كتاب “صناعة السعادة: كيف باعت لنا الحكومات والشركات الكبرى الرفاهية؟” تأليف “ويليام ديفيز”[1]، شديد الثراء في معلوماته، وطريف في طريقة عرضه، كما أنه مهم لأي إنسان له علاقة مع الثقافة، فالكتاب يتحدث عنك..عن حلمك المفقود في هذه الحياة..عن الشيء الذي تكدح طوال الوقت لتحقيقه..وهو السعادة..والتي تتمنى أن ترها في منامك، وتجسدها في يقظتك.. تلك السعادة التي أصبحت علما..لكن ما هي السعادة، التي شغلت الفلاسفة، وبشرت بها الأديان، وأصبحت الآن مرقمنة تخضع لمؤشرات وأرقام؟

 

الحقيقة أن الكتاب، رغم ثرائه المعلوماتي، فإن حديثه عن السعادة يرتكز على فكرة المادية التي هي إحدى سمات المشروع الحداثي ، فالسعادة تقاس بعدد ابتسامات الوجه ونبضات القلب، أي بما يظهر على الجسد من تفاعل فسيولوجي، وهو ما يعني أن عالم الروح والنفس هناك مساع لإخضاعه لقوانين المادة، والتعامل معه وفق شروطها، وهو ما يشكل اعتداء على حقيقة الكينونة الإنسانية، لأنها تسلخ الإنسان من أهم وأسمى جزء في تكوينه.

الأمر الآخر، أن علوم السعادة المتنامية منذ قرابة القرن، شهدت تطورات متتالية خاصة في فترة الستينيات، لكن تبقى خطورة هذه العلوم، رغم أهميتها، أنها معلومات تساهم في تعظيم الربح أو تحقيق السيطرة، أي أن المستفيد الأكبر منها ليس الإنسان الباحث عنها، ولكن الشركات الكبرى والكيانات الاقتصادية التي تبيع منتجاتها، فالسعادة أصبحت سلعة، كذلك تستفيد منها السلطة في تحقيق السيطرة على مواطنيها، أو حتى في بيع الأوهام لهم لضمان دوام السيطرة عليهم.

ويلحظ القارئ للكتاب حجم التقاطع بين ما توصلت إليه علوم السعادة، وبين تراث الإسلام خاصة في جانبه التربوي والصوفي، فالسعادة أساسها القلب، والرضا، وليس ما يرتسم على الوجه من ابتسامات، وفي هذا يشير إبراهيم ابن أدهم -احد المتصوفة المسلمين- إلى حجم السعادة التي يستشعرها الإنسان بفعل الإيمان وليس بما يستهلكه أو للمكان الذي يعيش فيه، فيقول:”لو يعلم والملوك أبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليه بالسيوف”، لكن تبقى العقبة أمام المسلمين في تحويل الموعظة إلى منهج علمي.

قياسات السعادة

علم السعادة من العلوم الحديثة، فهو يعلن أنه  يمكن له التغلب على الآلام والماضي ومتناقضاته من خلال الدماغ، ويفترض أن العلاقة بين العقل والعالم حوله تخضع لمنطق رياضي يمكن قياسه، ومن ثم يمكن رصد المشاعر، فالمشاعر والسلوكيات أصبحت محل اهتمام شركات الأدوية والحكومات وشركات التسويق والطامحين للربح، ومن ثم يسترعي  هذا العلم الجديد اهتمام أهل الاقتصاد والسياسة معا، وأشارت بعض استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة أن عدم إحساس الموظفين بالسعادة يكلف الاقتصاد الأمريكي (500) مليون دولار سنويا، بسبب تدني الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، فلم تعد تعاسة الفرد شأنا شخصيا يكابده، ويبحث له عن حلول، ولكن أصبحت هما سياسيا واقتصاديا للدولة تسعى لإزاحته من وجدان الفرد سعيا لتخفيف آثاره الاقتصادية.

وعلى هذا الأساس أصًبح ذلك العلم يبحث عن وسائل لقياسه تقنيا، لتوفير أكبر قدر من المعلومات والبيانات لصانع القرار السياسي والاقتصادي، فالمشاعر  صارت تحت الرصد، خاصة في ظل توافر مجالات يمكن من خلالها الحصول على معلومات عن وجدان الفرد مثل صفحات الفيسبوك وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن من خلالها رصد الحالة المزاجية، ففي دراسة نشرت عام 2014 في علم الأعصاب، ذكرت أنها اقتحمت آخر الحصون الإنسانية، وهي “أسرار المشاعر” وادعى الباحثون في جامعة “كورنيل” الأمريكية أنهم فكوا الشفرة التي يتعامل بها الدماغ البشري مع اللذة والألم، أي مع أهم عناصر السعادة الكبرى.

أشارت دراسات سابقة أنه يمكن قياس السعادة من خلال معدلات نبض الإنسان، فالجسم يطرح أعرضا قابلة للقياس لما يمر به العقل والنفس من انفعال وتفكير، وبالتالي يمكن وفق هذا المقياس معرفة مقدار السعادة ومستواها وفق معيار كمي، غير أن نبض الإنسان قد لا يكون كاشفا صادقا عن حقيقة السعادة، كذلك ذهب البعض إلى أن مقدار النقود التي يحصل عليها الشخص قد تكون أحد المؤشرات التي تقيس السعادة، فالمال له علاقة وثيقة بما يعتمل في الصدور، فعلي قدر “البنسات” تكون الابتسامات، غير أن المقياس لا يصلح فالكثير ممن يعانون من الاكتئاب يعيشون في مجتمعات الوفرة الاقتصادية .

وهناك أكثر من 8% من الراشدين الأمريكيين عانوا من الاكتئاب في فترة ما في حياتهم، ثم لجأ العلماء إلى أجهزة الرنين المغناطيسي لقياس السعادة لرصد حالة الدماغ الكهربائية، وانتشرت مقولة:”الناس يكذبون..أما الأدمغة فلا”، واخترعت أجهزة مختلفة لقياس السعادة على أساس أن اللغة التي يعبر بها عن السعادة قد تكون خادعة أما قراءة العقل فيمكن رصده بصدق، كما تم استخدام كاميرات في الأسواق الكبرى لرصد الابتسامات على وجوه المتسوقين، لكن لم تستطع الأجهزة التفرقة بين ابتسامة السعادة وابتسامات المجاملة والحزن، فليس كل ظهور للأسنان البيضاء دليل على السعادة. فالإنسان رغم طفرة العلم وتعدد القياسات مجهول كبير، ومازالت روحه ومشاعره ووجدانه سرا كبيرا، عندما يتكتشف بعض مجهولاته يتأكد للعلماء أن ما يخفى عنهم أكثر مما يعلمون.

الإعلان والسعادة

قامت إحدى شركات السيارات الفارهة بتصميم حملة إعلانات واسعة لسيارتها الباهظة الجديدة، وكان التساؤل لماذا تنفق الشركة هذه الأموال الضخمة في الإعلان رغم أنها تستطيع أن تحدد الأشخاص المستهدفين بالشراء وفقا لمعايير ثروتهم ودخولهم العالية، غير أن مدير الشركة كشف عن السر بقوله:”إننا نبيع نظرات الانبهار بالسيارة للمشتري من خلال هذه الإعلانات الواسعة” والحقيقة أن الرجل لا يبيع الانبهار، بقدر ما يبيع الانكسار الذي يخلقه الإعلان في نفوس غالبية الناس لهؤلاء المشتريين للسيارة، بحيث يشعروا بالعجز الكامل عندما يرون السيارة تتحرك.

والدراسات الحديثة أشارت أن جزءا من عدم الرضا عن الحياة لا يرتبط بمستوى دخل معين، ولكن تنشأ التعاسة وعدم الرضا عندما يقارن الشخص مستوى دخله بأقرانه وزملائه ومحيطه الذي يعيش ويعمل فيه، فتتحرك نفسه بالأحقاد والتعاسة والغضب المكتوم والقهر، فيفقد السعادة رغم أن ما في يديه من المال الكثير، ومن ثم فالجزء الأكبر من السعادة هي منظور شخصي وثقافي أكبر من كونها رقما، فأنت سعيد ليس بقدر استهلاكك ولكن بقدر رضاك، وفي ظل الاقتصاد الرأسمالي القائم على المنافسة الشرسة، فـ”الفائز يربح كل شيء” وهو ما أوجد خسارات نفسية وحالات اكتئاب للكثيرين.

كانت وكالة “جيمس والتر طومبسون” أول وكالة تعتمد فكر الإعلانات على أسس علمية منذ العشرينات من القرن الماضي، حيث اعتمدت تقنيات في تسجيل وتحليل الخصائص النفسية للبشر، فأصبح الإعلان يستبصر بالعلوم النفسية والسلوكية، وأصبحت وكالات الإعلان يمكن وصفها بوكالات الاستخبارات على المستهلكين، وصارت الشركات تمتلك خرائط واضحة عن أذواق المستهلكين وتفضيلاتهم، فتراكمت البيانات السيكولوجية عن البشر، لكن غابت الحكمة في التعامل معها، وجرى تهميش مستمر للوعي والانفعال، لمصلحة المعلومات الفيزيائية عن تفاعل الجسد مع انفعالاته.

وعلى خلفية ما يتركه الإعلان خاصة عن المنتجعات الفارهة، والسيارات الفخمة، والمساكن الغالية الثمن، والملابس شديدة الأناقة في خلق حالة من عدم الرضا، وربما التعاسة عند الكثير من البشر، قامت بعض المدن بحظر الإعلانات فيها، وسادت مقولة:”لو أن الإعلانات بريئة، فلما تغرقنا بهذه الكثافة؟!”، وظهرت مجموعات تواجه التلوث البصري الذي تسببه الإعلانات، ففي إحدى مدن البرازيل عام 2006 تم تقليص المساحات المخصصة للإعلانات في المدينة، وتم إزالة إعلانات المساكن الفاخرة، لأن تلك الإعلانات لا تفضي إلى انسجام سكاني داخل المدينة، وتمنح مؤسسة “كوميرشال أليرت” الأمريكية جائزة سنوية من خمسة آلاف دولار، للمدرسة التي تزيل الإعلانات من فضاءها العام.

عندما قرأت هذا الاتجاه تذكرت نصائح النبي-- في حق الجار..”..وإن اشتريت فاكهة فاهد له فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ولا تؤذه بقتار([2])، إلا أن تغرف له منها”، ولا شك أن تلك الإعلانات الفجة لا تغيض ولد الجار، ولكن تغيظ مئات الآلاف من سكان المدينة التي يمرون عليها، ولا يملكون شيئا لدفع هذا الاستفزاز الذي يُغيب السعادة.


[1] الكتاب صادر عن عالم المعرفة، في سبتمبر 2018، في 290 صفحة

[2] والقتار بالضم أي ريح (قدرك) أي طعامك الذي تطبخه في القدر