د.حسن مكي: انتقدت الإخوان فانهالت عليّ عروض المخابرات الأجنبية! (2-2) Reviewed by IslamOnline on . دخلت السفارة الأمريكية عندما احتجزها الطلبة الإيرانيون فاكتشفت جهلهم الكبير! تسببت - دون قصد - بتأجيل الثورة واعتقال الترابي في هذا الجزء من الحوار يأخذنا المؤر دخلت السفارة الأمريكية عندما احتجزها الطلبة الإيرانيون فاكتشفت جهلهم الكبير! تسببت - دون قصد - بتأجيل الثورة واعتقال الترابي في هذا الجزء من الحوار يأخذنا المؤر Rating: 0

د.حسن مكي: انتقدت الإخوان فانهالت عليّ عروض المخابرات الأجنبية! (2-2)

Hassan makki

دخلت السفارة الأمريكية عندما احتجزها الطلبة الإيرانيون فاكتشفت جهلهم الكبير!

تسببت – دون قصد – بتأجيل الثورة واعتقال الترابي

Hassan makki

في هذا الجزء من الحوار يأخذنا المؤرخ والسياسي السوداني حسن مكي إلى عالمه الخاص وآرائه في التاريخ والسياسة والحركات الإسلامية في السودان، كما يطلعنا على تفاصيل تفرده في الكتابة عن الإسلام في إفريقيا، وكيف فُرض عليه ذلك دون ميل منه أو مشورة؟

يبدو مكي في هذا الجزء إنسانا لا تمنعه آراؤه الفكرية من الاحتفاظ بامتيازاته الإنسانية ومساحات التفاعل الأخلاقي بينه وبين أقرانه ومخالفيه في الفكر والحركة.. مكي الذي اتهمه إخوانه في الحركة الإسلامية بأنه “لا يُعوَّل عليه” لم ينس يوما ما يربطه بهؤلاء الأصدقاء من علاقات أسرية عميقة، ولم يحرم نفسه من النقاش معهم ومشاكستهم، والأخذ منهم والإضافة إليهم.

في هذا الحوار نلتقي بأسماء مثل الترابي، وعلي عثمان طه، ومحمود محمد طه، والصادق المهدي، ونتعرف على موقف حسن مكي من آرائهم وأفكارهم ومشروعاتهم الفكرية، ومساحات التلاقي والاختلاف بينه وبينهم..

هذا الجزء من الحوار لا يحمل من الذكريات قدر ما يحمل من الملامح:

* متى انتميت للحركة الإسلامية؟

انتميت لها في السنة الأولى، وكان معي رفيقي حسام الدين ساتي وهو طبيب أسنان الآن، ولكن رفاقنا في العنبر كانوا من اليمن الجنوبي وكانوا اشتراكيين وكانوا يقرءون مجلة الحرية اللبنانية.

* البعض في فترات التكوين الحركي ينغلق على مكتبته التنظيمية.. فهل كنت من هذا النوع؟

 لا؛ كنا نقرأ كل شيء، وكنا نزور بانتظام المكتبة التقدمية الماركسية بمدني، وكنا نعرف ماو تسي تونغ ولي ياما بيانغ مثلما نعرف سيد قطب.

* هل كان لديكم في هذه الفترة حس نقدي تقرءون به؟ 

 عندما دخلت السجن وأنا في السنة الثالثة بالجامعة اكتشفت أنني متقدم فكريا على كل السياسيين المعتقلين سوى أحمد خير، رائد مؤتمر الخريجين.

لا أومن بالمناهج

* متى شعرت باللحظة الفاصلة بين الكتابة هواية والكتابة وفق منهج؟

وأنا في السجن بدأت عندي قراءات متأملة في القرآن الكريم مع حفظه، وقراءات في الفقه الإسلامي والفكر الإسلامي وقد أثرت عليّ جدا، ولكنني لم أنس أنني أولا وأخيرا خريج كلية الآداب في جامعة الخرطوم، بكل ما فيها من اهتمام حداثي بالمناهج.

* هل كان هناك شعور بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى؟

 في العام 1975م وأنا في السجن اكتسبت منهجا منضبطا أثناء ترجمتي لكتاب الأكاديمي الأمريكي ريتشارد ب. متشال، (The society of muslims brotherhood) وهو رسالة دكتوراه في الأصل قدمها لجامعة برنستون الأمريكية، وقد استفدت من الترجمة وتقاليد الكتابة، وقد عاونني الأخ المرحوم صلاح صديق المهدي شقيق الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق وكان طالبا في جامعة السوربون وقتها، وقد جودت هذه التجربة من منهجي العلمي، ولذلك حينما كتبت كتابي عن تاريخ الإخوان المسلمين كنت متأثرا بكتاب ريتشارد، وقد طبع كتابي 5 طبعات، برغم أنني كتبته وعمري 28 سنة، لنيل دبلوم فوق الجامعي، وقد أصبح مرجعا للمهتمين بالحركة الإسلامية السودانية، وبعد ذلك جاءت كتابات د.التيجاني عبد القادر، ود.عبد الوهاب الأفندي، وهي رسائل لنيل درجة الدكتوراه ولكنها لم تخرج كثيرا عن تلك الوريقات التي كتبتها مطلع عمري الأكاديمي.

* هل لهذا المنهج الذي تتبع عناصر محددة؟

 بعد خبرة 30 سنة أستاذا جامعيا، وبعد الإشراف على المئات من رسائل الماجستير والدكتوراه والدبلوم العالي، لا أستوعب ما يقال عن أنواع المناهج؛ تحليلي، واستقرائي وغيرها، فأنا لا أؤمن بمثل هذه الأشياء، ولهذا كنت أعمد في كتابتي إلى صياغة قصة، وبعدها أبحث عن الأصول الثقافية من كتب ومدونات واستطلاع مشكلات.

* كثيرون يتساءلون عن الحضور الدائم للتاريخ في كتاباتك حتى وأنت تكتب في الفكر والسياسية؟

 لأنني في الأصل نشأت على حب القصة، فأنا فتحت عيني على مغامرات أرسين لوبين، وروايات جورجي زيدان وغيرهم، ولا أجد نفسي في أمهات كتب التاريخ الإسلامي؛ لأن بها استطرادات وإسرائيليات، لكن لاحقا أصبحت أجد نفسي فيما يكتبه الغربيون باللغة الإنجليزية؛ ولهذا أعتقد أن أهم كتاب تأثرت به كتاب ريتشارد ميتشيل، وكتب أرنولد توينبي، وقد ترجمت بعض أجزائه، وللأخير نظريات عن الثقافة الإسلامية وقانونه الشهير (التحدي والاستجابة)، وهناك مؤلف مغمور اسمه سبنسر.. له مؤلف عن إثيوبيا وقد تأثرت بمنهجه وأنا أكتب رسالتي للدكتوراه “السياسات الثقافية في الصومال”.

باختصار.. أكتب قصة، وأبحث عن العناصر الثقافية المؤثرة على القصة ومجرياتها، وبعدها أحاول أن أقدم قراءات مستقبلية من خلال تلك القصة.. إفريقيا التي فرضت عليّ ذلك!

* منذ مطلع التسعينيات تميزت في قضايا الإسلام في إفريقيا، فمتى اخترت هذا الاتجاه؟

 “مُكره أخاك لا بطل”، فلم يكن عندي إحساس بالرغبة في الحياة الأكاديمية، ولم أكن من المتفوقين كما قلت لك من قبل، وقد خرجت من السجن بعد ثلاث سنوات، ومنه لامتحان آخر سنة جامعية، وعينت في جامعة إفريقيا، ليس رغبة في وظيفة أكاديمية، ولكن طلبا لوظيفة بعدما فصلت من وظيفتي التنظيمية كناشط مفرغ تنظيميا.

* هل اهتمامكم بالإسلام في إفريقيا هو امتداد لجيل أو مدرسة بعينها؟

أنا أعتبر نفسي مصنوعا في هذا الجانب؛ لأن الناس يريدون مني أن أكتب فيه، ولا أكتب كل ما أعرفه؛ لأن ما أعرفه دائما يثير مشاكل عندما أقوله، فهم يريدون أن أكتب عن الشيخ ظاهر عويس في الصومال وأفكار ابن تومرت، ولكنهم لا يريدون أن أكتب عن الحركة الإسلامية السودانية والديمقراطية، وطبيعة الحكم الإسلامي ومدى مقاربتنا له، وغيرها من القضايا التي لا يعرف عمقها وتفاصيل تطبيقاتها إلا رجال يعدون على الأصابع، وقد لا يتجاوزن عدد أصابع الكف الواحدة.

المهم أن رأيي في هذه القضايا عُرف بمجمله، ولكن عندما بدأت في كتابة قراءات نقدية للتجربة الإسلامية في السودان مطلع التسعينيات أقبلت عليّ المخابرات الأجنبية بعروضها، فشعرت أنه من الأفضل أن أتوقف، فهذه تجربة أنا من أبنائها والقائمون عليها إخواني، ولكن حتى الآن لا أعرف إن كنت امتدادا لمدرسة في هذه الموضوعات أم لا؛ لأنني لا أهتم لذلك، ولا أشعر أنني أنفعل بها من داخل وجداني، أما التعاطي اليومي فإنما هو من باب تعريف الناس بما لا يعرفون فقط.

 * هل مرت الكتابة عندك بمراحل متميزة باهتماماتها وقضاياها؟

 كل كتبي صنعة، ولم أشعر بكتاب قريب إلى نفسي مثلما شعرت بكتاب “الثقافة السنارية” وهي الثقافة الإسلامية لأول ثورة إسلامية في السودان، ولكن بقية الكتب كانت مطلوبات وقتية! ولما نشبت الثورة الإيرانية اهتممت بهذه الثورة وزرت إيران وكتبت عنها، وكتبت عن الصومال وكنت مغامرًا.. زرت الدنيا وتعرفت على قادة الحركات الإسلامية، وزرت مصر وأوروبا الغربية وبلغاريا وباكستان، وعبرت الحدود الباكستانية الإيرانية على الأقدام، وزرت أفغانستان وتركيا في ظل ظروف صعبة جدا لحظة انقلاب عسكري.. كنت أنزل في بيوت الطلاب السودانيين أو مع أي أحد يدعوني للمبيت عنده، ولا أذكر أنني أجرت غرفة في فندق، ولم أترك المغامرة إلا بعد سن الأربعين، وأذكر أنني كنت في إيران في فترة احتلال الطلاب الإيرانيين للسفارة الأمريكية، واتصلت بالطلاب وزرتهم في السفارة وصليت معهم، ووجدتهم جاهلين جهلا كبيرا، ولا يعرفون شيئا عن الحركات الإسلامية، ولا يعرفون سوى الإمام الخميني وكنت بالنسبة إليهم أستاذا كبيرا!

* حدثنا عن أسلوبك في الكتابة؟

 كتابتي يغلب عليها الطابع السياسي ومنطقه؛ فأنا لست أديبا ولا أعرف الشعر، وبعد تخرجي ذهبت لمدير مدرسة حنتوب الثانوية لعلي أجد عنده وظيفة، وكانت بيننا علاقة ود، وأذكر أنني نظمت مظاهرة عندما كنت طالبا عنده، فكتب تزكية لي لمدير مدرسة الأحفاد، فعينت أستاذا للغة العربية، وأعطيت جدولا به 24 حصة، وكنت لا أحسن النحو، وكنت أسهر الليل في مذاكرته وحفظ قواعده، وفي الصباح “يطير” كل ما حفظت عندما أدخل على طالبات المدرسة، فلم أجد نفسي في هذه المهنة، فاستقلت من المدرسة برغم احتياجي للمال.

* مع هذه الفترة الطويلة هل أصبحت مرتبطا بمصطلحات ومفاهيم؟

  طبعا المدخلات التي أثرت في تكوينك لابد أن تعيد إنتاجها، وأنا مدخلاتي الثقافية الأولى كانت القصة والرواية والصحافة، وقد أثرت في أسلوبي ولم تدفعني إلى تبني مفاهيم ومصطلحات خاصة، والسبب الآخر أنني ما زلت في حالة تعلم واطلاع وقراءة جديدة، ويستحيل أن يكون هناك كاتب سوداني في أي مجال من المجالات لم أقرأ له، بالإضافة لاطلاعي على إنتاج كُتَّاب الخارج، وقد صغت بعض المصطلحات السياسية مثل “الكتلة السوداء” وغيرها، ولكنني عدت وندمت عليها؛ لأنها سببت مشاكل.

أنا والترابي

 * يلاحظ في كتباتك السياسية كثرة التنبؤات؟           

هو حدس سياسي، وهذا أحد خلافاتي مع الترابي؛ فقد كنت أشعر أنه يسير في الاتجاه الخطأ، برغم أنه مفكر كبير، وعنده قدرات وعقل وصبر على الناس، وحركة، وقدرات تنظيمية وإدارية، وكلها مهارات أفتقدها، ولكن في أول لقاء جامع للإخوان وأساطين الحركة، باستثناء الرئيس البشير، قلت لهم هذه الحكومة العسكرية لن تفلح ولابد من حل المجلس الثوري، وأن يصبح البشير رئيسا، والترابي رئيسا لمجلس الوزراء، وعلي عثمان رئيسا للبرلمان، وانقسم الإخوان تبعا لموقفهم من هذا الطرح، وفي صبيحة اليوم التالي عنفني الترابي.. والآن أتصور أننا لو فعلنا ذلك في العام 1992م لكنا على الأقل حافظنا على الحركة الإسلامية وقوتها.

* هل شعرت في يوم من الأيام أنك جزء من هذه المدرسة؟

 لا لم أشعر في يوم من الأيام أن أحدًا قريب مني في التفكير، ولكن أحيانا كنت أشعر أن الترابي متقدم علينا؛ فهو أحسن منا معرفة بالفقه وأجود خطا، وأفصح لغة، وأغزر إجادة للإنجليزية والفرنسية، لكن كنت أعتقد أنني في قراءة اتجاهات المستقبل والوقائع السياسية أفضل من الترابي.

* ولكن هل تعتقد أن لهم عليك تحفظات سواء على مستوى الأداء الحركي أو القناعات الفكرية؟

 هذا أمر أعتقد أنه طبيعي في العمل الحركي؛ فلقد تم تكليفي بمهام كثيرة، فمثلا عملت في جنوب السودان، وشاركت في تأسيس تنظيم الإخوان المسلمين هناك، وذهبت إلى دارفور وأسست العمل هناك، وبعدها عدت وأسست العمل التنظيمي في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، ثم طلب مني الترابي أن أسافر لكردفان لتأسيس عمل هناك فرفضت الذهاب، وقلت للترابي أنا حتى الآن لم أتزوج وليس عندي وظيفة ثابتة ولا توجد صورة واضحة للمستقبل.

وبعد رفضي الذهاب أوقف مرتبي من التنظيم، وعرفت من خلال الأخ سيف الدين محمد أحمد أن هناك وظائف في المركز الإسلامي (جامعة إفريقيا لاحقا) وذهبت في يوم المعاينات (المقابلات) برغم أن اسمي ليس من ضمن الأسماء المعلن عنها.. ولكن كنت أحسب أن الأخ معتصم عبد الرحيم وكان يعمل في المركز وقتها قد قدم شهادات للوظيفة، وأن اسمي سقط سهوا، فطلبت من موظف الاستقبال إضافة اسمي في الكشف أمامه لأنه سقط سهوا، وقد استجاب لذلك بكل بساطة، ولما دخلت المعاينة كانت لجنة الاختبار مكونة من كل من د.الطيب زين العابدين، ود.عبد الرحيم علي وهم رفيقاي في السجن، فتحولت المقابلة للسلام والسؤال عن الحال والأحوال، وخرجت من المقابلة دون أن يوجه أحدهما لي سؤالا واحدا!

بعد فترة أخبرني د.الطيب زين العابدين أنهم قد اختاروني في وظيفة باحث في المركز، وحددوا لي راتب 285 جنيها وهو 4 أضعاف راتبي الذي كنت آخذه من التنظيم.

ومنذ عام 1980م وأنا أعمل في المركز الإسلامي، وحرصت على وظيفتي؛ لأنني كنت في حالة مناوشات مستمرة مع الترابي، برغم أنني كنت أول أبناء جيلي التحاقا بمجلس شورى الحركة الإسلامية، وما كنت أحب أن أكون في جامعة إفريقيا، وكنت أفضل أن أكون مع الترابي، ولكن الترابي كان في ظني يتضايق مني، وكنت لا أنتبه إلى ما قدمني إليه الترابي من مهمات كانت تشرئب لها الأعناق.

وفي عام 1984م كلفني الترابي بتنظيم المؤتمر العالمي لتطبيق الشريعة الإسلامية، وقد حمت الدنيا من أجل هذا المؤتمر، وزرت أمريكا لدعوة محمد علي كلاي الرياضي المعروف، ودعوت أغلب المفكرين الإسلاميين من الخارج، طبعا كنت قد سافرت قبلها إلى الخارج، ولكن الترابي هو من سهل لي السفر باسم الحكومة هذه المرة، وقبل مجيء الإنقاذ كنت في بريطانيا، وكنت أكاتب الترابي وعلي عثمان وأسألهم: أين تغييركم المزعوم؟ وأرفق لهم قصاصات من الصحف البريطانية.

ولما وقع انقلاب الإنقاذ كنت لحظتها في السودان، وأمضيت معهم الأيام الأولى، وطلبوا مني ترتيب “مؤتمر الحوار الوطني لقضايا السلام” فاعتذرت إليهم وتعللت بأنني لا أقدر، وفي هذه الفترة كان الذي يعتذر كمن خذل المسلمين يوم بدر، لكن بالفعل كان عندي التزامات مع مؤسسة “إسلاميك فاونديشن”، وكانت زوجتي هناك، وكنت في حاجة لأن أصفي أوضاعي في بريطانيا، وأنا من عاداتي أني إذا انشغلت بشيء لا أستريح إلا بعد إنجازه، فسافرت إلى بريطانيا ولم أهتم بالمؤتمر وكانت هذه غلطة حقيقية.

 من يومها أصبحوا يقولون “حسن مكي لا يُعَوَّل عليه”، واعتبروا أن حسن مكي لا يلتزم بما يقوله، بالإضافة إلى اعتقادهم أنني لا أحفظ الأسرار، وهذه قصة قديمة ترجع إلى 1973م، وكنت طالبا في الجامعة ومسئولا عن ترتيب الندوات التي من المفترض أن تعبئ الشارع لإسقاط نظام النميري، وكنت لحظتها في العشرينيات من عمري، وكنت وثيق الصلة بالترابي والصادق المهدي، وكانت المعلومات ضاغطة على دماغي، وفي إحدى الندوات انفعل الطلاب والجماهير، فقلت من خلال مكبر الصوت للطلاب: “اصبروا.. بقيت ندوة واحدة” ولا أحد يعرف ذلك سوى الصادق المهدي والترابي.

ومن هذه الجملة كشفت الحكومة مخططنا، وفي وقت متأخر من تلك الليلة أذاع الوزير مهدي مصطفى الهادي بيانا يتحدث فيه عن مخطط انقلابي، ونحن في المقابل غيرنا مواعيد الثورة، واعتقلت الحكومة الترابي واعتقلونا جميعا وأخذ إخواننا عليّ ذلك، برغم أنني دفعت ثمنا كبيرا واعتقلت وأنا لم أزل طالبا في السنة الثالثة.

* هل أثر ذلك على علاقاتك الإنسانية بهم؟

 على الإطلاق.. فبيننا علاقات وعواطف إنسانية وأسرية لا يمكن تجاوزها؛ فأنا أعرف الترابي وأسرته إلى أصغر طفل فيها، وكذلك أسرة ياسين عمر الإمام.

طه والمهدي

* ما شهادتكم على مدرسة الإخوان الجمهوريين التي أسسها محمود محمد طه الذي أعدمه الرئيس النميري؟

 ليست هناك مدرسة إخوان جمهوريين، إنما هناك محمود محمد طه، وهو رجل قوي، كنا نقرأ كتبه ونزوره ونجادله، ونتعشى معه، وبرغم الخصومة الفكرية فإننا كنا معجبين به؛ لأنه صاحب منهج متفرد، يعتمد على مدخلات محلية سودانية، وكان يؤلف الكتاب ويطبعه ويوزعه عبر أولاده وتلاميذه، ثم يعيد إنتاجه، ولا أعتقد أن هناك سودانيا اجتهد على مستوى تاريخ السودان الثقافي في نشر الكتب مثل محمود محمد طه، وكان كتاب محمود يصلك في محلك في بلدٍ تجارةُ الكتاب فيه بائرة خاسرة.

* هل كانت لكم اعتراضات؟

 كنت أتصور أنني خصمه، ولعل هذا موقف سياسي، أما من الناحية الفكرية فأنا ضد أطروحاته عن العبادات وآرائه في إمكانية إنتاج الفرد لشريعته وشعائره بنفسه، ورأيه في السلام مع إسرائيل، وكل هذه جعلتنا لا نتفق معه، وليس ذلك نتيجة تأمل فكري عميق، ولكنه رفض لبرنامج سياسي هذه بعض تجلياته، ولكن مع ذلك ما زلت أردد بعض عباراته التي حفظناها من كتبه أو منه هو مباشرة، وأستغفر الله بعد ذلك، (ويضحك) ولكن لم يكن هناك غير محمود لنزوره ونجادله.

* للسيد الصادق المهدي مشروع قراءة جديدة لفكر الثورة المهدية التي قادها جده محمد أحمد المهدي، فهل تعرفت على هذا المشروع؟

 الصادق المهدي السياسي كنا نعرفه ونزوره بهذه الصفة، لكنني لا أتفق معه في كلامه عن المهدية وفكرها ومواقفها.


هذه المقالة تتبع سلسلة ” الدكتور حسن مكي في حوار حول مساره الفكري

عن الكاتب

عدد المقالات : 4