قصة حديث جبريل عليه السلام مع النبي وبصحبتهما خيار الصحابة رضوان الله عليهم تشتمل على بيان أصول الدين الإسلامي وقواعده وأركانه، ولا أدل على ذلك من قوله في نهاية الحديث: “هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينَكم! بل أصبح الحديث من شهرته الكبيرة يضرب به المثل على أنه جماع الدين، فهو بمنزلة جميع ما يحتاجه المسلم في الدين حتى تكون عبادته وطاعاته خالصة مخلصة لله تعالى، يقول القاضي عياض: “وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إنَّ علومَ الشريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه.

وقال النووي: “واعلم أنَّ هذا الحديث يجمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام، كما حكيناه عن القاضي عياض[1].

وقال القرطبي كما في الفتح: “هذا الحديث يصلح أن يُقال له أم السنَّة؛ لِمَا تضمَّنه من جُمل علم السنَّة[2].

وقال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين: “فهو كالأمِّ للسنَّة، كما سُمِّيت الفاتحة أم القرآن؛ لِمَا تضمَّنته من جمعها معاني القرآن.

وقال ابن رجب: “وهو حديث عظيم يشتمل على شرح الدِّين كلِّه، ولهذا قال النَّبيُّ في آخره: “هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم”، بعد أن شرح درجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كلَّه ديناً[3].

ويكفي في فضل هذا الحديث وجلالته حتى اشتهر بحديث جبريل؛ أن النبي ومعه الصحابة رضوان الله عليهم تلقوا الحديث وأخذوا ما فيه من العلوم مباشرة من جبريل عليه السلام، أمين الوحي، وهو من وصفه الله تعالى في الكتاب العزيز: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 193].  

نص حديث جبريل عليه السلام

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام.

فقال رسول الله : «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه.

قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقت.

قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

قال: فأخبرني عن الساعة؟

قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل».

قال: فأخبرني عن أمارتها؟

قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان»

ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: «يا عمر، أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». رواه مسلم.

أما الصحابي راوي الحديث الشريف فهو عمر بن الخطاب العدوي القرشي، وكان من أشراف قريش وسفيرهم في الجاهلية[4]، وهو الفاروق الخليفة الثاني للرسول ، وكان مثالا في العدل والقوة في أمر الله، وثبت في فضائله الكثير، ويكفيه أن النبي كان كثيرا ما يقول: (‌ذهبت ‌أنا ‌وأبو ‌بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر)[5].

وقد روى هذا الحديث عنه ابنه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، في قصة ذكرها الإمام مسلم في صحيحه، حيث راجع بعض التابعين[6] ابن عمر في بدعة القدرية، وقد استدل ابن عمر بحديث جبريل على تفنيد رأي دعاة القدرية، الذين ابتدعوا القول بنفي القدر، وعدم علم الله بما هو كائن من أفعال العباد مثل معبد الجهني، وهذا من الكفر البواح، لذلك قال ابن عمر ردا على هذه المقولة: “فإذا لقيت أولئك فأخبرْهم أنِّي بريء منهم، وأنَّهم بُرآء منِّي، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أنَّ لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه ما قَبل الله منه حتى يؤمنَ بالقدر، ثم قال: “حدَّثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ذات يوم … ” الحديث.

الشاهد من هذه الحادثة مراجعة التابعين لابن عمر في قضية القدرية واستدلال ابن عمر بحديث جبريل أن للمفتي أن يجمع بين ذكر الحكم ودليله؛ فإنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذكر رأيَه في هؤلاء وبراءته منهم، ثم ساق مستدِلاًّ على ذلك حديث جبريل المشتمل على أنَّ من أصول الإيمان الإيمان بالقدر[7].

وبعد هذا نشير إلى المعاني والأحكام والآداب التي يشتمل عليه هذا الحديث الجليل.

وصف جبريل في الحديث

إن جبريل عليه السلام جاءإلى النبي على  هيئة البشر، نأخذ ذلك من الحديث قوله: “بينما نحن عند رسول الله ذات يوم إذ طَلَعَ علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر ولا يعرفه منَّا أحدٌ، حتى جلس إلى النَّبيِّ ، فأسنَد ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه.

وهذا يثبت أن الملائكةَ تأتي إلى البشر على شكل البشر، ومثل ذلك ما جاء في القرآن من مجيء جبريل إلى مريم في صورة بشر، ومجيء الملائكة إلى إبراهيم ولوط في صورة بشر، وهم يتحوَّلون بقدرة الله عزَّ وجلَّ عن الهيئة التي خُلقوا عليها إلى هيئة البشر، وقد قال الله عزَّ وجلَّ في خلق الملائكة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}، وفي صحيح البخاري ومسلم: “أنَّ النَّبيَّ رأى جبريل وله ستمائة جناح[8].

وقوله: “شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر” إشارة إلى غرابة هذه القضية لأنَّ الرجل هيئته هيئة حاضر، لا يخفى عليه أمر الدين مع اشتهاره غالبًا خصوصًا في المدينة، وسؤاله سؤال أعرابي وارد غير عالم بالدين.

ويؤخذ من الحديث استحباب التجمل وتحسين الهيئة للعالم والمتعلم لأن هذا الرجل هو جبريل – عليه السلام – كما بين في آخر الحديث وهو معلم من جهة لقوله عليه الصلاة والسلام: “جاء يعلمكم دينكم” ومتعلم من جهة أنه في سورة سائل[9]. وعلى هذا العمل سار السلف رضوان الله عليهم فإنهم يتجملون للعلم والرواية والسماع.

أما هيئة جلوس جبريل عليه السلام فقد جلس بين يدي رسول الله مقبلا عليه، ووضع يديه على فخذ النَّبيِّ صنيع منبِّه للإصغاء إليه، ولِمَا ينبغي للمسؤول من التواضع والصَّفح عمَّا يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنَّه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره ليقوى الظنُّ بأنَّه من جُفاة الأعراب.

ما هو الإسلام؟

أول أسئلة جبريل عليه السلام في حواره مع الرسول كان عن تعريف أركان الإسلام، وذلك حين قال: يا محد أخبرني عن الإسلام ؟ وجاء الجواب في قوله: “الإِسلام: أن تشهدَ أن لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله” إلي آخره، و”الإيمان أن تؤمن بالله” إلى آخره.
حيث بدأ في الرواية التي اعتمدناها هنا بالمراد بالإسلام أولا، فقد فسره النبي بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، وأول ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهو عمل اللسان، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا.

وأعمال الجوارح منقسمة إلى عمل بدني: كالصلاة والصوم.

وعمل مالي: وهو إيتاء الزكاة.

وما هو مركب منهما: كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة.

وبهذا يشير إلى جميع أعمال الدين الظاهرة من صلاة وصيام وقيام وصدقة ووضوء وطهارة وزكاة وغير ذلك كثيرة من أعمال الطاعات الظاهرة.

ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي – -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

وفي “الصحيحين” عن عبد الله بن عمرو: أن رجلا سأل النبي – -: أي الإسلام خير؟ قال: «أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».

قال ابن رجب: وهذا يدل على أن من كمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس، صار مسلما حقا، مع أن من أقر بالشهادتين، صار مسلما حكما، فإذا دخل في الإسلام بذلك، ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين، خرج من الإسلام، وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء، وكذلك في ترك بقية مباني الإسلام الخمس، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى[10].

ما هو الإيمان؟

ثم كان السؤال الثاني مباشرة قال: قال: فأخبرني عن الإيمان؟ فكان جواب النبي – – في هذا الحديث تفسير الإيمان بالاعتقادات الباطنة، فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

وقد ذكر الله في كتابه الإيمان بهذه الأصول الخمسة في مواضع، كقوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله}. وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين}، وقال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}.

والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة، والأنبياء، والكتاب، والبعث، والقدر، وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به من صفات الله تعالى وصفات اليوم الآخر، كالميزان والصراط، والجنة، والنار.

وكان جبريل عليه السلام في جميع أسئلته للنبي يوافقه عليها بقوله: “صدقت”، وهذا ما استغربه الصحابة الحاضرون فقالوا: “فعجبنا له يسأله ويصدقه”؛ وذلك لأن سُؤاله يقتضي عدم العلم بما سأل عنه وتصديقه النبي عليه الصلاة والسلام فيما أجابه به يقتضي أنه عالم به، فكان ظاهر حاله أنه عالم بذلك .. وهو محل التعجب، وإنما زال التعجب عنهم بقوله عليه الصلاة والسلام: “أنه حبريل أتاكم يعلمكم دينكم”. فتبين أنه كان عالما في صورة متعلم لقصد التعليم والتبيين لهم وذلك لا عجب فيه[11].

ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟

في السؤال عن حقيقة الإسلام والإيمان كل واحد على حدة إشارة إلى وجود الفرق بين هذين الأمرين، وكان موضوعا يظهر أثره في فقه الدين ونستخلص من كلام الشراح حول الموضوع ما يأتي:
1- هذا الحديث يقتضي وجود الفرق بين الإسلام والإيمان؛ لأن حبريل عليه السلام سأل عنهما سؤالين، وأجيب عنهما بجوابين، وفُسرَ له الإسلام بأعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والحج، وفُسرَ الإيمان بعمل القلب وهو التصديق، ولو كانا واحدًا لكان السؤال والجواب عن أحدهما كافيا عن السؤال عن الآخر.

2 – قد يُطْلق الإيمان علي الإسلام من باب التوسع كما في حديث وفدِ عبد القيس، فَإِنَّهُ أَمَرهم بالإيمان ثم قال: “أتَدْرُونَ مَا الإيمَانُ”؟ قالوا: اللهُ ورَسُوله أعلم. قال: “شَهادَةُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأن محمدًا رسولُ الله”. [متفق عليه]. فقدة جاء الإيمان مغلبا هنا والإسلام مظهره.

وقد يطلق الإسلام ويدخل فيه الإسلام والإيمان معا، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ ‌الدِّينَ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19].

3 – القاعدة هي: أن لفظ الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا جُمع بينها في الذِّكر فُرِّق بينها في المعنى، وقد اجتمعا في الحديث، فجاء التفريق بين معنيهما، وإذا أُفرد أحدُهما عن الآخر شمل المعنيين جميعاً: الأمور الظاهرة والباطنة، ومن مجيء الإسلام مفرداً قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ ‌دِينًا ‌فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].

ومما جاء من الشواهد على هذا التفريق ويراد به مسمى اللفظين معا:

  • كان النبي يقول في دعائه إذا صلى على الميت: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان»؛ لأن الأعمال بالجوارح إنما يتمكن منه في الحياة، فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب.

ومن هنا قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم، فإن من حقق الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال الإسلام.

  • ومنه قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]، ولم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين، وهو قول ابن عباس وغيره، بل كان إيمانهم ضعيفا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ ‌وَإِنْ ‌تُطِيعُوا ‌اللَّهَ ‌وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ﴾ [الحجرات: 14] يعني: لا ينقصكم من أجورها، فدل على أن معهم من الإيمان ما تقبل به أعمالهم.
  • وكذلك قول النبي لسعد بن أبي وقاص لما قال له: لم تعط فلانا وهو مؤمن؟ فقال النبي – -: «أو مسلم».

يشير إلى أنه لم يحقق مقام الإيمان، وإنما هو في مقام الإسلام الظاهر، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن، لزم منه ضعف أعمال الجوارح[12].

تعريف الإحسان

ثم طلب جبريل عليه السلام من النبي معنى الإحسان، فقال: “فأخبرني في الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. وقد فسر الإحسان بالمراقبة والإخلاص في العبادة، وأن الإنسان يشاهد الله عزَّ وجلَّ بعين إيمانه مطلعا عليه في جميع أحواله حتى كأنه يشاهده عيانا.

قال ابن حجر الهيتمي: المطلوب استحضار العبد أنه بين يدي الحق بمرأىً منه ومسمعٍ؛ ليكسبه ذلك غاية الكمال في عباداته، والإعراض عن عاداته، واستحضارُ ذلك مقدور للعبد ومكملٌ له فكُلِّف به[13].

وقال ابن رجب: «الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى الله عيانا في الآخرة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿‌لِلَّذِينَ ‌أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]، وقد ثبت في “صحيح مسلم ” عن النبي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل في الجنة، وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان»[14].

سؤال جبريل عن الساعة

وهو قول جبريل عليه السلام مخاطبا النبي : أخبرني عن الساعة، فقال النبي : «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» يعني: أن علم الخلق كلهم في وقت الساعة سواء، وهذه إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها. وفي “الصحيح”: “مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يعْلَمُهن إلَّا الله، وتَلَا: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} (1). ومَعْناه: أنه ينبغي للعالِم والمُفْتِي وغيرهما إذا سُئِلَ عما لا يعلم فليقل: لا أعلم. وأنَّ ذلك لا ينقصه، بل يُسْتَدَلُّ به على ورعِه وتقواه ووُفور عِلْمِه.

والمقصود بالساعة هنا: زمن وجود يوم القيامة، سُمِّي بها مع طول زمنه اعتبارًا بأول أزمنته؛ فإنها تقوم بغتةً في ساعة، حتى إن من تناول لقمةً لا يمهل حتى يبتلعها: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا}[15].

ثم سأل جبريل عن أشراط الساعة بقوله: (فأخبرني عن أماراتها). يعني: عن علاماتها التي تدل على اقترابها. وقد ذكر النبي للساعة علامتين:

  • العلامة الأولى: «أن تلد الأمة ربتها»، والمراد بربتها: سيدتها ومالكتها، وهذه إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري، ويكثر أولادهن، فتكون الأم رقيقة لسيدها، وأولاده منه بمنزلته، فإن ولد السيد بمنزلة السيد، فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها وسيدها.

قال ابن رجب: قد استدل به بعضهم على أن أم الولد لا تباع، وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال؛ لأنه جعل ولد الأمة ربها، فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوبا إليه؛ لأنه سبب عتقها، فصار كأنه مولاها. وقد استدل بهذا الإمام أحمد.

واعترض ابن الملقن على من يحتج بهذا الحديث على تحريم بيع أم الولد  قال: وليسَ فيه دِلالةٌ .. فإنَّهُ ليسَ كلُّ ما يخبِرُ به الشَّارع بكونه مِن علامات الساعة يكون مُحَرَّمًا أو مذمومًا: فإنَّ تطاول الرعاء في البنيان، وتيسير المال، وكون خمسين امرأة لهن قيِّم واحِدٌ ليسَ بحرام، وإنما هذه علاماتٌ، والعلامة تكون بالخَير وغيره[16].

  • العلامة الثانية: «أن ترى الحفاة العراة العالة». والمراد بالعالة: الفقراء، كقوله تعالى: {ووجدك عائلا فأغنى}. وقوله: «رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». هكذا في حديث عمر، والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه.

وهناك أشراط أخرى للساعة جاء فيها أحاديث صحيحة ثابتة.

وأما العلامتان اللتان جاء ذكرهما في حديث جبريل عليه السلام، فإنها تشير إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها، كما قال النبي لمن سأله عن الساعة: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء، وهم أهل الجهل والجفاء، رؤوس الناس، وأصحاب الثروة والأموال، حتى يتطاولوا في البنيان، فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا، فإنه إذا رأس الناس من كان فقيرا عائلا، فصار ملكا على الناس، سواء كان ملكه عاما أو خاصا في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال[17].


[1]  شرح صحيح مسلم للنووي (1/160)

[2]  فتح الباري (1/125)

[3]  جامع العلوم والحكم (1/97)

[4]  «أسد الغابة في معرفة الصحابة ط العلمية» (4/ 138).

[5]  وتمام الحديث في «صحيح البخاري» (3/ 1348 ت البغا): عن ابن أبي مليكة: أنه سمع ابن عباس يقول:

وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت: إني كنت كثيرا أسمع النبي يقول: (‌ذهبت ‌أنا ‌وأبو ‌بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر).

[6]  والتابعون المشار إليهم هنا: يحيى بن يَعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري.

[7]  شرح حديث جبريل في تعليم الدين، عبد المحسن العباد (13).

[8]  المرجع السابق.

[9]  «التعيين في شرح الأربعين» (1/ 49).

[10]  جامع العلوم والحكم (76).

[11]  «التعيين في شرح الأربعين» (1/ 55).

[12]  «جامع العلوم والحكم» (ص87 ت الفحل).

[13]  «الفتح المبين بشرح الأربعين» (ص177).

[14]  «جامع العلوم والحكم» (ص103 ت الفحل).

[15]  الفتح المبين بشرح الأربعين (179).

[16]  «المعين على تفهم الأربعين ت دغش» (ص116).

[17]  «جامع العلوم والحكم» (117).