فكر

حضارتنا في خطر

10 يونيو, 2015

5
مشاركة

أما آن لمسلسل تحطيم الحضارة والتاريخ والجغرافيا العربية والإسلامية أن ينتهي؟ أما آن لمخطط تدمير الإنسان العربي والمسلم أن يتوقف؟ فمن الحروب الصليبية إلى أهوال الاستعمار إلى معضلات الإرهاب بشتى أشكاله السياسية والدينية، إلى تتار العصر الحديث وأعني بذلك “الدواعش” الذين لم يكفيهم ترويع الناس والاستيلاء على الأراضي ولم يكفيهم ذبح الأبرياء بغير حق، ليقفزوا إلى ذبح التاريخ من المحيط إلى الخليج، وإلحاق الضرر بالإنسانية جمعاء من خلال إعدام حضارات بأكملها ونسف آثارها ومتاحفها و كل ما له علاقة بالمواقع القديمة التي تتبع مختلف الأديان والأحقاب الزمنية. وكأني بهذه الفئة الغريبة من البشر تسعى لتجريد المنطقة من تاريخها وحضارتها ومحو هويتها عبر تدمير آثارها.

يبدو أن وحشية ما يعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية” ،لم تقتصر على مدن العراق وسوريا، بل امتدت لليبيا وتونس وكذلك اليمن وقريبا الأردن ومصر ,والسعودية..وغيرها. وكأن مقاتلو هذا التنظيم وغيرهم ممن على شاكلتهم، يقتفون آثار التاريخ و دروب الحضارات العريقة للقضاء عليها ،وهم يجيدون اقتفاء أثر هذه المواقع بصورة تدعو إلى الحيرة والتساؤل:

لماذا يقومون بتدمير المعالم الأثرية للمنطقة؟ هل من منطلق ديني بحت بحكم أن هذه التماثيل عبارة عن أصنام ووجب تحطيمها؟ أم أن هناك مخططا جهنميا تقوده عصابات وربما دول لتصفية المنطقة من أي أثر لأي حضارة؟ وهل أن استهداف حضارة المنطقة ليس بعيداً عن تصفية حسابات تاريخية باقية تثير الحقد ومشاعر الكراهية لحضارة مصر والشام والمغرب العربي وبلاد الرافدين؟ ولماذا سُلطت “حرب الآثار” هذه على بلدان ما يسمى بالربيع العربي دون غيرها؟ هل ثمن الديمقراطية والحرية أن تعيش هذه الدول بلا حضارة وبلا تاريخ وبلا تراث؟       وبمنظور أكثر براغماتية، هل لذلك علاقة بتمويل تنظيم “الدولة الإسلامية” من خلال المتاجرة بالآثار خاصة وأنه قام بتدمير التماثيل ذات الحجم الكبير منها التي لم يقدر على نقلها أو بيعها؟ أما القطع الصغيرة فقد استفاد التنظيم من مبالغ طائلة من خلال تهريبها وبيعها؟ ما علاقة الغرب بالموضوع ؟ لماذا يسكتون على الأمر في الوقت الذي تمتلئ متاحفهم بآثارنا المسروقة؟ وأين دور منظمة اليونسكو جراء ما يحدث في المنطقة؟ على اعتبار أن هذه الآثار لا تخص منطقتنا وحدها بقدر ما هي موروث للإنسانية جمعاء.

في البداية يجب أن نعترف أن ما يحدث لمنطقتنا نحن شركاء في صنعه وإخراجه بالشكل المشوه الذي هو عليه، سواء ما تعلق بخلق تنظيمات مثل “داعش” أو غيرها، أو ما تعلق بالوهن التي تعاني منه أنظمتنا وشعوبنا،على الأقل في التعامل مع مثل هذه القضايا التي تخص وجودنا الحضاري. ولكن يبدو لي أن هناك اتفاقا بين داخل مصاب بوهن مزمن، وخارج قوي متربص بنا في كل العصور والأزمان ،على ضرورة سلخنا من انتمائنا التاريخي وطمس ما تبقى لنا من معالم تشير إلى وجودنا الحضاري. وهذا الأمر ليس من قبيل الاعتقاد المفرط بنظرية المؤامرة فلا زال الغربيون يطبقون مقولة الرئيس الأميركي جورج بوش “سنجعل العراق يعود إلى ما قبل القرون الوسطى”. الآن، وبعد خدعة ثورات الربيع العربي بدأ تعميم هذه المقولة.. سنعود كلنا إلى ما قبل التاريخ.

إن عداء تنظيمات متطرفة مثل “داعش” للوجود الإنساني يتجلى فى مشاهد الذبح والإعدام والحرق التى يفتخرون بها ، أما عداءهم للحضارة فهو متعلق بالفلسفة التى تتبناها والتى تهدف لعمل قطيعة معرفية مع تقدم الفكر الانسانى والعودة لما قبل النهضة، لذلك فقد اتفق العالم بأسره اليوم أن “داعش” لا تمثل خطرا على الاسلام فقط بل على الانسانية جمعاء.

أما جريمة قطع رؤوس التماثيل فللمجموعات المسلحة خبرة في قطع رقاب الأحياء والتمثيل بجثث الأموات فما بالك بالأحجار وفصل رؤوس تماثيل المفكرين والمبدعين والعلماء وتحطيمها. الخطير في الأمر أن دلالة هذا المنحى التصاعدي في تدمير الحضارة يوضع دائما في خانة الصراع بين التيارات العلمانية والإسلام السياسي وقوى التطرف الديني، والتي جاء “الربيع العربي” ليرفع من قيمة أسهمها في بورصة القيم.. وأخطر منحنيات هذا المسار هو أن تعتقد قوى التطرف هذه أنها المنتصرة وأنها مطالبة بزرع أفكارها وفلسفتها بعد أن تصبح ساحة الحرب أرضا مستباحة لها. بمعنى أن الحركات المتطرفة تقطع الرؤوس لتعلن أن هذا زمنها. فأي زمن نعيش وأي زمن ينتظرنا؟

يونسكو اعتبرت أن “التدمير المتعمد للتراث الثقافي.. جريمة حرب يجب تفعيل كل القوانين الدولية للتصدي لها ومعاقبة مرتكبيها”. ولكن عن أي عقاب تتحدث المنظمة ونحن كعرب ومسلمين نتعرض “لنكبة حضارية”.

 

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2015