“السود والبيض مختلفون، فعندما تترك الأمور للسود سيكون مآل الحضارة الغربية الاندثار”، هذه الكلمة للكاتب الأمريكي العنصري جاريد تايلور.

 

هو الذي امتلك الجرأة ليقولها لكن حقيقتها متجذرة في لا وعي أغلب الأمريكيين بل أغلب الشعوب الغربية، إن أغلب الغربيين يظنون أن الأفارقة لا يصلحون لغير الجنس أو حمل الأثقال، أما الفكر والعلم فليس لهم مخه ولا عقله، إنها ذاكرة الاستعمار لم تمح بعد من مخايل هؤلاء.

 

المؤسف أننا في القرن الواحد والعشرين وقد قطعت البشرية أشواطا طويلة في مسيرتها العلمية والمدنية العمرانية؛ فغزت الفضاء وبنت ناطحات السحاب، كما استطاعت كشف الفروق الدقيقة بين المشتبهات في عالم الطب والتكنلوجيا، لكنه رغم هذا التقدم الهائل على مستوى العلم والصناعة لم يستطع إنسانها ـ فيما يبدو ـ التمييز بين جزئيه الرئيسين المادي والمعنوي، ولم يعرف بعد ـ أو هكذا يبدو ـ أن صورة اللحم والدم ليست إلا قشرته البشرية التي لا تتعلق بها كرامة ولا مجد ولا ثواب ولا عقاب.

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده   فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

يبدو أن الشعور العنصري لونا أو عرقا أو إقليما أو قل هذا الإحساس الزائف بـ”صورة اللحم والدم” من أعمق المشاعر في النفس البشرية وأصعبها إزالة، فكل الشعوب ما تزال تمارسه، والغرب ـ رغم شعاراته ودعاياته ـ تنكشف سوءاته العنصرية يوما بعد يوم، ويظهر احتقاره لغير بني جنسه، وموقف البيض من السود في أمريكا وبريطانيا ما يزال حيا شاخصا للعيان رغم كل ما حققته حركة الحقوق المدنية ورغم ترسانة القوانين والإجراءات.

 

وفي المجتمعات الغربية كلها مظاهر من هذه العنصرية المقيتة ضد السود وحتى من البيض ضد بعضهم، وما الانتخابات الأمريكية التي فاز فيها أوباما منا ببعيد، وفي بريطانيا عنصرية مماثلة، أما فرنسا فمجتمعها لا ينظر للأفارقة إلا كعبيد سابقين يجب أن يظلوا تحت السيطرة والأمر.

 

ولعل حملات الاستعمار في القرن العشرين التي اجتاحت العالم الاسلامي وإفريقيا كانت تجسيدا لهذا الشعور العنصري المختبئ بين جوانح الإنسان الأبيض.

 

الأغرب أن هذه الظاهرة تأخذ شكل المجتمع وطبيعة النظام الاجتماعي الذي تكون فيه فتتكيف معه دون أن يؤثر في حقيقتها أو يخدش كبرياءها المحمية بصورة الأعراق النقية التي تختزنها ذاكرة العنصري عن ذاته والأعراق المعتكرة التي تختزنها عن ضحيته المستضعف.

 

وتمد الظاهرة رجليها بكل أريحية في ديارنا العربية حيث القبائل والعشائر وذاكرة الدم الزكي والدم النتن، وتعكس قضايا الزواج والحب عمق هذه المشكلة، فكم من اثنين ائتلف قلباهما واتحدت أرواحهما وحرمتهما التقاليد البالية من سعادة كانا يحلمان بها، نظرا لأنهما ليسا من ذات العرق أو الجنس أو القبيلة.

 

وقديما في واقعنا العربي عانى السود من العنصرية، وقد جادلوا المجتمع بالفكر والمنطق، حيث لا معنى لإقصائهم أو حرمانهم لمجرد لون أو عرق لا دخل لهم فيه، فقد قال عبد بني الحسحاس حين أحب بعض فتيات أسياده وأحببنه وأنكر الناس ذلك:

إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما   أو أسود اللون إني أبيض الخلق

وقال عنترة العبسي الذي كان عبدا مزدرى لأن أمه كانت أمَةً، وقد قاتل عن قومه قتال الفارس البطل بعد تحريره واعتراف أبيه به:

لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسب    يوم الطعان إذا ما فاتني النسب

وهي محاججة سليمة المنطلق والنتيجة، فبأي حق يحاسب المرء على ما لا دور له فيه، فهو يولد أبيض أو أسود عربيا أو زنجيا، ابن أمير أو ابن أجير، ليس للمرء في ذلك شيء، لذلك فإن المجتمعات الراقية أخلاقيا هي التي تنظر إلى فعل المرء وموقفه ودوره بعد أن يصبح مكلفا استقلالا عن دور أبيه أو مكانته أو عرقه أو لونه.

 

وقد كان من أول التعليمات القرآنية لمجتمع المدينة تلك الآيات البينات التي تشرح بتفصيل واضح أصل الإنسان وقيمه التفاضلية، (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)، وقد كانت إحدى رسائل تأمير الفتى أسامة بن زيد رضي الله عنها على أول جيش للمسلمين يرسل خارج الجزيرة العربية تربويةً، إذ في الجيش كبار الصحابة وجدد المؤمين في عام الفتح وعام الوفود من شيوخ قريش وغيرها من قبائل العرب، فكأن النبي أراد بذلك فيما أراد أن يقتل في نفوسهم الشعور بالتفوق العرقي بعضهم على بعضهم. فأمر عليهم أحد أبناء الموالي.

 

ومع أن حديث:(عليكم بالسمع والطاعة، ولو تأمر عليكم عبد حبشي)؛ حديث يصور قمة المساواة في المواطنة الحقوقية والمدنية ويعتبر بحق قفزة قانونية إسلامية تتيح حرية الولاية وحقها بالمواطنة الإنسانية فقط لا بجنس أو لون أو عرق، إلا أنه يظهر أن النبي كان يعلم أن هذا التفاخر بالأحساب والتمييز على أساس العرق واللون متجذر في الإنسان العربي حتى ولو كان صحابةً صقلتهم التربية والمحن وجردوا أنفسهم لله.

 

وقد قال في حديث آخر أن هذا التفاخر هو أحد قيم اجتماعية ثلاث ستظل موجودة في الأمة، منها التفاخر بالأحساب والطعن في الأنساب، مما يدل على أن الحملة ضدها ينبغي أن تكون أقوى وأشد.

 

إن التمييز على أساس غير العلم والجهد والبذل يحرم الأمة من طاقاتها ومواهبها ويعزز فيها الانقسام والأنانية والأثرة، ويبعدها عن بناء المجتمع الإيجابي الفعال.

 

فمتى نعرف أنه لا ميزة للعرب على العجم ولا للعجم على العرب ولا لأبيض على اسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى وبتحقيق مصالح المجتمع وحماية أخلاقه وقيمه وأمنه!