القاعدة في اليمن.. سقوط آخر الأوراق Reviewed by IslamOnline on . يحار كثير من مراقبي الظاهرة القاعدية في اليمن، في أمر هذه  الظاهرة، وحدود واقعيتها من أسطوريتها، وتداخل هذا الواقعي مع الأسطوري في صورة تعكس مدى ديكورية هذه الص يحار كثير من مراقبي الظاهرة القاعدية في اليمن، في أمر هذه  الظاهرة، وحدود واقعيتها من أسطوريتها، وتداخل هذا الواقعي مع الأسطوري في صورة تعكس مدى ديكورية هذه الص Rating:

القاعدة في اليمن.. سقوط آخر الأوراق

القاعدة في اليمن

يحار كثير من مراقبي الظاهرة القاعدية في اليمن، في أمر هذه  الظاهرة، وحدود واقعيتها من أسطوريتها، وتداخل هذا الواقعي مع الأسطوري في صورة تعكس مدى ديكورية هذه الصورة المتخيلة في ذهنية المتلقي العادي والبعيد عن تفاصيل ما يجري من أحداث و روايات.

فمن وقت لآخر تبرز هذه الظاهرة فجأة، لتشغل حيزاً كبيراً في وسائل الإعلام المختلفة مما يجعل ظهورها بشكل أقرب إلى مادة “درامية” منها إلى واقع إخباري حقيقي، حيث أصبحت هذه الظاهرة أقرب في أذهان الناس إلى لعبة سياسية مكشوفة منها إلى كونها ظاهرة عنفية واجتماعية حقيقية.

فما يحصل هذه الأيام من سيطرة مجاميع مسلحة بقيادة الشيخ طارق الذهب، قيل بانتمائها إلى  تنظيم القاعدة، على مدينة رداع التي تبعد عن العاصمة صنعاء 180 كم، أعاد لأذهان المراقبين، حقيقة العلاقة الملتبسة التي ربطت نظام علي صالح طوال العقدين الأخيرين من حكمه، بهذه المجاميع المسلحة التي تصف نفسها بأنها مجاميع قاعدية.

فلا يخفى على المراقبين والمحللين السياسيين، الوضع اليمني المتأزم والمعقد بعد أكثر من عام من الثورة التي ما زالت تعتمل في الساحات والميادين وتقيم فيها حتى إشعار آخر، وحتى تحقيق كافة مطالبها التي خرجت من أجلها، برحيل النظام و أركان حكمه، ومحاكمتهم، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية التعددية.

ويدرك المراقبون  أيضا حجم التعقيدات التي ترافق المسار الثوري للثورة اليمنية التي توقف بها الحال عند مبادرة سياسية، ترعاها أطراف خليجية ودولية، تلك المبادرة التي أبقت مجالاً لنظام صالح، الذي غادر اليمن (الأحد 22-1-2012) متوجها إلى الولايات المتحدة عبر سلطنة عمان، كي  تناور بقاياه، علها تحقق واقعاً مغايراً، يعيد لها دفة القيادة والسيطرة، بما يشبه ثورة مضادة من بوابة القاعدة، الأمر الذي دفع ببقايا هذا النظام، وعبر الأجهزة الأمنية والعسكرية التي ما زالت تحت سيطرتها، إلى إعادة اللعبة المفضلة، “فزاعة القاعدة”، التي أجاد نظام صالح ممارستها فيما مضى.

صالح والقاعدة

فزاعة “القاعدة” أو جماعة العنف المنظم، بدأت في الظهور مبكراً في اليمن، منذ ما بعد قيام الوحدة اليمنية بين شطري اليمن شمالاً وجنوباً، في مايو 1990م، وبرزت بقوة أثناء حرب صيف 1994م، حيث استخدمت من قبل نظام صالح في حربه ضد قوات الحزب الاشتراكي اليمني.

ففي تلك الفترة كانت قد عادت مجاميع كبيرة، ممن أطلق عليهم بـــ”الأفغان العرب” والذين عادوا محملين بزهو الانتصار على إمبراطورية الشر السوفيتية، تلك الإمبراطورية الاشتراكية التي كانت ترتبط بعلاقة قوية، مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي كانت محكومة من قبل الحزب الاشتراكي اليمني، الذي كان من وجهة نظر الأفغان العرب، حزبا كافرا وملحدا يجب قتاله.

وساعدت هذه الرؤية التكفيرية للاشتراكيين، من قبل الجهاديين، في استغلال صالح لهم واستقطابهم للحرب ضد الاشتراكيين حينها، وبعد الحرب التي انتهت بهزيمة الاشتراكيين، تم استيعاب العديد منهم في مناصب قيادية في جهازي الأمن والمخابرات.

عدا عن ذلك، في تلك المرحلة عند إعلان الوحدة، بداية التسعينات التي انتهى قبلها ما عُرف  بالجهاد الأفغاني بخروج القوات السوفيتية منهزمة، ودخول فصائل الجهاد الأفغانية في دوامة الاقتتال الأهلي، قررت مجاميع من الأفغان العرب النأي بأنفسهم عن تلك الحرب.

إلا أن الحياد في تلك الحرب، كان يتطلب منهم مغادرة أفغانستان، ولكن المشكلة كانت تكمن في أن كل من يعود إلى وطنه، يجد نفسه أمام خيارين، إما السجن أو المنافي الاضطرارية التي كانت اليمن أفضلها بالنسبة لهم حينها، كون نظام صالح، كان يتساهل معهم، وكون معهم علاقات قوية.

 وطوال عهد صالح بقيت القاعدة غير ذات خطر حقيقي يتهدد اليمن، بقدر ما كانت عملياتها كضرب المدمرة الأمريكية كول في 2000 م وكذا ناقلة النفط الفرنسية لمبرج 2002م ، واستهداف السياح الأجانب، والسفارات الأمريكية والغربية، كل تلك العمليات كانت تخدم نظام صالح إلى حد كبير، فقد وجدها فرصة كبيرة لتقديم نفسه ضحية للإرهاب، ومن ثم حليفا في محاربته، مما يحتم على الغربيين مده بالدعم والسلاح و تدريب قواته.

 كما حدثت أيضا عمليات كان واضحاً للعيان حقيقة فبركتها، كالهروب المتكرر لأنصار القاعدة من السجون والمعتقلات الأكثر حراسة ومنعة، كما حصل في 2006م وكذا هروبهم من سجن عدن أكثر من مرة، وكان آخرها هربهم من سجن المكلا منتصف العام الماضي 2011م.

تفاصيل المشهد العام

لكن ما ينبغي أن يُفهم في موضوع القاعدة اليمنية، هو أنها ليست بتلك الصرامة الأيديولوجية والتنظيمية، التي تحصنها من  الاختراقات الواضحة من قبل مخابرات النظام أو أية مخابرات أخرى، وهذا يمثل تحديا كبيرا لهذه الجماعة التي لا أعتقد أنها متورطة بالتعاون مع نظام صالح بقدر اقتناصها للفرص التي يحاول النظام توظيفها والاستفادة منها هو الآخر، ليبدو أمام المراقبين أن تعاونا ما موجود بين الطرفين.

عدا عن ذلك، منهجية التجنيد للأفراد، وتكاثر الجماعات المسلحة في المشهد اليمني، وتعددها، وتعدد ولائها، عقد المشهد وخلط كثيرا من الأوراق السياسية، وجعل من الصعب على المراقب أن يكون دقيقا في توصيفه، كما هو الحال مثلا في محافظة أبين التي تنتشر فيها مجاميع مسلحة كثيرة.

ومن هذه المجاميع ما هو محسوب على القاعدة، ومنها ما هو تحت مسمى أنصار الشريعة، وأخرى تحت مسمى جماعة الجهاد، وثالثة جيش عدن وأبين، ورابعة مجاميع مسلحة لا علاقة لها بالأفكار الأصولية بقدر علاقتها بتحقيق مصالح نفعية لأفرادها وقادتهم، وخامسة وهذه هي التي يمكن حسابها على النظام، مجاميع مسلحة مدفوعة الأجر مسبقا، لتنفيذ أجندات محددة.

وأمام كل هذا التعقيد والتداخل ما بين الواقع والتهويل المقصود من قبل نظام صالح،  يمكن أن نجزم بأن ما يحصل حاليا في اليمن من أحداث، تتصدرها القاعدة وسيطرتها على كثير من المناطق كزنجبار وجعار في أبين ورداع مؤخراً في البيضاء، هي أقرب إلى الفبركات منها إلى الحقيقة، حيث تهول إعلاميا بقصد خلق حالة فوضى، قد تؤدي إلى عدم إتمام عملية الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 21 فبراير، بحسب المبادرة الخليجية التي تنص على ترشيح الرئيس بالإنابة الحالي عبد ربه منصور هادي لرئاسة الجمهورية.

لذا يدرك المجتمع الدولي في هذا الظرف، حقيقة فبركة سيطرة القاعدة على مدينة رداع على بعد 180 كم جنوب صنعاء، كمحاولة أخيرة في الوقت الضائع من قبل بقايا نظام صالح الذي لا يزال عدد من أفراد عائلته يسيطرون على وحدات الأمن والجيش، وخاصة تلك التي تم تدريبها وتسليحها جيدا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا لمكافحة ما يسمى بالإرهاب، كالقوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب.

فزاعة القاعدة الآن

وكما هو معروف، فإن المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية قد نصت على إعادة هيكلة الجيش، وهو ما يقتضي إبعاد كل من يمت لصالح وعائلته بصلة، وهذا ما يزيد من مخاوف هؤلاء القادة الصغار على مصيرهم بعد الانتخابات وإعادة الهيكلة، فيحاولون هم أيضا اللعب على ورقة القاعدة كضغط على المجتمع الدولي لإبقائهم في مناصبهم، هذا إذا ما تمت عملية الانتخابات المقررة رغم محاولة إحداث فوضى أمنية مرتبة لإيقافها أو تأجيلها، كما صرح بذلك عدد من قياديي حزب صالح، عزفاً على تلك المخاوف الأمنية الكبرى في عدد من المدن.

ورغم كل تلك المحاولات المستميتة من قبل بقايا نظام صالح ومقربيه لتفجير الوضع الأمني تحت ذريعة بعبع القاعدة وتوسعها من أبين حتى رداع، وكذا تحضير سيناريو لسقوط مناطق أخرى كذمار ومأرب، إلا أن المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة ومبعوثها لليمن جمال بن عمر يدرك أن الانتخابات يجب أن تمضي في طريقها، كما أن السفير الأمريكي بصنعاء يشكك بحقيقة ما حدث ويحدث في رداع،  واصفا الأمر بالترتيب الأمني للعملية.

حدود الواقع من التهويل

أعتقد أن ما ذكرناه سابقا، يكفي للقول بأن حدود الواقع في موضوع القاعدة، هي أن هنالك مجاميع تنتمي للقاعدة، ولها وجود محدود في مناطق معينة من اليمن، وخاصة في مناطق تغيب عنها الدولة، كأبين وشبوة ومأرب والجوف، ولكن الحقيقة هي أن تلك المجاميع الصغيرة، لا تملك القدرة الكافية للسيطرة الكاملة على مناطق كبيرة ومترامية، كما حدث في جعار مثلا أو أخيراً في رداع.

ومن الصحيح أيضا، أن طارق الذهب، يُعتقد أنه محسوب على القاعدة، وله علاقة مصاهرة مع أنور العولقي الذي لقي حتفه قبل أشهر جراء قصف طائرة أمريكية لسيارته في الجوف، إلا أن الأصح هو أن طارق الذهب ابن شيخ قبلي كبير، يتبعه مسحلون قبليون كثر، يستطيع أن يقاتل بهم ويسيطر على منطقة ما من المناطق.

 ولكن ما ينبغي أن يُقال أن طارق الذهب لم يُعرف بانتمائه للقاعدة إلا مؤخراً، فضلا عن أن مطالبه كانت واضحة، وهي إطلاق سراح أخيه نبيل الذهب المعتقل لدى النظام الذي تسلمه من نظام دمشق.

عدا عن هذا، وأهم منه، أن هذه المجاميع التي يُقال أنها تتبع للقاعدة والذين  ينتمي معظمهم لقبيلة “قيفه” الشهيرة بقيادة طارق الذهب، دخلت إلى مدينة رداع التي تحيط بها القوات الأمنية والجيش من الحرس الجمهوري من كل منافذها، ولكنها دخلت من دون أن تطلق رصاصة واحدة، بل تم تسليم مرافق حكومية لها عنوة، كمدرسة العامرية الأثرية وقلعة رداع، ومكتب المواصلات وإدارة الأمن، وغيرها.

ختاماً، إرباك المشهد السياسي بفزاعة القاعدة والفوضى الأمنية، هي محاولة مكشوفة من قبل بقايا صالح، للتراجع عن المبادرة الخليجية التي وقع عليها، وأما القاعدة، فكل المؤشرات تدل على محدودية قدرتها واحتمالية اختراقاتها من قبل المخابرات، عدا عن انكشاف هذا للمجتمع الدولي الذي يرى أن بقاء صالح في الحكم، يعني فوضى عارمة وحربا طاحنة تودي باليمن إلى صومال آخر يهدد منابع النفط وممرات الطاقة العالمية.

عن الكاتب

عدد المقالات : 3