إخوان الجزائر.. ماذا تبقى بعد مرور العاصفة؟ Reviewed by IslamOnline on .  ظهر "تجمع أمل الجزائر" مباشرة عقب قرار حمس بالانسحاب من الحكومة، وإذا كان مفهوما رغبة مؤسسيه في التمسك بمسار المشاركة السياسية، والانتقال إلى منهجية مغايرة في  ظهر "تجمع أمل الجزائر" مباشرة عقب قرار حمس بالانسحاب من الحكومة، وإذا كان مفهوما رغبة مؤسسيه في التمسك بمسار المشاركة السياسية، والانتقال إلى منهجية مغايرة في Rating: 0

إخوان الجزائر.. ماذا تبقى بعد مرور العاصفة؟

Hms Algeria  ظهر "تجمع أمل الجزائر" مباشرة عقب قرار حمس بالانسحاب من الحكومة، وإذا كان مفهوما رغبة مؤسسيه في التمسك بمسار المشاركة السياسية، والانتقال إلى منهجية مغايرة في العمل الحزبي، قائمة على استيعاب أكبر قدر ممكن من الشرائح الاجتماعية من مختلف الاتجاهات والفئات والمستويات، فإن المبهم والغامض على أرض الواقع، هو حديث بعض رموزه عن مفاهيم الانفتاح والابتكار في آليات التعبئة والتجنيد، ومدى صلة ذلك بصلب المشروع الإخواني، لأنه لا يمكن كما قلنا آنفا أن نعزل مبادرة "تاج" عن تطور الحالة الإسلامية، مهما تنامت تحفظاتنا بشأن الممارسة والواقع.

 أولا يجب أن نشير إلى قضية مبدئية مهمة، وهي أن القطب المؤسس وبعض من تطوعوا للتنظير على أعمدة الصحافة لشرعنة الانقسام باسم "الفكر التجديدي"، هم أنفسهم كانوا أكثر العناصر الحمسيّة تحاملاً قبل سنتين ضد جماعة عبد المجيد مناصرة تحت ذريعة التزام رأي الأغلبية واحترام شرعية المؤسسات، قبل أن يتحول الانتصار لموقف الأقلية إلى اجتهاد تجديدي تتفتق عنه العقول الذكية لكسر جمود البلادة الفكرية!.

 أما من حيث الواقع، فهل ينكر أحد أن غالبية الأصناف المشكلة لتركيبة الحزب، هي على "صلة مادية" وارتباطات مصلحية بالوزير عمر غول تحديدا، فهم في عمومهم من رجال الأعمال والمال السابقين في حركة حمس، أو إطارات وموظفي وزارة الأشغال العمومية، وإذا وسّعنا الدائرة أكثر، سنجد بعض الشباب الحمساوي الطامح لمواقع المسؤولية الحزبية والحكومية، وبقيّة من المتجولين السياسيين، ممن ضاقت عليهم أحزابهم بما رحبت، فتنادوا إلى "تاج" مُصبحين، حتى ظهر الحزب أشبه بـ"النادي السياسي" الذي يجمع بين مكوناته كل ألوان الطيف الأيديولوجي المتناقضة، ولا نعتقد أن خطورة هذا الوضع غائبة عن قيادة الحزب التي كانت تبشّر الناس بـ"تسونامي بشري" يتدفق على "تاج"، قبل أن يصرح محمد جمعة الناطق الإعلامي سابقا: أن القيادة تخشى أن يتحول هذا السيل البشري إلى "مولوتوف" قد ينفجر وينسف قواعد الحزب من أساسها، وهذا إقرار ضمني منه بالدوافع النفعية التي تحرك هؤلاء، وعدم انسجامهم الفكري والثقافي وحتى السلوكي.

 ثم أن الانفتاح الذي تغنوا به كثيرا لم نلحظ له أثرا إيجابيا بين وافدي الحزب، فربما فهمه البعض في اتجاه وضع "تاج" مطية تحت تصرف الوصوليين، بدليل أن قطاعا معتبرا منهم أصرّ على مخالفة قرار الحزب بعدم المشاركة في الانتخابات المحلية القادمة، من خلال دخول الاستحقاق الانتخابي مع القوائم الحرة، ولم يتورع بعضهم حتى عن اللجوء إلى قوائم حزبية أخرى من أجل الترشح، فهي بادرة لا تبشّر بالخير على مستقبل هذه التشكيلة الجديدة.

 ومع ذلك، يمنّي أنصار الحزب أنفسهم بأن "تاج" يحاكي تجربة العدالة والتنمية في تركيا، إلا أن الواقع يكشف بجلاء أن ظروف ومعطيات وتاريخ وجغرافيا البلدين مختلفة تماما، علاوة على أن رجب طيب أردوغان والدكتور عمر غول لا يتماثلان، من حيث الرؤية الفكرية والثقل السياسي ومؤهلات كاريزما القيادة، فضلا عن ملابسات ظهورهما على المسرح الوطني، فبينما كان أردوغان تحت طائلة الممنوعات القانونية التي حرمته من الترشح للبرلمانيات سنة 2002 عندما فاز حزبه بالأغلبية، ولم يتمكن من الالتحاق برفاقه إلا بعد أشهر ليخلف عبد الله غول على رأس الحكومة، عُيّن عمر غول في الجزائر وزيرا بالحكومة قبل أن ينال حزبه الاعتماد!.

 وربّما تبقى الإشكالية الأكثر إثارة للجدل هي تلك المتعلقة بتحديد هوية "تاج"، إذ في الوقت الذي أكد فيه أكثر من متحدث باسم الحزب، أن هذا الأخير يتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية ضمن معايير الانتقاء والانتماء لهياكله، بمعنى أنه "فضاء غير مؤدلج" كما فهم رجال الإعلام الوطني من تصريحات قيادته، نجد أن الوثيقة التأسيسية للحزب تنضح بالفكرة الإسلامية الإخوانية، ولم تتحرّر من أصول مشروع الإخوان المسلمين حتى في شكلها المنهجي، فهي تشير في المرتبة الأولى إلى إيجاد الفرد الصالح والمتوازن في أبعاده الروحية والجسدية والعقلية، ثم تتناول الأسرة والمجتمع حتى تصل بالتدرج إلى الدولة، وما بقي إلا طور الخلافة والأستاذية الّذين تمّ حذفهما!.

 أما عن منطلقات الحزب النضالية، فقد احتل الإسلام واللغة العربية صدارتها، لا أدري إن كان المنخرطون في صفوف "تاج" على علم بهذه الرؤية الرسالية، آم أنهم لبّوا "نداء الانفتاح" بعفوية وربما بحسابات أيضا، أم أن قيادة الحزب توظّف هذه المبادئ والأسس والأهداف فقط لاستقطاب فئات معينة، في حين توجّه خطاب التفتح (وليس الانفتاح) لفئات أخرى مختلفة!.

 ليس من السهل في الحقيقة على المتابع السياسي أن يكتشف معالم التطوير في مشروع "تاج" الجديد، فهو أقرب من الناحية العملية لأي عمل حزبي انسلاخي وتحرري وقطيعي مع أساليب ومبادئ الحركة الأصلية، لكن بخطاب منمّق وجذّاب وجامع.

 والسؤال المطروح بعد هذا الاستعراض المقتضب، ماذا أنجز "تاج" على صعيد العمل الميداني، فإذا كان من غير المنطقي تقييم حصيلة عمرها ثلاثة أشهر على أقصى تقدير،

فإن البدايات غير مطمئنة تماما رغم خطابات التفاؤل، لأن دائرة استقطاب الحزب ما تزال محدودة في فئات مخصوصة ومعلومة الأغراض والسوابق، دون أن يعني ذلك أننا نقدح في نزاهة الجميع، وحتى درجة الإقبال الشعبي ليست في مستوى الأمل المفرط الذي يحدو قيادات الحزب، وحفل افتتاح المؤتمر التأسيسي من حيث نوعية وحجم الحضور وتأطير القاعة وتنظيم الأشغال أكبر مؤشر على صحة حكمنا، ولا نريد أن نذكّر بكيفية انعقاد الجمعيات الانتخابية لاختيار المندوبين، وما خلفته من أحداث وخلافات وتجاوزات، نجم عن كل ذلك، تعيين مكتب مؤتمر مشكّل من 20 عضوا، وتأخير عقد أول مجلس وطني إلى غاية كتابة هذه الأسطر أي بعد مرور شهر كامل على إسدال ستار المؤتمر، وعدم اتضاح الرؤية والتوقيت بشأن القرارات السياسية لدى جميع أفراد الهيئة التأسيسية، وما إعلان عدم خوض المنافسة الانتخابية المحلية 48 ساعة بعد تأكيدات بعض القيادات بالاستعداد الكامل للمشاركة في 1541 بلدية و48 مجلسا ولائيا، إلا دليلا قاطعا على "فرديّة القرار"حتى لا نقول "غيبيّة المصدر"!

 والنتيجة الوحيدة المؤكدة إلى الآن هي مزيد من التمزق والتشرذم والتفتت في الصف الإخواني والإسلامي عمومًا، دون بلورة مشروع واقعي ومتكامل وناضج، ينطلق من جوهر الفكرة ويستمد أدبياته من روحها، مستجيبًا لمقتضيات التحولات الجارية، دون انسلاخ أو تمييع لملامح "الهوية الحركية الإسلامية"!

 لكن في مقابل هذه المؤاخذات التي أوردناها في سياق تقصّي دعاوى الانبعاث والتجدد على السواء، لا يعني ذلك بتاتا أننا نُبرّئ قيادة حمس من الضلوع في تبديد قوة الوجود الإخواني في الجزائر، لكننا نعتقد مهما بلغت انتقاداتنا لها، أن مسؤوليتها ستكون أخفّ ضررًا من ذنب "فرق الانفصال"، مع احتسابنا لأجر المجتهد عند ربّه

 صحيح أن تطور القناعات وتغير الاتجاهات وارد دوما في مسار الحركات السياسية، لاسيما في منعرجات التحولات الكبرى، بيد أن حالة إخوان الجزائر، لم تظهر في الحقيقة كنوع من "الخلاف المنهجي" المؤسّس، بل تبدّت من خلال "رؤؤس الاختلاف" كنموذج للدفاع عن مصالح فئات معينة، وجدت نفسها متضررة في لحظة ما من نهج الحركة، خاصة مع مجموعة "تاج"، لأن الانقسام المبني على قاعدة الرأي والفكر يفترض أن يجرّ خلفه شريحة واسعة، تكون منوعة المشارب والمستويات والاهتمامات، أما حينما تنحصر "عيّنة المنشقين" في لون اجتماعي فئوي محدد داخل الحركة، فهذا معناه أننا أمام "تحالف مصالح" يدفع إلى البحث عن طرق للاحتفاظ بالمواقع والمكاسب المادية والأدبية، وقد نضجت الحركة كـ"لقمة سائغة" لمثل هذا الانشطار، نتيجة المضاعفات السلبية للمشاركة في تسيير الشأن الحكومي، بما فتحه من فرص لترقية الوضعية الاجتماعية وبروز "طبقة بورجوازية" بين صفوفها، ستشكل "لوبي ضاغط" على توجهات حمس، تعمق من شدة التدافع داخلها !.

 بقي أن نبحث في تداعيات الحالة الانشطارية الطارئة على واقع الإخوان في الجزائر، وانعكاساتها على الفكرة والمؤسسة والأفراد منذ بداية المحنة الداخلية وإلى الآن، وما أبعد من ذلك في منظور المستقبل القريب والمتوسط على الأقل، ثم نترك الإجابة عن سبيل الخلاص من شبح الاندثار البطيء قبل حلول الفناء المحتوم.

 لقد تعرضت حركة الإخوان المسلمين في الجزائر إلى "سقوط مروع" في بورصتها الدعوية والسياسية والتنظيمية والاجتماعية، بفعل الآثار السلبية التي تركتها تداعيات النزاعات الداخلية على واقع وآفاق الجماعة، والبداية كانت بتجزئة المجزّأ وتكسير المكسّر وإضعاف الضعيف، لأن الحركة أصلا كانت تعيش مضاعفات التحول الانتقالي إلى طور ما بعد الزعيم المؤسس، تزامن ذلك مع تركة تجربة سياسية بدأت شروطها الموضوعية تفقد برأي البعض مقوماتها الإستراتيجية بعد تعافي البلاد من عشرية الموت، في ظل تمديد حالة الانغلاق وتفاقم ظاهرة الفساد، مع توسّع دوائر الفقر والاحتياج رغم تسجيل الوفرة المالية!.

 والأخطر من هذا، هو استبداد الإحباط النفسي بمعنويات المناضلين وفقدانهم لعوامل الثقة أمام المواطنين، بعدما تم ضرب كل "المرجعيات القيادية" على مرأى ومسمع من الرأي العام، مما عزّز من انطوائهم الشخصي وعزلتهم العامة، ودفع بهم إلى التفرغ لقضاياهم الحياتية، بعيدًا عن وجع الاختلافات والخصومات، سواء على المستويات القاعدية أو المركزية لدى قيادات الصف الأول والثاني، ممن تسلّل اليأس إلى قلوبهم، حسرة وأسى على ذبول "زهرة" لطالما سقوها من عرق شبابهم وربيع أعمارهم الزاهي!.

 وهذا ما خلّف "صعودا عشائريّا" إلى مواقع المسؤولية الحركية في مختلف المستويات، مبني على مقاييس الولاء للقيادة القائمة، ليتراجع بشكل رهيب مستوى التفكير والأداء والخطاب لدى كافة الواجهات المعنية، ومن طرف جميع "الفصائل"، لأن نواة النخبة الصلبة انشطرت كليّة، وأصبح كل جزء منها يسوق "أتباعًا من المريدين"، يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه!.

 ورافق هذه الهزيمة النفسية بصفة تلقائية شبة تدمير لمؤسسات الجماعة الطلابية والكشفية والاجتماعية نتيجة "صراع النفوذ" بين الأجنحة المتطاحنة على كسب ولائها من خلال السعي للسيطرة على مقاليدها القيادية بأي ثمن!.

 لقد ظل موضوع العلاقة بجماعة الإخوان المسلمين العالمية في مصر على عهد الراحل الكبير محفوظ نحناح محلّ تكتم إعلامي، مراعاة للمقتضيات القانونية والأمنية، وحتى من الناحية التنظيمية، كانت الجماعة القطرية تتخذ قراراتها الحاسمة ومواقفها المصيرية بكل سيادة، وفق تقديرها للمصلحة الوطنية في البلاد، حتى حلّت أزمة الصراع فأصبح الحديث عن قرارات مكتب الإرشاد وتصريحات زعماء الإخوان أيضا بهذا الشأن "مادة دسمة"تُغذي الأخبار على الصحف الجزائرية!.

 وبلغ الأمر بالشيخ مهدي عاكف أن قال لجريدة الشروق: على رئيس حمس أن يترك وزارة الدولة، يمكن أن يكون هذا الكلام ملفّقا، لكن للأسف لم نقرأ أي تفنيد للخبر، ومهما كانت صحة التصريح من عدمه، فإن الواقع قد سار على هذا النهج، واستقال أبو جرة سلطاني فعلاً من منصب "وزير دولة"، استرضاء لأطراف في الداخل والخارج، لكن ذلك لم يمنع الانقسام من الوقوع، وهذا هو المؤلم!.

 وفي مهازل كواليس الإخوان بالجزائر، نعتقد أن المسؤولية تقع على عاتق الطرفين، وبدرجة أكبر "المتخاصمون الصغار" الذين عجزوا عن استيعاب خلافاتهم، فهرولوا إلى سكنى الأب، يحتكمون إليه وينشرون بين يديه غسيل عارهم، حتى اقتنع الإخوان أن لا أحد منهم جدير بحمل راية "المشروع"، فخلعوا عباءتهم عن الجميع، حصل كل ذلك حينما كانت الجماعة محظورة، يتوّزع روّادها في الشتات العالمي بين آسيا وأوربا وأمريكا، بينما تقرّر مصير "وزير دولة"، لكن عندما يُتوّج رائد حزبها محمد مرسي رئيسا لمصر يستقيل من الجماعة والحزب على حدّ سواء!.

 لقد كشفت الانقسامات التي اهتزت على وقعها حركة حمس عمق الهوة التربوية والأخلاقية التي تفصل مثاليات المحتضنات الأسرية وآداب الاختلاف النظرية عن مستوى الأفراد التطبيقي في التزام تلك القيم والسلوكيات، فضلا عن الثبات في الدفاع عنها والترويج لها في لحظات التوتر والاضطراب والضبابية وعدم التبيّن، حتى أضحت كل الأحكام الفقهية والضوابط الشرعية مستباحة بفعل "قوة الضخ والتكرار والانتشار"، بل ربما وُظّفت في سياق المزايدة والتطاول والإدانة، تحت شعار" من ليس معي فهو ضدي"، نلتمس له كل العيوب وننقّب فيه عن كل الثقوب، فلم نلحظ أي فرق أخلاقي أو سمت تربوي يميّزهم عن منتسبي الأحزاب الوضعية، إلا من رحم ربك!.

 تلك هي الصورة القاتمة التي تلخص مآل الجماعة التي كانت قبل عقد من الزمن مضرب المثل في التجربة الإخوانية، حتى أن رجلا في وزن سيف الإسلام نجل الإمام حسن البنا كان يغادر مصر بصعوبة بالغة، لينزل بالقاعة الشرفية لمطار هواري بومدين الدولي، ثم يُؤمّن طريقه حتى فندق الإقامة من طرف أعوان الأمن الرئاسي ككل الشخصيات الرسمية التي تفد على البلد، بل تحدثت مصادر عن استقباله لدى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لينتهي بها المطاف إلى "جماعات فئوية" متنازعة ومتصارعة ومستضعفة، عاجزة جميعها عن بناء ذاتها، لم تحقق شيئا من جرّاء مواقفها الاجتهادية إلا تبديد الانجازات وتضييع مستقبل أجيال ما زالت مشبعة بحلم المشروع الإسلامي، لكن الأفق يبقى مظلما في وجهها، وتباشير الغد المشرق لا تبدو قريبة!.

 لا يمكن أن نجحد تمسك الأغلبية من الإخوان الجزائريين حتى الآن بالتنظيم الأم، أي حركة مجتمع السلم، برغم الضغوطات النفسية التي عاشها أكثرهم على خلفية ما عرف برفع التزكية عن الجماعة، وعقد لوائها لأطراف أخرى، أصبحت كما أسلفنا في عداد المنشقة عن حمس، مقابل انحياز غالب القيادات التاريخية إلى جناح التغيير مع نسبة معتبرة من قواعد الجماعة أثرت بشكل واضح في انتشارها الوطني، أما عن فريق الوزير غول والذي صار يطلق عليه لقب الجناح البراغماتي، فالواقع يثبت أنه لم يستنزف إلا قلة من منخرطي الحزب، لكنه زاد الطين بلة كما يقول المثل الشائع!.

 فهل يمكن ترميم "البيت المهدم" بعدما طاله التخريب في كل أركانه التنظيمية والدعوية والتربوية والسياسية، على مستوى الداخل والخارج، وكيف سيكون ذلك ممكنا، وبأي مقابل أو ثمن كما يردد البعض؟!.

 حلم بعيد المنال، ومهمة شبه مستحيلة مثلما يرى الكثير من اليائسين والمصدومين من تبعات الخلاف والشقاق الذي ورّث القنوط والقعود والاعتزال وفقدان الأمل في رأب الصدع والتئام الجرح لاستئناف المسيرة واستعادة المجد الغابر، غير أن العقبة الكؤود هي دائما بالدرجة الأولى لدى القيادات الثقيلة كما توصف!.

 لكن على الجميع أن يدرك مهما خلصت نيته في التماس الأعذار لاجتهاده وتبرئة نفسه، أنه يتحمل قسطا من المسؤولية الشرعية والمعنوية حسب منزلته وبقدر إسهامه في تفريق الصف، وأن غلبة العواطف لا تبرر غفلة العقل إلى الأبد، بل مقتضى التجرد والإخلاص هو العدول عن الخطأ حالما اتّضح الحق أو تبيّن عدم جدوى المواقف الاجتهادية، لأن الإصرار على الخطيئة عزّةً بالإثم وباله وخيم، وعاقبته الخسران في الدنيا والآخرة، علاوة على أن وضع الفصائل المفرّقة لن يكون في صالح أي طرف، ولن يحقق أهداف أي مجموعة إلا إذا كان التشرذم غاية في ذاته!.

 على أية حال، لا يمكن أن نرسم في مقالة عامّة حلول نهائية لمسعى الوحدة، لأن المطلوب في مرحلة تمهيدية هو تقبّل الفكرة أولا كمفتاح للمّ الشمل، والإيمان بواقعيته ثم المبادرة بتسهيل الطريق لانجازه، أمّا وضع الآليات التفصيلية فهي مسألة ثانوية إذا ما ارتقت القلوب إلى مرتبة الأخوة واستوعبت العقول ثقل الأمانة ورهان الاستمرارية!.

 نحن نقدم في الختام تصوّرا شاملاً لإعادة اللحمة قد يراه البعض حلمًا ساذجا أو خيالا جامحا، لكننا لا نرى بديلا عنه، ولا نتوقع نجاحًا لأي فريق خارجه مهما حاول بعض المتحمسين أن يرفعوا تحدي "البناء الصفري" باسم تطهير الصف ودرء الدعوة لأدرانها!.

 فالمخرج العقلاني هو فصل الجماعة الدعوية أولا عن التنظيم الحزبي، بمعنى عدم منازعة الشيخ مصطفى بلمهدي ورفاقه في شرعية التمثيل للإخوان، طبعًا مع استدراك هيكلة الفريق، بما يمكّن من توسيع تمثيل جناحي "التغيير وحمس"، ثم العمل على إدماج الكل سياسيّا تحت الراية التاريخية لحركة مجتمع السلم، لأنها تمثل كذلك شرعية مؤتمر عام، وستكون محطة المؤتمر الخامس المقرر في غضون السداسي الأول لعام 2013 فرصة قريبة وذهبية لتجسيد هذا الحل التوفيقي، بكل ما يستلزمه الأمر من تنازلات أو قرارات جماعية شجاعة لإزالة كل العراقيل من طريق الوحدة، وبهذا الصدد، نوجّه نداءا إلى قيادات الصف الثاني تحديدا من أعضاء مجالس شورية ورؤساء هياكل قاعدية، لنذكّر هؤلاء أن دورهم حاسمًا في دفع "الزعامات" إلى النزول عند مقتضيات الوحدة الإخوانية، وعليهم أن يتحرروا من سلطة التبعية والانقياد، فالواجب يتطلب منهم وقفة حازمة تُنمي عن الشخصية المستقلة والمسؤولة، بما يخلّص مصير الحركة من الارتهان لقوى التدافع الذي يكاد يُفضي بها اليوم إلى الزوال المصطنع!.

 ربّما قد يتساءل البعض: ماذا عن جناح "تجمل أمل الجزائر"، فنودّ أن نلفت عناية القراء، أننا لم نولي أهمية لهذه المجموعة لاعتبارات عديدة، أهمها أن حزب "تاج" أصبح في مسار مغاير ومختلف عن هوية الحركة أصلا، فضلا عن مواقفها وخياراتها السياسية، ثم أن إضراره بقوة الجماعة لم يكن مؤثرا إلى حد كبير، مع ذلك، فإنه يظل مطلوبا من الناحية المبدئية والفردية أن يؤوب هؤلاء الإخوان إلى رشدهم ما وسعهم الأمر إلى ذلك سبيلا، في حين لم تعد هناك أي "خطوط فاصلة" تميز جبهة التغيير عن حركة مجتمع السلم ضمن دائرة الموقف السياسي.

الوسوم:

عن الكاتب

عدد المقالات : 32