فكر

مصر..أم الدنيا تبحث عن أبنائها

حضارتنا في خطر ( 7 من 8 )

Feature image

قد تكون مصر أول الدول التي عرفت ظاهرة السطو على الآثار، وهي ظاهرة قديمة في البلاد العربية، فأكثر الكنوز التي تزخر بها المتاحف الغربية هي تحف مصرية يعود تاريخها إلى الحقبة الفرعونية. ولكن على الرغم من أن الآثار المصرية تسرق منذ عهد الفراعنة إلا أن ما تم نهبه منذ قيام ثورة يناير 2011 إلى الآن فاق كل العصور.فما بين سرقة المتحف المصري عام 2011 وتدمير ونهب متحف ملوي عام 2013 ،إلى غاية اليوم، فترة تعاقبت فيها الحكومات والأنظمة والرؤساء، تم خلالها أكبر عملية نهب وتدمير للآثار المصرية وخاصة الفرعونية في العهد الحديث.

وعرضت قناة “العربية” في تحقيق  مصور قضية “سرقة الآثار من مصر”، والذي أشار إلى أن الانفلات الأمني، الذي صاحب ثورة 25 يناير، وتهريب السلاح، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، وعدم الوعي بأهمية الآثار، عوامل ألقت بظلالها على حضارة وتراث مصر، ووفرت مناخًا لعصابات ومافيا نهب وسرقة الآثار من مصر.

ويبدو لي أن هذه الفترة الحرجة التي تمر بها مصر، منذ ثورة 25 يناير إلى الآن، قامت بفرملة العديد من القطاعات في هذا البلد، ليس فقط السياسة، بل الاقتصاد والسياحة والتجارة والثقافة والتعليم والفن والرياضة، وبالتالي من الطبيعي جدا أن تتأثر الآثار وقطاعات التراث والتاريخ الإنساني في هذا البلد العريق. فقد تعرض  متحف الفن الإسلامي بالقاهرة لأضرار بالغة مثلا في تفجير سيارة ملغومة في يناير 2014، حيث دمر التفجير واجهة المتحف وأدى إلى تهشم وتفكك عشرات القطع . ويعتبر هذا المتحف الأغنى في العالم حيث يضم أفضل مجموعة للآثار الإسلامية على مستوى العالم.

وككل الثورات في العالم، فإن الثورة المصرية لم تحد عن السكة التي رسمها الثائر الفرنسى الشهير جورج جاك دانتون حين وقف أمام مقصلة الإعدام بعد الحكم الذي صدر ضده من طرف رفقاء ثورته الذين اتهموه بـ “خيانة الثورة”، حينما قال: “إن الثورة تأكل أبناءها” و أنه من السهل أن تبتدئ الثورات ولكن من الصعب أن تنهيها بسلام، وهو الذي حدث في مصر. فقد تزامنت ظواهر غريبة في المجتمع المصري، وظواهر أخرى كانت مكبوتة لديه، مع السرعة القصوى التي كانت تسير بها الثورة، فأنتجت فكرا وفلسفة جديدة تقوم على إلغاء الآخر بغض النظر عن كونه سياسة أو أدبا أو تاريخا أو تراثا..فلم يكن أحد يتصور مثلا أن يتم اقتلاع رأس النصب التذكاري لعميد الأدب العربي طه حسين في مدينة المنيا، أو ان يستيقظ أهل المنصورة ليجدوا تمثال أم كلثوم منقبا. لا أحد في مصر يدرك الدافع الحقيقي وراء مثل هذه التصرفات أو الرسالة التي يريد هؤلاء إيصالها إلى المجتمع؟ فشخصيا لم أسمع يوما أن مصريا سجد لتمثال طه حسين أو أم كلثوم أو طاف حول تمثال أبو الهول أو تمثال رمسيس؟ فهل القصد قطع رؤوس الأصنام أم قطع هذه الأمة بتاريخها وأدبها وأي صلة لها بالحضارة؟ ثم أن أم كلثوم وطه حسين أصبحا تراثا إنسانيا وليس مصريا. أليس رأس طه حسين هذا الذي أنتج “على هامش السيرة” و”الفتنة الكبرى”و”مرآة الإسلام”؟ أليس رأس أم كلثوم هذا الذي غنى”أنا الشعب ناري تبيد الطغاة” و” أصبح عندي الآن بندقية”و”مصر في خاطري وفي فمي”.

لم يتوقف الأمر في الحرب على الآثار بمصر على الآثار التاريخية والفنية، بل كان للآثار المصرية الاسلامية نصيبها من الاضطرابات التي عصفت بالبلاد. فبحسب تقرير نشرته جريدة “واشنطن بوست” الأمريكية تعاني آثار مصر الاسلامية من الاهمال والنهب. ويذكر التقرير أنه من بين ضحايا النهب والسرقة كانت مقارع الباب النحاس والتجهيزات الفخمة للمساجد الأثرية.

ورغم أنه لا يوجد حصر دقيق لعدد الآثار المفقودة بعد الثورة، إلا أن الخبراء المصريين يقدرون حجم المواقع الأثرية التي تم الاعتداء عليها بنحو 700 موقع أثري، فيما يقدر أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر د.محمد عبد التواب عدد القطع المفقودة بـ1228 قطعة بالإضافة إلى 200 قطعة من مخزن متحف كلية الآثار. بل يؤكد عبد التواب أن 40% من مخازن الآثار يتم سرقتها بشكل شبه يومي في مصر.

ومن أبرز الأماكن التي تعرضت للسرقة المتحف المصري بالقاهرة ويطل على ميدان التحرير الذي كان بؤرة الاحتجاجات حيث سرقت منه 54 قطعة واستعيد منها 21 قطعة إحداها تمثال خشبي للملك توت عنخ آمون. أما أشهر قضايا سرقة الآثار في الفترة الأخيرة، فهي قضية اتهم فيها 6 مصريين و3 ألمان دخلوا الهرم الأكبر “خوفو”، وحصلوا على قطع أثرية من داخله، كما دخلوا مناطق أثرية أخرى وحصلوا على قطع منها هربت للخارج وتحديدًا ألمانيا .

ونشرت صحيفة “المونيتور” الأمريكية تقريرًا في إبريل من العام الجاري تحدثت فيه عن مسار الآثار المُهربة من مصر، موضحةً أنها تُنقل لسيناء ثم منها إلى إسرائيل حيث يتولى المهربون مهمة نقلها إلى سويسرا.

وصرحت ديبورا ليهر، رئيسة التحالف الدولى لحماية الآثار للأهرام، بأن قيمة الآثار المسروقة من مصر منذ يناير 2011 حتى الآن، تتراوح ما بين 3 و6 مليارات دولار”.

الحقيقة أن الحديث عن حرب الآثار في مصر، حديث طويل ولا يمكن حصره في مجرد مقال، بل يحتاج إلى دراسات عميقة وبحوث وتحقيقات جادة. لكن الذي أردنا التركيز عليه في هذه الورقة هو أن حجم التدمير والسرقة للموروث الإنساني في مصر منذ اندلاع ثورة يناير إلى الآن كان رهيبا، ولا يمكن أن يقاس بأي فترة من الفترات الحرجة التي مرت بها.


هذه المقالة تتبع سلسلة " حضارتنا في خطر"
  • مصر..أم الدنيا تبحث عن أبنائها

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة