دمقرطة ميانمار.. إصلاحات تنسفها معاناة مسلميها Reviewed by Momizat on . تُقدم جمهورية اتحاد ميانمار المعروفة بـ"بورما" على انتخابات تشريعية فرعية في الأول من أبريل المقبل، وسط معركة انتخابية حامية لملء 48 مقعداً بين مرشحي النظام الع تُقدم جمهورية اتحاد ميانمار المعروفة بـ"بورما" على انتخابات تشريعية فرعية في الأول من أبريل المقبل، وسط معركة انتخابية حامية لملء 48 مقعداً بين مرشحي النظام الع Rating:

دمقرطة ميانمار.. إصلاحات تنسفها معاناة مسلميها

مسلمو بورما

تُقدم جمهورية اتحاد ميانمار المعروفة بـ”بورما” على انتخابات تشريعية فرعية في الأول من أبريل المقبل، وسط معركة انتخابية حامية لملء 48 مقعداً بين مرشحي النظام العسكري الحاكم، ومؤيدي المعارضة “سو تشي” المرشحة عن “الرابطة الوطنية للديمقراطية” عن دائرة كومو بالقرب من رانجون.

وفيما يتطلع الغرب إلى هذه الانتخابات – الأولى منذ اقتراع نوفمبر 2010 – على أنها اختبار في الديمقراطية للنظام العسكري الحاكم بلباس حكومة مدنية، ومدى جديته في تطبيق الإصلاحات السياسية، ما مايزال العالم الإسلامي بعيدا عن التطلع إلى معاناة مسلمي ميانمار الذين يشكلون 4% من مجموع السكان البالغ عددهم  54,584,650 نسمة، يعتنق 89% منهم البوذية، وفق إحصاءات (CIA -world fact book يونيو 2011).

دمقرطة الحياة السياسية وإقامة دولة القانون في ميانمار، التي يراقبها الاتحاد الأوروبي عن كثب، بحثا عن إمكانية تخفيف العقوبات المفروضة على هذا البلد، لن يدخل في حساباتها نحو مليوني مسلم يطلق عليهم أقلية “روهينجيا”، يتعرضون منذ سنين للتهجير، ولعمليات تطهير عرقي ممنهجة على يد سلطة تمنع الأقلية المسلمة، ليس من المشاركة في الانتخابات التشريعية فحسب، بل من حقوقها المدنية كذلك، حيث إن السلطة لا تعتبرهم مواطنين، وليس لديهم جوازت سفر، كما أنه من غير المسموح لهم أن يسافروا من ولاية “راخيني” الشمالية، إلى الولايات الأخرى في ميانمار من دون تصريح مسبق،  فضلاً عن الشروط القاسية المفروضة عليهم في الإجراءات المتعلقة بالأحوال الشخصية كالزواج وتسجيل الأبناء، ما يدفعهم إلى الهجرة غير الشرعية للدول المجاورة، ولا سيما بنجلادش حيث الغالبية المسلمة.

معاناة ممنهجة

وفي مشهد يعكس معاناة مسلمي هذه الدولة، يقول آلاف من أفراد جماعة “روهينجيا” الذين يعيشون في بنجلادش بشكل غير قانوني أو في مخيمات للمهاجرين، إنهم يفضلون الموت بدلا من العودة إلى ميانمار لأن الموت بانتظارهم.

ومن بين هؤلاء حاجي عبد المطلب، أحد اللاجئين المسلمين في مخيم غير رسمي في منطقة ليدا بين بنجلادش وميانمار، الذي يقول إن “المجلس العسكري في ميانمار يسعى لإجراء عملية تطهير للأقلية المسلمة، من خلال طردها من ديارها وإجبارها على العمل الشاق من دون أجر. وتنتشر جرائم اغتصاب وقتل وعمليات تعذيب أخرى”، بحسب ما ذكر تقرير لـ”رويترز” نشر  في 31 يناير 2009.

وآخر يدعى محمد نور وهو لاجئ تمكن من الوصول إلى إندونيسيا بعد تمكنه من الهرب في رحلة مروعة، وقد تمت معالجته من نزيف داخلي، جراء معاناته أثناء عمله في “السخرة” لصالح جيش ميانمار، إثر اعتقاله وتعذيبه من دون تهمة، فاضطر للهرب إلى بنجلادش، وبعدها إلى إندونيسيا حيث انتشلته قوات البحرية الإندونيسية بعد تعرض قارب اللاجئين إلى الغرق. لكن محنة محمد نور أحد المنتمين إلى أقلية “روهينجيا” المسلمة لم تنته هنا، بحسب ما يروي في تقرير أوردته  وكالة “أسوشيتد برس” في 28 يناير 2009، إذ يقول محمد: “أفضل أن أموت هنا.. إذا تم ترحيلي إلى ميانمار، أنا واثق أن السلطات هناك ستقتلني بطريقة وحشية..كانوا يقيدونني ويضربونني بالعصي حتى تقيأت الدم. توقفوا فقط لأنني كنت على وشك الموت”.

ما تتعرض له هذه الأقلية المسلمة، صنف من قبل منظمات حقوق الإنسان من جرائم الحرب القائمة على التطهير العرقي، حيث أدانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقاريرها السنوية، ممارسات سلطات ميانمار بحق “روهينجيا”، وطالبت أكثر من مرة بإجراء تحقيق دولي في هذا الشأن. ففي 13 يوليو 2011،  نددت المنظمة بتسخير ميانمار للمحكومين لاستخدامهم كـ”بغال بشرية”، وقالت المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان إن الجيش البورمي يقوم بتسخير السجناء للخدمة – والغالبية منهم مسلمون- على جبهات القتال كحمالين، حيث يواجهون الإساءات التي تصل إلى حد التعذيب والإعدام من دون محاكمة فضلا عن استخدامهم “دروعا بشرية”.

انتهاكات ومساع

انتهاكات الجيش البورمي بحق المدنيين، صنفتها أيضاً المنظمة في تقريرها الصادر في يناير 2012، على أنها انتهاك للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الاستخدام الواسع النطاق من الألغام المضادة للأفراد، والعنف الجنسي ضد النساء والفتيات، وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، والعمل القسري والتعذيب والضرب، واستهداف موارد إنتاج الأغذية، ومصادرة الأراضي والممتلكات، وتجنيد الأطفال، حتى وصل عدد اللاجئين من “الروهينجيا” في مخيمات بنجلادش الرسمية إلى 28 ألف لاجىء، في مقابل 14 ألف لاجئ في مخيمات عشوائية في تايلاند، و200 ألف لاجئ يقيمون في مخيمات على المناطق الحدودية، يحاولون الهرب إلى الهند، أو سنغافورة.

وفي وقائع أخرى أوردها تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 23 يناير 2012، أن هناك حوالي 40 ألف طفل من “الروهينجيا” غير مسجلين في ميانمار، بسبب الشروط التي تفرضها حكومية ميانمار على هذه الأقلية، ومن بينها سياسة “عدم إنجاب أكثر من طفلين”، وزيجات غير مسجلة، وهي بحد ذاتها جريمة يعاقب عليه القانون بالسجن 10 سنوات.

ووفقاً لقانون المواطنة في دولة ميانمار الصادر عام 1982، يعتبر أطفال “الروهينجيا”،  سواء كانوا مسجلين أو غير مسجلين  من دون جنسية، ما يمنعهم من فرص الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، ويتم استغلالهم في أعمال قسرية كالسخرة لصالح الجيش.

ويبدو أن ما تورده التقارير الحقوقية وما تندد به المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لم تلق آذانا صاغية لدى الدول الكبرى، ولا سيما الآسيوية، حيث فشل المؤتمر الآسيوي الذي عقد في إندونيسيا  في أبريل 2009 في التوصل إلى حل لمعضلة هذه الأقلية العرقية، ليضاف إلى رصيد الدول الآسيوية فشل جديد في إيجاد حل إقليمي لتخفيف المعاناة التي ترزح تحتها هذه الأقلية. ولا يقف هذا الفشل عند هذا الحد، بل تتعزز يومياً الانتهاكات الإنسانية من خلال الدعم الذي تقدمه الصين إلى سلطة ميانمار على كافة المستويات، وفي طليعتها الديني، حيث وقعت الصين مؤخرا في 22 من شهر فبراير 2012،  مذكرة تفاهم لإقامة علاقات دينية ودية بين معبد “لينغ قوانغ” بكين الصيني وهيكل “شويداجون” فى ميانمار لتعزيز نفوذ  البوذيين ومدّهم بالتبرعات لبناء المدارس وتقديم  مساعدات طبية أخرى.

بينما ما تزال الدول الإسلامية عاجزة عن مدّ يد العون إلى هذه الأقلية، حيث ما تزال الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي تبحث عن آليات  لتنفيذ المبادرة التي أطلقتها في 30 مايو 2011، والهادفة إلى توحيد جاليات “الروهينجيا” من خلال وضع هيكل تنظيمي واحد، لتوحيد الجهود والمواقف والمطالب المشروعة لهذه الأقلية، ولتسهيل عملية الانضمام للمنظمات الدولية، كمنظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتبقى تعهدات حكومة ميانمار بإجراء إصلاحات شاملة في البلاد في مهب الريح – رغم إفراجها عن سجناء سياسيين، وتوقيعها لاتفاقيات سلام مع بعض الجماعات العرقية مثل “كارين” و”شان” و”تشين” و”كوكانج”- طالما أن القمع مبرر بقانون ينزل أقسى أنواع العقوبات بمواطنين لا ذنب لهم، سوى أنهم مسلمون.

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 37