضة و انما المغارضة) , المنظرون لهذا الهذيان ( ثوار اتيكيت و برتوكول) مجموعة شياب عواجيز يحتكرون الفكر كله و الحكمة كلها و الرأي كله و الوطنية جلها… عينوا أنفسهم قيمين على الأدب و الفكر و الاعلام و السياسة و نصبوا أنفسهم أوصياء على السوريين الذين كتبوا و ألفوا و أبدوعوا في سنة واحدة آلاف الابدعات التي أغرقت فضاءات الانترنت ( ابداعات تعجز الانس و الجن) . و لكن أحسن من يمثل أعضاء الهيئة ال 23 هو شاعرهم الأسطوري العظيم أدونيس الذي لا يؤيد مظاهرات تخرج من المساجد و لكن يريد أن تنطلق المظاهرات من المسارح و دور السينما (و ربما كباريهات الربوة) و هم يحاولون التظاهر المفشكل بين محلات بسكليتات الفحامة – سود الله وجوهكم أكثر و أكثر. يا حبايبي: شاعرنا هو نزار قباني و قائدنا خالد بن الوليد و شهداؤنا منهم أحياء يمشون في الأرض و منهم في جنات يرزقون.

  • Hamuza_00000

    بسم الله ، اذا ظرت بتمعن اتضح لك ان الشعب متماسك .، ومتمسك بمعارضته ضد هذا النظام الظالم بغض النظر عن اختلافه في الاراء ، والواقع شاهد على ذلك ، اما النظام فهو هالك لامحاله (لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد