العلاج الإسلامي للضوضاء

الضوضاء وحماية البيئة

أنزل الله تبارك وتعالى الإنسان إلى الأرض ليعمرها ويكون خليفة فيها بالمنهج الهدائي الذي تستقيم معه وبه الحياة الدنيا، ويسعد به العباد في دار المرجع والقرار، وهو يقطع هذا العمر بين حالات السراء والضراء، والكدح والشقاء، إلى أن ينصرم الأجل وينقضي العمر.

راعت الشريعة مقاصد كبرى وصغرى في تيسير هذه الحياة وجعلها مطية للآخرة، دون ميل أو حيف على فطرة الإنسان واستعداداته وقدراته وحاجاته وضروراته، بله وتحسيناته، تبعا للتكليف بما يطاق.

ومن تلك المقاصد منع الإفساد والتلويث والإضرار بالأرض، أو العود بالنقص أو النقض على الصحة والبدن الذي به يكون الكدح، وبه تعلو العمائر، وتُعمر الأرض بمختلف المناشط.

وقد عرفنا العناية البالغة من الإسلام بالبيئة والمحيط والمياه، ويجدر بنا أن نطوّف بالنصوص المتعلقة بمنع الضوضاء، والترغيب في السكينة، والحضّ على الأنس بمباهج الحياة ورونقها.

ومما جاء في وصايا لقمان في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان، 9).

كما ورد النكير على صفات الصخابين في سورة الحجرات التي نزلت عام وفود الأعراب على المدينة، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحجرات، 3)، ومن المعلوم أن البيئة المتباعدة لخيام المتساكنين تورث عادة الصوت الجهوري للإبلاغ، وذلك على عكس الحضر المتقاربين الذين لا يحتاجون لذلك، وبالتالي تكون مستويات أصواتهم أقل حدّة وارتفاعا، ولأجل هذا ندب الإسلام للتجاور والاجتماع، وكره التباعد والاستيحاش إلا لضرورة المعاش، أو الانكفاف عن الناس حال الفتنة العمياء.

ومن المطروق الكثير الذكر في القرآن الكريم الامتنان بنعمة السكن في الليل، وما يستلزمه من خفوت الأصوات، وتواري الخلائق لمنامهم، حيث جعل الله الليل سكنا ولباسا، وجعل النهار معاشا، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا  وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ (النبأ، 9-11)، والأصل في هذا كله توفير السكينة وعذم إيذاء الخلق بالصوت الجهوري أو الصاخب أو المفزع الذي يذهب معه السكن، ويغور معه النوم، وهو ما ذكره القرآن في سبب النومة الطويلة لأصحاب الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ (الكهف،11)، أي ألقينا عليهم النوم، ومنعنا نفوذ ‌الأصوات إلى مسامعهم، فاستغرقوا وناموا نومة ثقيلة استمرت سنين كثيرة كما قال المفسرون.

 إن التلويث الضوضائي والصخب الصوتي صار لصيقا بمنتجات المدنيّة الحديثة، والذي أورث العباد مضار كثيرة، حتى نشأت تخصصات علمية دقيقة في التلوث الضوضائي الذي يستجلب الاضطرابات السمعية والفسيولوجية التي يظهر أثرها في الدورة الدموية، ورفع الضغط، واضطرابات الجهاز العصبي، والإجهاد السمعي بما ينُتج حتما مزيدا من القلق والأرق والتغيرات السلوكية الحادة، وهو أمر مقطوع به في تتبّع حالات المدمنين على الموسيقى الصاخبة، أو العمال المعرّضين للأصوات الحادة في المشاغل والمصانع والمناجم، أو المجاورين للمطارات، أو المعايشين لزحام المدن  والمجمعات الكبيرة.

وفي المضمار التربوي الذي يتغياه الإسلام في تيسير الحياة السعيدة جاءت نصوص الحديث حاضة على منع إيذاء الناس بهذا الصخب العالي في مواقع ومواقف عديدة حفلت بها كتب السنّة التي منعت كل تلويث للمحيط، ومنه الضوضائي، وذلك بالدعوة للهدوء والسكن، واحترام المجال الحيوي والشخصي.

ومن تلك الشواهد على هذا الاعتناء الإسلامي في علاج التلوث الضوضائي ومداواة الصخب ما يأتي:

أ- المساجد: التي وردت الآثار بتعظيم حرمتها، والإكثار من الذكر فيها، والقدوم إلى الصلاة بالسكينة والوقار، وجاء التحذير من رفع الأصوات فيها، وأن ذلك مؤذن بانقلاب القيم، وهو من علائم الساعة كما هو حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء» فقيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت ‌الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا ومسخا» (الترمذي، 2210)، وهو المشهود بعضه في هذا الزمن الذي تضاءل فيه تعظيم الشعائر والمشاعر.

وفي الحديث الصحيح: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق» (مسلم، 123)، وفي منع طلب حوائج الدنيا فيها جاء حديث أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» (ابن حبان 1651).

واسترشادا بهذا كان عمر بن الخطاب  رضي الله عنه شديد الاحتساب على توفير السكن والهدوء في المسجد، فعن السائب بن يزيد، قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما – أو من أين أنتما؟ – قالا: من أهل الطائف، قال: «‌لو ‌كنتما ‌من ‌أهل ‌البلد ‌لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم» (البخاري، 470)، ولما تغير الحال وطال بالناس الأمد بنى عمر رضي الله عنه رحبة خارج المسجد لحاجات الناس للتواصل والاجتماع، وتناشد الأشعار، والتباحث في الشؤون اليومية أو العامة التي تهم المسلمين.

ب- أداء العبادات: وإذا كان المسجد مكان الاجتماع الظاهر، فإن الأوامر جاءت مترعة بعدم الإيذاء بالأصوات في الشعائر والعبادات كالصلاة وقرآن القرآن، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: «إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ‌ولا ‌يجهر ‌بعضكم ‌على ‌بعض ‌بالقرآن» (الموطأ، رقم 29).

ج- السعي للصلاة: وذلك بما يحقق السكن والأنس بها، فعن أبي أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، عليكم ‌السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»  (البخاري، 908)، وعن  أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوموا حتى تروني، وعليكم ‌السكينة» ( البخاري، 909)، والأمر ذاته في الدعوة للصلوات من مؤذن رفيق رقيق ثقة يرغّب فيها، وقد كره الإمام مالك تمطيط الآذان والتكلّف فيه معتلا بقوله تبارك وتعالى:﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ (الطلاق، 3)، ومما يُذكر من مفاخر الآذان في إسطنبول تلك المقامات الشجية الجميلة المرصودة لكل صلاة من الصلوات الخمسة المفروضة، والتي تجعل السامع يقبل علي بيوت الله بكل نشاط وحبور.

د- الجهاد والأسفار: فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا إذا أشرفنا على واد، هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا ‌غائبا، إنه معكم إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جده» (البخاري، 2992)، ولأجل ذلك كان من آداب الجهاد لزوم الصمت بعد لقاء العدو، لأنه أدل على الحزم واستجماع الفكر، على العكس من الصخب الدال على تشتت القوى وخوار النفس ووهن القوى، وأما قبل الاصطلام بين الصفين فيندب التكبير والتهليل والصدع بشعار الحق.

و-القضاء: فمن آداب مجالس القضاء لزوم الصمت وعدم المبادرة بالكلام أو الرفع بالحجة إلا بإذن من القاضي، لما يورثه من تشويش على العدول والشهود، فعن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو يذرها» (مسلم، 1713).

ز- التجمعات العامة: ومن ذلك أسواق الناس وأماكن معاشهم، والتي يكثر فيها الترويج للسلع بالحق والباطل، فقد كره الشارع رفع الأصوات فيها أيضا، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار» (ابن حبان، 92).

واسترشادا بما سلف إيراده بنى السادة الفقهاء منظومة فقهية حقوقية، وأخرى في الآداب الشرعية في احترام الجوار وعدم إيذاء الناس بالأصوات العالية، وذلك في مؤلفات الحسبة عندما كانوا يعرضون لأحكام الحدادين والغسالين والمنجّدين والضرابين، وما تسببه أعمالهم من صدى وطرق وضرب، وفصّلوا في أواقات الجواز والمنع في الليل والنهار، بل ومنع بعضهم بناء حضائر البهائم قرب المساكن لما تورثه من أذى للجيران.

وهي من الروائع التي زهت بها الحضارة الإسلامية التي يسّرت المعاش لكل من استظل بظلها قبل أن يحيف الزمن، ويتردى المسلمون في غوايات الجهل وظلمات النقص وطوفان التغريب، والواجب المحتم اليوم إعادة هذه الآداب الشرعية المحققة للأنس، والمانعة من الإضرار بالأصوات الصاخبة التي قصرت بها الأعمار، وجعلت البسيطة أتونا ضيقا لا تقر معه نفس ولا يسعد به جنان.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات