تتمثل حقيقة الأوراق المالية في الأسهم والسندات وحصص التأسيس، وهي أوراق تمثل عمود فقرى في سوق البورصة والبضائع، وما ذلك إلا لشدة حاجة الناس إليها، سواء كان في تجاراتهم الداخلية أو الخارجية، ومن خلالها يتنافس التجار في استثمار الأموال ويرجون بها أرباحا كبيرة، وفريق منهم هدى إلى اختيار الحلال ولا يتعامل فيما حرم الله تعالى، وفريق لا يهمه إلا الربح فقط، وهذه الأوراق المالية تصدرها جهات متعددة حسب الهيئات أو الشركات المعنية بها. والمقال هنا يعالج الأحكام الشرعية المتعلقة برهن هذه الأوراق المالية.

ما المقصود بالأسهم؟

الأسهم جمع السهم، وهو عبارة عن النصيب الذي يشترك به المساهم في رأس مال الشركة، ويتمثل السهم في صك يعطي للمساهم، يكون وسيلة في إثبات حقوقه في الشركة، وتمتاز الأسهم من حيث سهولة قابلية التداول، لكنها أنواع مختلفة، ومعرفة أنواعها مهم جدا بل متعين حتى لا نتعامل مع جميعها على السواء عند عقد الرهن، لأن أهل الاقتصاد قد صنفوا الأسهم إلى أصناف مختلفة حسب حيثياتها وأغراضها، فأسهم نقدية – أي المدفوعة بالنقد- جائزة شرعا، وكذا أسهم عينية – وهي المدفوعة قيمتها عينا- جائزة على الصحيح، وهذا من حيث طبيعة حصة الأسهم، وأما من حيث الحقوق الممنوحة: وصحيح المتفق عليها هي أسهم عادية التي تتساوى في قيمتها وفي المنحة والحقوق بين المساهمين.

الشركات المساهمة

هي شركة وليدة العصر، وهي من أبرز شركات الأموال المعاصرة التي تعنى بإدارة الأسهم والحصص، يقول الشيخ علي الخفيف في تعريفها بأنها “شركة يكون لها رأس مال، يقسم إلى أسهم متساوية القيمة، وتطرح هذه الأسهم في السوق لشرائها، وتداولها، فيكون لكل شريك عدد منها، بقدر ما يستطيع شراءه، ولا يكون كل شريك فيها مسئولاً، إلا في حدود أسهمه”[1] وتكتسب شرعية هذه الشركة بتخريجها على شركة العنان أو المضاربة وفق أحوال المساهمين في الشركة.

ثم تنقسم الشركات المساهمة في الأسواق المالية من حيث إباحتها وحرمتها إلى ثلاثة أقسام:

1- الشركات النقية: هي الشركات المؤسسة على تحري الحلال واجتناب المحرمات في جميع معاملاتها وأنشطتها التجارية.

2 – الشركات المحرمة: وهي عكس الشركات النقية، ومعاملاتها قائمة على المحرمات كشركة التي تصنع أو تبيع الخمور ونحوها، ومنها البنوك الربوية.

3 – الشركات المختلطة: وهي الشركات أسست على المعاملات المباحة إلا أنها لا تخلو من المعاملات المحرمة كتعامل مع البنوك الربوية مثلا، والظاهر في حكم حال مثل هذه الشركات أنها محرمة، إلا ” الشركات التي تنتج الضروريات أو تقدم خدمات أساسية في الدول الإسلامية، إذا كانت الشركة لا تقترض بفائدة إلا مضطرة، وذلك في حالة عدم وجود شركات خالية من الشوائب.”[2]

وأما الشركة المختلطة التي لا يكون نشاطها من قبيل الضروريات فإنه تحرم المساهمة فيها، لعدم توافق ذلك مع مبادئ ديننا الذي لا يسمح التلبس بالحرام في أي وجه إلا لضرورة. 

وقد قال بالتحريم كل من المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئات شرعية أخرى، وكان من قرار مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يلي:
– لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالمًا بذلك.
– إذا اشترى شخص وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا ثم علم، فالواجب عليه الخروج منها.[3]

حكم رهن الأسهم

بناء على ما سبق يتضح عدم إطلاق الحكم في رهن الأسهم، وإنما يجب تحقق أمرين قبل انعقاد رهن السهم، وهما بمثابة شرطي قبول الرهن في الأسهم:

الشرط الأول: صلاحية الأسهم، أي لا بد أن تكون الأسهم صالحة وقابلة للتداول شرعا من حيث البيع والشراء على نحو ما تقدم بيانه.

الشرط الثانى: مباحة الجهة المصدرة للأسهم، وهي الشركات أو المصارف وغيرهما مما كان أصل نشاطها مباح، ولا تبيع أو تشتري المحرمات، وكذا لا تتعامل بالربا لا قرضا ولا إقراضا.

وإذا توفر الشرطان في الأسهم صح رهنه على مذهب الجمهور القائلين بجواز رهن المشاع، لامكانية استيفاء الدين من المرهون عند تعذر الاستيفاء.

رهن السندات

يقصد بالسندات التي تمثل مديونية على الهيئات المصدرة لها؛ مع استحقاق الفائدة المستقرة بصرف النظر عما يحصل من الربح أو الخسارة، ومع حق استيفاء قيمة السندات في نهاية المطاف.

وجاء تعريفها عند أهل الاقتصاد بأنها:” صك قابل للتداول يمثل قرضًا يعقد عادة بوساطة الاكتتاب العام، وتصدره الشركات أو الحكومة وفروعها، ويعتبر حامل سند الشركة دائنًا للشركة، له حق دائنيه في مواجهتها، ولا يعد شريكًا فيها، على خلاف حامل السهم. ويعطى حملة السندات فائدة ثابتة سنويًّا ولهم الحق في استيفاء قيمتها عند حلول أجل معين.”[4]

والفائدة الثابتة المذكورة في التعريف هي اسم من أسماء الربا المستحدثة، وهي القاضية الواضحة على بطلان تلك السندات المتدوالة السائدة، وقد نص مجمع الفقه الإسلامي فى قراره بما يلي: “أن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه، أو نفع مشروط، محرمة شرعاً من حيث الإصدار، أو الشراء، أو التداول؛ لأنها قروض ربوية، سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة، أو عامة ترتبط بالدولة، ولا أثر لتسميتها شهادات، أو صكوكاً استثمارية، أو ادخارية، أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً، أو ريعاً، أو عمولة، أو عائداً[5]

حكم عقد رهن السندات: بناء على ما تقدم تبين أن السندات بجميع أنواعها في وضعها الحالى محرمة لعلة الربا، وعليه يحرم عقد رهن السندات تعريجا على قاعدة “ما لم يصح بيعه لا يصح رهنه”.

رهن حصص التأسيس: حصص التأسيس من مكملات أسس الأوراق المالية التى تصدرها الشركات المساهمة في السوق المالي، وقد ورد في تعريفها بأنها: “صكوك قابلة للتداول بالطرق التجارية، تصدرها شركات المساهمة، وتمنح صاحبها نصيبا من أرباح الشركة مقابل ما قدموه من خدمات أثناء تأسيس الشركة” [6]

“وسميت بذلك لأنها تقرر في بدء الشركة للمؤسسين مكافأة لهم على جهودهم التي بذلوها في سبيل إنشاء الشركة، وهذا النظام كان معمولا به في أول الأمر، أما الآن فحصص التأسيس تعطى لغير المؤسسين، وفي غير وقت تأسيس الشركة شريطة أن يكون نظام الشركة يجيز ذلك”.[7]

بالنظر إلى صور حصص التأسيس وماهيتها وإنها تدرج ضمن العقود الباطلة، لأنه لا يمكن أن تجرى عليها أحكام عقد الشركة حسب وضعها الراهنة. ولذا كان “قول أكثر أهل العلم… أن حصص التأسيس من المعاملات المحرمة”[8]

“ومما يدل على خطأ إصدار مثل هذه الحصص أن كثيرا من القوانين الوضعية الغربية والعربية منعتها، بل وقد كشفت التجربة على أن المؤسسين اتخذوا حصص التأسيس ذريعة اللحصول لأنفسهم على جانب كبير من الأرباح، لا يتناسب مع ما أدوه من خدمة للشركة[9]

وعليه لا يصح رهن حصص التأسيس لمخالفتها أصل الشركة شرعا، إذ من شروط المرهون كونه صالحا للبيع وهو مفقود هنا.

وفي الخلاصة فإنه يجوز رهن ما يجوز شرعا إصداره والتعامل فيه من الأوراق المالية مثل: أسهم المؤسسات المالية الإسلامية، ومن ذلك أسهم الشركات التي أصل نشاطها حلال، ولا يجوز رهن ما لا يجوز إصداره والتعامل فيه من الأوراق المالية مثل: صكوك حصص تأسيس والسندات الربوية والأسهم الممتازة ذات الصلة بالمال، وأسهم التمتع وما أشبه ذلك.


[1]  الشركات في الفقه الإسلامى بحوث مقارنة. ص:126.

[2]  أعمال الندوة الفقهية الخامسة ص69/70

[3]  قرار المجمع في دورته الرابعة عشرة في 20/8/1415هـ.

[4] – أحكام السوق المالية لمحمد عبد الغفار الشريف 6/969

[5]  مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة السادسة

[6]  المعاملات المالية أصالة ومعاصرة 13/431

[7]  المصدر السابق.

[8]  المصدر السابق 13/438

[9]  المصدر السابق 13/439