فكر

من أدخل يده في “غار”..”داية” ؟

Feature image

 

يقول ابن مدينة “غرداية” شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا وكاتب النشيد الوطني الرسمي:

جزائر يا مطلع المعجــــــــــزاتْ — و يا حجة الله في الكائنـــــاتْ

و يابسمة الرب في أرضــــــــه — و يا وجهه الضاحك القسماتْ

ويضيف في”إلياذة الجزائر”:

بلادي بلادي الأمانْ الأمانْ — أغني علاك بأي لسانْ

       جلالك تقصر عنه اللغـــة   — و يعجزني فيك سحر البيانْ

لكن الأمان الذي يتحدث عنه مفدي زكريا لم يعد له وجود في مدينته التي تئن تحت وطأة الفتنة والاقتتال ،بعد أحداث دامية خلفت  عشرات الضحايا من أبناء البلدة الواحدة ،واستدعت تدخل الجيش لمحاولة إخماد نيرانها الملتهبة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تحترق فيها غرداية بنار الفتنة الطائفية بين بربر وعرب أو بين إباضيين ومالكيين، ولا هي المرة الأولى التي تقف فيها السلطات الجزائرية عاجزة تماما على التعامل مع أحداث هذه المدينة المضطربة، التي كان يُضرب بها المثل في الاستقرار. فغرداية مثال حي لنظام اجتماعي واقتصادي وحتى سياسي قلما نجد مثله في مجتمعاتنا العربية، حيث تُعرف بتشكيلة من الأنظمة المحلية الخاصة التي تعنى بتسيير حياة سكانها: كالزواج الجماعي وفض المنازعات بين الأفراد وقوانين البيع والشراء وتوزيع المياه على المزارعين وخطط التضامن والتكافل الاجتماعي. ويقوم بتسيير هذا النظام الخاص “مجلس الأعيان” وهو هيئة عرفية مستقلة عن المؤسسات الرسمية للدولة.

وبنظامها واستقرارها وتماسكها..تعتبر غرداية دولة داخل الدولة، ولعل هذه “الميزة” هي سبب الخوف المنبعث من ساحاتها الواسعة وأروقتها الضيقة، ومدعاة المتربصين بها والداعين إلى حتمية زعزعتها وقلب نظامها، وكأن الذي يدور في غرداية مجرد “بروفة” لزعزعة استقرار الجزائر، فلم يكن المشهد مناسبا في أحداث سابقة، فوجب الآن إعادة المحاولة إلى حين اكتمال الحبكة السينمائية وتوافر أبجديات الإخراج المسرحي، من سيناريو مذهل وممثلين بارعين ومنتجين جاهزين بالمليارات وديكور يكاد يكون حقيقيا. وبالطبع سيكون جنريك النهاية مجرد بداية لعمل ضخم، بعد أن يكون قد عرض في أشهر القاعات ونال حقه من النقد البناء وغير البناء في شبكات التواصل الاجتماعي.

بصراحة لقد تخصصت الجزائر في السنوات الأخيرة في انتاج هذا النوع من “الفنون”، وبخلاف “الإنجازات العظيمة” للمنتخب الوطني لكرة القدم، لم تتمكن الجزائر من فرض أي منتج كان ثقافيا أو اقتصاديا أو سياسيا.

وبالنسبة لغرداية ،إذا كان هناك رمز للتعايش السلمي في الجزائر فهو دون أدنى شك في هذه المدينة ،فقد عاش فيها الأمازيغ (البربر) والعرب لعدة قرون في سلام، لهذا عرفت المدينة بين الجزائريين كرمز للتعايش والتكافل بين المذاهب المختلفة، وإن كانت الأحداث الأخيرة قد أظهرت صورة معاكسة لهذا الوضع. وإذا كان هناك انطباع موحد لدى كافة الجزائريين عن أكثر الناس مسالمة وأقلهم ميلا إلى العنف فحتما هم سكان غرداية، حتى أن الكثيرون يعتقدون – وهو اعتقاد خاطئ تماما- بأن سكان هذه المدينة لم يشاركوا في الثورة الجزائرية، وأنه خلال الاستعمار الفرنسي كانوا معفيين من الخدمة العسكرية لأنهم لا يؤمنون بالعنف وباستعمال السلاح، ولكن كيف لهؤلاء أن يكونوا كذلك وقد انخرطوا في مختلف تيارات الحركة الوطنية، من سواء الراديكالية كحزب الشعب (المطالب بالاستقلال) أو المعتدلة كجمعية العلماء المسلمين ،وخرج منهم ثوار وأبطال كمفدي زكريا وصالح خرفي وأبو اليقظان وغيرهم.

إذا كان هناك رمز للتعايش السلمي في الجزائر فهو دون أدنى شك في هذه المدينة ،فقد عاش فيها الأمازيغ (البربر) والعرب لعدة قرون في سلام، لهذا عرفت المدينة بين الجزائريين كرمز للتعايش والتكافل بين المذاهب المختلفة

أما مسمى “غرداية” الذي يقال أنه يعني “الغار” أو الكهف الذي كانت تتعبد فيه امرأة اسمها “داية”، فيدعونا فقط للتأمل في الأحداث و القول أن من يدخل يده في “غار” “داية” يتحمل وحده لسعات الثعابين والعقارب..وإن كانت التسمية نفسها محل خلاف بين العرب الذين يعتمدون هذه التسمية، فيما يرى الأمازيغ (بني ميزاب) أن هذا تزييف للتاريخ ،وأن المدينة اسمها “تاغردايت” وهو اسمها الأمايغي الأصلي ومعناه الأرض التي يحيط بها الماء .

لقد تعرضت غرداية لهزات عديدة، لكنها خرجت منها سليمة، لكن المرجح أن الأحداث الأخيرة بحكم تأثيراتها القوية من شأنها أن تكون مقدمة لاتجاه جديد .فمع كل “ثورة” على منطق الاستقرار في هذه المدينة تُثار العديد من الأسئلة حول الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية وتوظيف الأحداث سياسيا في الصراع الأبدي على السلطة في الجزائر،حيث تبرز مشكلة غرداية كلما احتد هذا الصراع وزادت المطالب بضرورة تغيير النظام السياسي في البلاد ورحيل رموزه، مما يثير الشكوك بأن ما يحدث في غرداية يجري توظيفه بشكل أو بآخر لتخويف الجزائريين من ربيع عربي قادم أو من خطر خارجي يهدد البلاد، وبأن عليهم أن يختاروا إما النظام الحالي بكل مساوئه أو العودة للحرب الأهلية ،والبعض يفكر فعلا في هذا العرض: نظام سارق وفاسد خير من أن يحدث لنا ما يحدث في سوريا. وتزداد فرضية فشل السلطة الجزائرية في غرداية نضوجا وانتشارا كلما كان النظام السياسي الحالي،الذي يقوم بمصالحات دولية وإقليمية في ليبيا ومالي وغيرها، قد أثبت عدم قدرته على احتواء مشكلة غرداية التي يبدو أنها ستتحول يوما ما إلى “قضية وطنية” أو “معظلة تاريخية” لا حلول لها.

كثير من الغرداويين يرون أن السبب وراء الأحداث الدامية التي تعصف بهم في كل مرة ،لا علاقة له بالصراع المذهبي، ذلك أن إعلان الخلاف بين المذهبين المالكي والإباضي يثير فتنة مذهبية حقيقية ،على اعتبار أن السواد الأعظم من الجزائريين على المذهب المالكي، لكن أبدا لم يتم إثارة الخلاف مع الإباضيين الذين لهم مساجدهم الخاصة ومدارس حرة بعلم الدولة، كما أنهم ليسوا من دعاة الانفصال، ووقفوا ضد فصل الشمال عن الجنوب. وترى أغلبية في المنطقة أن الخلاف في حقيقته تاريخي بين المزابيين الأمازيغ وقبيلة “الشعانبة” العربية وليس مع كل قبائل وعرب المنطقة. لكن في الآونة الأخيرة تسلل تيار سلفي متشدد إلى المنطقة ونشر أفكارا تجاهر بتكفير الإباضيين والقول انهم خوارج ..وذهبوا إلى حد إهدار دمائهم، رافعين شعارات “الإباضي عدو الله “،وهو أخطر ما في القضية خاصة ونحن في عصر “داعش” ومن عام على عومهم.

من خلال هذا الطرح نجد أن ما يحدث لا يعدو أن يكون نتيجة للأوضاع الاجتماعية المزرية والتهميش الذي يعيشه شباب المنطقة، فللأحداث بعد آخر في صورة صراع اجتماعي- اقتصادي بثوب مذهبي، حيث يرى ميرين عباس خبير الشؤون الجزائرية في مؤسسة “فريديرتش ـ إيبرت” الألمانية “إن العرب المالكيين يُحمّلون الأمازيغ، المعروفين بتعاطيهم للتجارة، مسؤولية فقرهم. أما الأمازيغ فيرون أن الدولة الجزائرية تعطي كل الامتيازات للعرب من حيث الوظائف الإدارية والصفقات العمومية”.ووسط هذه الاتهامات والاتهامات المضادة تبرز أسماء من هؤلاء وأولائك أمثال أحمد سقلاب وعبد الحميد بن ولهة وأحمد بوداود من جانب العرب، ،وكمال الدين فخار الناشط الذي تبرأ منه الميزابيون، وهي أسماء تصر الدولة على تحميلهم مسؤولية ما يجري ولكن دون جدوى،ذلك أن قضية غرداية أكبر بكثير من هذه الأسماء.

ورغم أن الإعلام يركز على الانتماء العقائدي للمجموعتين، إلا أن الأمر يتعلق حسب عباس بـ “صراع اجتماعي عادي، فالمنطقة كانت دائما مهمشة من قبل الحكومة الجزائرية”. وتتركز الخلافات على أملاك بين العرب والأمازيغ الإباضيين الذين يتعايشون في المنطقة منذ قرون. وزاد الأمر تعقيدا حركة التمدن الكثيفة التي تلت وصول سكان جدد، خصوصا إثر الحرب الأهلية أو ما يسمى بالعشرية السوداء، ما أخل بالتوازن الديموغرافي الذي كان يميل كثيرا إلى المزابيين (الأمازيغ) الذين شكلوا دائما الأغلبية.

ويرى ميرين عباس أن الدولة الجزائرية تتحمل مسؤولية إهمالها الكامل للمنطقة وسكانها، وأن التوترات الاجتماعية كانت منتظرة منذ بداية انهيار أسعار النفط عام 2014. كما توقع مزيدا من الانفجارات الاجتماعية إذا لم تتحكم الدولة في مساراتها الخطيرة.

من جهته يقول البروفيسور وليد عبد الحي وهو أستاذ سابق في معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، أن السلطة السياسية في الجزائر “منغلقة على ذاتها، لا بحكم نقص في جينات الوطنية ، بل بحكم أنها أسيرة منظور تجاوزه الزمن”. ويضيف وليد عبد الحي الذي تنبأ في دراسة مستقبلية بانفجار أزمة التسعينات قبل حدوثها بست سنوات،أن السلطة الحالية هي نفس السلطة آنذاك التي تعاملت بـ”سخرية مُرة” مع نتائج دراسته، وهي اليوم لا تزال تعتقد “أن التكافل والترابط الذي أفرزته مرحلة التحرر الوطني تصلح لمرحلة بناء المجتمع المدني”، وأنها “تستشعر احتقانات بيئة اقليمية تتراكم فيها سياسات الفشل ، وتتكئ على دولة ريعية تتعامل مع المجتمع بمنطق الرعية والأبوية”، مشيرا في ذات الوقت إلى أن “بؤر التوتر في الجسد الجزائري هي أوسع من أباضيي ومالكيي غرداية، وما غرداية سوى ناقوس يقرع لمن أراد أن يستيقظ”.

ويستنتج البروفيسور أن “أزمة الجزائر هي أن المجتمع متقدم على السلطة، لكن تغليب أمن السلطة على أمن المجتمع والدولة افسد المشهد السياسي الجزائري إلى حد بعيد”.

كثير من الغرداويين يرون أن السبب وراء الأحداث الدامية التي تعصف بهم في كل مرة ،لا علاقة له بالصراع المذهبي أو العرقي، وإنما هي نتيجة الأوضاع الاجتماعية المزرية والتهميش الذي يعيشه شباب المنطقة

ويبدو لي أن أزمة غرداية تكمن في نقطة أساسية هي ضرورة الاعتراف من الجميع سلطة ومعارضة وأحزابا ومواطنين أن هذه المدينة لها خصوصية واضحة ليست موجودة في أي من مكونات المجتمع الجزائري ،ومن المنطق بل ومن الواجب التعامل معها بشكل مختلف ،ذلك أن عوامل الضغط والجذب في هذه المنطقة تتمدد ضمن محتويات دينية وعرقية وتاريخية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وكل محتوى من هذه المحتويات يتمدد بدوره لعدة أنماط وأشكال ومعتقدات وطقوس وعادات وتقاليد وأعراف وأهواء وانطباعات..تجعل من هذا المجتمع المنغلق على نفسه عنصر أمان واستقرار كما كان طيلة قرون من الزمن، كما يمكن أن يكون دحرجة دموية لكرة ثلج لن تتوقف عند حدود هذه المدينة.

وهذا ليس ترويجا لـ”فزاعة” النظام ونظريته في ترعيب الجزائريين من أجل الابقاء على شكله المريض ،فقد سبق وأن عرفت غرداية أحداثا مشابهة في 1975 وكان الرئيس الجزائري آنداك رجل قوي لم يتجاوز الخمسين من عمره. العلاقة إذن في غرداية هي بين نظام ونظام وليست علاقة شخصيات، والانتخابات المقبلة أو “العهدات” القادمة ليست غرداية هي التي تحدد مساراتها أونتائجها ،فللنظام طرقه وخططه للبقاء ،ولا أعتقد أن غرداية ستكون “فلوريدا” الانتخابات الجزائرية ، بقدر ما أعتقد أننا نعيش في عالمنا العربي “حالة تطرف” تكاد تكون مزمنة ،وكل نظام أو حزب أوجهة أو حركة أو فريق يحاول استغلالها لكسب نقاط لصالحه ،نحن نعيش “عصر الفتنة” بين سنة وشيعة ،وبربر وعرب،ومسلمين وأقباط..

يجب أن نعترف أن غرداية كيان مجتمعي تعود جذور نشأته إلى أزيد من عشرة قرون من الزمن، وليس من السهل فك ألغازه وطلاسمه إلا ضمن إطار واحد هو إيجاد مكنزمات جديدة للتكيف بين “نظام غرداية” و”نظام الجزائر”، فإذا نحن لم نفهم المكونات الأساسية لنظام غرداية، ولم ندرك بعد فلسفة نظام الجزائر، فإننا سنكون في مواجهة مرحلة صعبة للغاية. عندها سينتهي انهيار نظام غرداية ليبدأ انهيار نظام الجزائر؟

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة