“القدس” أم “أورشليم” ؟

31 مايو, 2016

إذا كانت الآلة العسكرية والسياسية الإسرائيلية منذ هزيمة العرب سنة 1967 تعمل على تهويد وتحرير ما يسمى بأرض الميعاد التوراتية، مع التركيز على مدينة القدس، بوصفها مدينة الآباء، حيث هيكل سليمان، معتمدة في ذلك على الدراسات التوراتية التقليدية، التي تؤكد وجود مملكة إسرائيل القديمة بأرض فلسطين، بكونها حقيقة تاريخية لا جدال فيها، وذلك عبر تزييف التاريخ القديم، وإعادة صياغته صياغة جديدة، مغيرين الحقائق والوقائع التاريخية،

ومن تم التأكيد على استمرارية تاريخية مابين مملكة إسرائيل القديمة، التي عاصمتها القدس/ أورشليم، والدولة الإسرائيلية الحديثة. فإن الدراسات النقدية للعهد القديم أو ما يسمى بالتوراة، والكتابات التاريخية القديمة، ونتائج الحفريات التي أجريت بالمنطقة بشكل عام، والقدس بشكل خاص، تثبت ملكية المدينة والمنطقة للعرب دون غيرهم، ولا حظ للإسرائيليين فيها قيد أنملة، وأما ما يروج له اليهود والصهاينة عبر مراكز الأبحاث العلمية، المنتشرة عبر ربوع الأرض، لا يعد إلا تزييفا للحقائق، بدافع الإحساس بالماضي العريق، الذي ترويه لهم التوراة.

في هذا المقال سنبين للقارئ الكريم بأن القدس ليست هي أورشليم عاصمة مملكة إسرائيل القديمة، وذلك من خلال الكتابات التاريخية القديمة، والنص التوراتي اليهودي،نفسه، وأخيرا نتائج الحفريات التي أجريت في بيت المقدس.
أقول وقبل البدء في العمل لابد من الإشارة إلى أن ما يعرف الآن بالتوراة لدي اليهود تم تدوينها بعد موسى عليه السلام بحوالي عشرة قرون على الأقل، في بلاط الدولة الأخمينية الفارسية (إيران). هذا وينبغي أن نميز دوما بين بني إسرائيل التي بعث إليها موسى عليه السلام وبين اليهود، ذلك أن اسم يهود ظهر على مسرح التاريخ إبان الحكم الإخميني الفارسي لفلسطين. ونضيف كذلك أن يهود العالم اليوم أغلبهم من أصل خزري (قبائل آسيا الوسطى).

الكتابات التاريخية القديمة تؤكد فلسطينية القدس، فقد ذكر المؤرخ اليوناني “هيرودوت” (483- 425 ق.م) في تاريخه مدينة “القدس” تحت اسم “كاديتيس”

هذا وأن الكتابات التاريخية القديمة تؤكد فلسطينية القدس، فقد ذكر المؤرخ اليوناني “هيرودوت” (483- 425 ق.م) في تاريخه مدينة “القدس” تحت اسم “كاديتيس”، وأوضح أنها كانت بلدة سورية كبيرة على مقربة من “مجدولوس” أي “تل المتسلم”. وهذا يوحي بأنها كانت تعرف بهذا الاسم منذ القدم وإنها مدينة فلسطينية، ذلك أن الجزء الجنوبي من سورية الممتد جنوبا إلى مصر كله كان يعرف باسم فلسطين.

وحينما تحدث هيرودوت عن التقسيمات الإدارية للإمبراطورية الإخمينية الفارسية (إيران) بيَّن أن المنطقة الساحلية التي امتدت من سورية حتى مصر شكلت مقاطعة إدارية ضمت كل فينيقية، وذلك الجزء من سورية الذي يعرف باسم فلسطين وقبرص. إشارة وتأكيد على أن في المائة الخامسة قبل الميلاد لم تكن مقاطعة اليهود قد ظهرت إلى الوجود بعد.
وهو الشيء الذي يؤكده حتى النص التوراتي اليهودي، فالقارئ لنصوص التوراة قراءة جغرافية التي تتحدث عن “أورشليم التوراتية” عاصمة النبي داود عليه السلام، حسب زعم التوراة، والتي تحولت بفعل تزوير الصهيوني إلى أكبر كذبة في التاريخ، سيجد وبلا شك أنها لا تمت بأي صلة إلى مدينة القدس في فلسطين.

فالنصوص التي تشير إلى أورشليم في :”سفر يهوديت 7: 8و 4: 5 ــ 7، سفر المكابيون الأول: 6: 62، ونبوءة حزقيال 47: 1 ــ 13و 14: 8″. كلها تحدد موقع “أورشليم” على رأس جبل منيع وحصين جدا، يجاور ويطل الصحراء الكبرى، وينبع منه النهر الكبير، نصف ينحدر شرقا نحو البرية والنهر الشرقي، وآخر غربا نحو النهر الغربي.

أثبتت الحفريات بأن أقدم أسماء فلسطين هي أرض كنعان، كما هو مكتشف في حفريات تل العمارنة التي يرجع عصرها إلى خمسة عشر قرنا قبل الميلاد

وقد حدد بعض الباحثين المختصين موقع “أورشليم” بجبال غامد، حيث منابع الفرات ورنيا، بشبه جزيرة العرب.
أما علم الأركيولوجي فقد أثبتت الحفريات بأن أقدم أسماء فلسطين هي أرض كنعان، كما هو مكتشف في حفريات تل العمارنة التي يرجع عصرها إلى خمسة عشر قرنا قبل الميلاد، والإسم الذي تذكره هذه الحفريات هو كيناهي أو كيناهنا kinahi ,kinahna وأصله كنعان kana’an، حيث أشارت هذه الحفريات بهذا الاسم إلى البلاد الواقعة غربي نهر الأردن ومنها سورية ،كما أن هذا الاسم “كنعان” هو الاسم الذي تذكر به التوراة هذه البلاد. وكذلك حسب النصوص المكتشفة لملك “نبوخذ نصر” تبين أنه لم يستول على القدس، ولم يدخل فلسطين، ويقينا لم يكن هناك سبي لليهود من القدس إلى بابل، على يد “نبوخذنصر” كما تدعي التوراة، لأن اليهود لم يكونوا قد ظهروا على مسرح التاريخ آنذاك.
وفي سنة 1997 عقد في مدينة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية اجتماعا لعلماء الآثار، حيث قال البروفيسور الإسرائيلي “دافيد أوسيشكين” من جامعة تل أبيب، والذي شارك قبل 46 عاما في كشف أحد قصور الملك سليمان، أنه يتفق مع تفسير فنكلشتاين الباحث الإسرائيلي وعالم الآثار من جامعة تل أبيب ، والذي أكد هو بدوره أن المكتشفات الأثرية التي أرجعت لفترة داوود وسليمان عليهما السلام في القرن العاشر قبل الميلا، بنيت على ما يبدو بعد ذلك بمائة سنة. ويشكك كذلك في وجود أي صلة لليهود بالقدس جاء ذلك خلال تقرير نشرته مجلة “جيروزاليم ريبورت” عدد شهر غشت 2000.

وفي سنة 1930 أصدرت لجنة دولية مكونة من وزير خارجية سويدي سابق وعضوية سويسري وآخر هولندي تقريرا ـــــــــ إثر الاعتداء الصهاينة على حائط البراق ــــــ يقول:” إن للمسلمين وحدهم ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزء لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف، وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة لكونه موقوفا حسب أحكام الشريعة الإسلامية”.

وفي الختام أود أن أشير إلى أن الكثير من الكتابات العربية في هذا المجال مع الأسف الشديد هي إعادة صياغة للقصص والأخبار مثل الإسرائيليات والنصرانيات المدسوسة في الفكر الإسلامي على مر القرون، وهي كذلك نسخ بامتياز للكتابات الغربية التي لم تتحرر من أساطير العهد القديم من الكتاب المقدس.

مع العلم؛ أن القرآن الكريم، والتاريخ، وعلم الحفريات، يفرقون بين بني إسرائيل، كمجموعة من قبائل شبه الجزيرة العربية، لحقها ما لحق القبائل الأخرى من الاندثار، وبين اليهودية كمذهب ديني قومي يجمع بين بقايا التعاليم الموسوية والوثنيات، ظهر على مسرح التاريخ أثناء الحكم الإخميني الفارسي (إيران) لفلسطين.

التصنيفات:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016