فكر

التشريع الإسلامي بين المطلق و النسبي (2)

Feature image

في الثوابت و المتغيرات 

بناء على ما سبق نستطيع تصور قاعدة أو قواعد تضبط دائرة الثوابت من ناحية و دائرة المتغيرات من ناحية أخرى ، يعتبر الإمام ابن القيم أن هذا الباب واسع يحتاج فقها و فهما إذ يقول ” و هذا باب واسع اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة التي لا تتغير ، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا و عدما ” (32).

 

و يفصل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي الأمر تفصيلا كاد يستحق وصف ” الجامع المانع ” إذ يعتبر أن أحكام الشريعة ذات مستويين ” مستوى يمثل الثوابت و الدوام ، و هو ما يتعلق بالأسس و المبادئ و الأحكام التي لها صفة العموم ، و هو ما جاءت به النصوص القطعية الثبوت و الدلالة  التي لا تختلف فيها الأفهام و لا تتعدد فيها الاجتهادات و لا يؤثر فيها تغير الزمان و المكان و الحال … و مستوى يمثل المرونة و التغير و هو ما يتعلق بتفصيل الأحكام في شؤون الحياة المختلفة و خصوصا ما يتعلق بالكيفيات و الإجراءات و نحوها و هذه قلما تأتي فيها نصوص قطعية بل إما أن يكون فيها نصوص محتملة أو تكون متروكة للإجتهاد ” (33).

 

و تشكل قاعدة الاستثناء التي لا تخطئها العين في النصوص و الممارسات الشرعية أساسا مهما لفهم ثنائية الثوابت و المتغيرات و من أهم نماذجها استثناء الحالات ( إقامة الحد أثناء الغزو ) ، استثناء الأفراد ( حالة من أسلم بعد الاتفاقية في الحديبية ) ، استثناء الجماعات ( جماعة ثقيف التي اشترطت ) ، استثناء الأقاليم ( أهل إيلياء مثلا ) و يعطينا الإمام القرافي في أسلوب مميز دفعا بكلامه في الفرق الثامن و العشرين ” و لا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك ، بل ‘ذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك ، لا تجره على عرف بلدك و اسأله عن عرف بلده و أجره عليه و افته به دون عرف بلدك و المقرر في كتبك ، فهذا هو الحق الواضح ، و الجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين و جهل بمقاصد علماء المسلمين و السلف الماضين ” (34).

 

و يعزز ابن القيم ” و هذا محض الفقه و من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف أعرافهم و عوائدهم و أزمنتهم و أمكنتهم و أحوالهم و قرائن أحوالهم فقد ضل و أضل ” (35)  و هذا ما دعا الدكتور حسن الترابي إلى القول ” و الفقه إذا تراكمت نقوله الموروثة قد يغري الجيل الخالف إلى أن يقنع بماضيه و يستغني عن الاجتهاد و إعمال وظائف العقل الناقد المولد المركب للمفهومات الجديدة ” (36) و لذلك لا غرو و نحن نتحدث عن اضطراد ثنائية الثوابت و المتغيرات أن نلحظ الوجه التعددي الذي ظهر في تاريخ الفقه و الفهم عندنا فلا ” عجب ان اتسع صدر هذا الفقه الرحب لمتشدد كابن عمر و مترخص كابن عباس ، و لقياسي كأبي حنيفه و أثري كأحمد ، و ظاهري كداوود ، فرأينا مدرسة الرأي و مدرسة الحديث و الأثر و أهل الألفاظ و الظواهر و أهل المعاني والمقاصد و المتوسطين المعتدلين بين هؤلاء و أولئك “(37).

في موضوع الديني و الدنيوي :

هي عناوين تتداخل لترابط موضوعاتها و لتقارب مترتباتها و لكنها تتمايز بحثا و فكرة ، و موضوع الديني و الدنيوي لما له أثر على لاحق الورقة و تنزيلاتها و خلاصاتها مهم و جوهري ، لقد اشتهر بين الناس عامة و عند المهتمين خاصة حديث تأبير النخل الذي قال فيه صلى الله عليه و سلم بعد أن خرج النخل رديئا ” إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به و إذا أمرتكم بشئ من رأيي فإنما أنا بشر ” (38) و حديث الإمام أحمد أكثر صراحة ” ما تقولون ، إن كان أمر دنياكم فشأنكم و إن كان أمر دينكم فإلي ” (39) و من أدعية النبي صلى الله عليه و سلم المشهورة ” …. و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي و أصلح لي آخرتي التي إليها معادي ” (40) إذن هناك أساس شرعي عام لهذا التمايز ، و هو يحدد مجالين مختلفين و قد يتداخلان بل من الوارد أن يتأسس أحدهما على الآخر و أن يأخذ أحدهما من بركة و مرجعية الآخر و لكن التمايز قائم مع ذلك.

 

لنستمع لبعض العلماء و الأعلام و هم يوضحون ذلك فالعلامة ابن حزم يقول معلقا على حديث تأبير النخل  “و أخبرا أنه صلى الله عليه و سلم أعلمنا أننا أعلم بما يصلحنا في دنيانا منه ، ففي هذا كان يشاور أصحابه ، و أخبرا أنه صلى الله عليه و سلم جعل أمر آخرتنا إليه ” (41) أما الإمام مسلم فقد بوب للحديث المذكور في شرحه ” وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه و سلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي ” (42) و قد جاء في نهج البلاغة كلام منسوب لأمير المؤمنين علي ” الحكم لله و في الأرض حكام ، لابد للناس من أمير بر أو فاجر يضم الشعث و يجمع الأمر و يقسم الفيئ و يجاهد العدو و يأخذ من القوي للضعيف حتى يريح بر و يستراح من فاجر ” (43).

 

و يذهب الدكتور عبد الإله بلقزيز إلى أن التمايز بين الديني و السياسي جاء واضحا بعده (ص) بل و كان له حضورفي زمانه ” كان يمكن ملاحظته حتى في مشروعه كما تجلى في عهده (ص) فعقده التحالفات و إبرامه العهود مع غير المسلمين و إقامة نظام المدينة على مقتضى الأمة لا على مقتضى الملة بعض من علامات كثيرة على الوجه السياسي ” (44).

 

و قريب من بلقزيز ما ذكره الشيخ راشد الغنوشي أن ” رسول الله صلى الله عليه و سلم قد اجتمعت في شخصه صفات النبوة كمبلغ عن ربه مثل سائر إخوانه الأنبياء إلى صفات القائد السياسي للجماعة التي اهتدت بهديه أو التي ارتضت الدخول في عهده و إن لم تكن على دينه ” (45) و يعلق الدكتور سلمان بن فهد العوده على حديث بريده ”  …… فلا تنزلهم على حكم الله ، و لكن أنزلهم على حكمك …… ” (46) ” و في هذا الحديث تحديد لمناطق السياسة الشرعية العامة المصلحية التي لا تصح نسبتها لله ، و لا الحديث فيها باسم الدين و الإسلام ” (47).

 

و لابن الحداد كلام في السياق ، يقول ” و السياسة سياستان سياسة الدين و سياسة الدنيا ، فسياسة الدين ما أدى إلى قضاء الفرض و سياسة الدنيا ما أدى إلى عمارة الأرض ، و كلاهما يرجعان إلى العدل الذي به سلامة السلطان و عمارة البلدان ” (48) و كما رأينا سابقا يفرق الإمام العز بن عبد السلام بين مصالح الدنيا و الأخرى و طرق كل منهما.

 

و انتهى الدكتور سعد الدين العثماني إلى رأي “و في رأينا أن العلاقة الأوفق بين الدين و السياسة في الاسلام ليس هو الفصل القاطع ، و ليس هو الوصل و الدمج التامين ، بل هو وصل مع تمييز و تمايز ” (49) و لعل تحديد مهمة الدولة و السلطة يساعد في معرفة حدود التمايز.

 

يرى د. بلقزيز أن الدولة ” لا تبرر نفسها إلا بوظائفها المدنية الصرف في حفظ الأمن و التنمية و حرية المواطنين و حماية القوانين التي يتوافق عليها المواطنون ” (50) و هو نفس الرأي تقريبا للغنوشي ” أما الدولة فمهمتها تقديم الخدمة للناس قبل كل شيئ كمواطن الشغل و الصحة الجيدة و المدرسة الجيدة ” (51)  و يتفنن عبد اللطيف الهرماسي في الصياغات (52) التي ترسم العلاقة بين الدين و الدنيا أو الدين و السياسة ” الديني و الدنيوي : تطابق أم تقاطب أم تداخل ” ” الديني و السياسي من التداخل إلى التمايز ” ” الدين و السياسة : نزاع الصلاحيات و تداخل الحقول ”

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة