فكر

العالم يبحث عن وصفة دولية لعلاج خطاب الكراهية والتطرف

Feature image

 

مع تطور ظاهرة الإرهاب بدأت مسألة مناهضة خطاب الكراهية والتطرف تشغل العديد من الباحثين والمختصين ورجال الدين ،نظرا لما يعيشه العالم من توترات قائمة على التعصّب الديني والعقدي والمذهبي وحساسيات طائفية واجتماعية تحمل نزعات نحو رفض الآخر والحث عن التخلص منه واجتثاثه من جذوره.

وقد انتشرت المؤتمرات والندوات الدولية الداعية إلى صياغة خطابات بديلة لخطابات الكراهية سواء في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أو في المجتمعات الغربية ،بعد أن اتضح أن هذه الظاهرة لم تعد تخص مجتمعا بذاته ،بل أصبحت مثلها مثل ظاهرة الاحتباس الحراري أو ثقب الأوزون أو مجمل الكوارث الطبيعية التي تهدد الكون بأسره.

آخر هذه المؤتمرات كان مؤتمر الحوار العربي الأمريكي الآيبيري الثالث لمناهضة خطاب الكراهية والتطرف ،الذي عقد في الدوحة خلال الفترة من 15 الى 16 سبتمبر 2015 ،والذي أكد على أن التحريض على العنف والتمييز والكراهية لا يعد من قبيل حرية الرأي والتعبير ودعا المجتمع الدولي إلى أن يتعامل بمعيار واحد عند مواجهة خطاب الكراهية ،واعتماد إستراتيجية متكاملة لمحاربة هذه الظواهر واتخاذ كافة التدابير المناسبة ،بما في ذلك العمل على نشر قيم التسامح والحوار ،كون الفكر لا يواجه بالمقام الأول إلا بالفكر.

محاربة الإسلام بحجة الارهاب وحرية الرأي

وتفرض مسألة مناهضة خطاب الكراهية والتطرف نفسها مع تزايد واتساع نطاق هذا الخطاب في أشكاله العنصرية والدينية والتطرف وسياسة الإقصاء في العديد من مناطق العالم ،بما يهدد السلام العالمي والسلم الأهلي في بعض الدول ،والعلاقة بين الثقافات وأصحاب الديانات المختلفة ،وهو ما يؤكد أن هناك قصور واضح في الفكر والتصور والجهود والآليات والتشريعات اللازمة للتعامل مع هذا التطور الخطير والأخذ في الانتشار. كما أن هناك اختلاف وتعارض في طرق ووسائل الحد من تفشي خطاب الكراهية وفي أسبابه الحقيقية ،ويزداد هذا الخلاف حدة بين الدول الإسلامية والدول الغربية ،فعلى الرغم من التصريحات الغربية الرسمية التي تفرق بين الإسلام والتطرف ،على غرار قول المستشارة الألمانية انجيلا ميركل أن الإسلام جزء من ألمانيا ،أو قول رئيس وزراء فرنسا مانويل فالس أن الكراهية والتطرف “ليسا من الإسلام” ،إلا أن جزء كبير من الخطاب الغربي يحاول الربط بين الطرفين ،مما أثار نزعات رافضة وكارهة لجموع اللاجئين والمهاجرين المسلمين في الأراضي الغربية. وفي الجانب الآخر تقف الكيانات التي ترفع راية الإرهاب مثل داعش والقاعدة وغيرها..لتعطي صورة مغايرة تماما لديننا الإسلامي وتصنع منطقا تبريريا جاهزا لبعض الدوائر الغربية لمحاربة الإسلام باسم محاربة الإرهاب والنيل من رموزه باسم حرية الرأي والتعبير.

لا أحد يملك وصفة نهائية للتسامح

الدكتورة أثمار الشطري عضو المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق تفسر السبب في تصريح لـ”إسلام أون لاين” بأن “القوانين المناهضة للتحريض في بلدان العالم المختلفة يمكن وصفها بانها متباينة واحياناً قاصرة ومرنة تتقبل التأويل والتفسير الشخصي” .وتضيف بأن “الجهد القضائي في مجال التحريض على العنف والكراهية لا يزال غير متخصصا”.

أما محمد الصبار،الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب ،فيؤكد أن مواجهة خطاب الكراهية و التطرف والحد من آثاره السلبية على المجتمع والإنسانية بشكل عام “يقتضي سلوك طريقتين متكاملتين لا محيد عنهما-في رأيه- تتمثل أولهما في الطريق القانوني ومعاقبة مخالفيه من مروجي خطاب الكراهية، في حين يتمثل المسلك الثاني في التربية والثقافة وبناء قدرات الانسان”. ويؤكد الصبار لـ”إسلام أون لاين” أن “التربية على التسامح تشكل الضمانة الأساسية لكسب الحرب ضد خطاب الكراهية والتطرف”. وهو ما ذهب إليه زميله محمد الصغير جنجار، العضو بالمجلس المغربي بأن “المدرسة تشكل إلى جانب الأسرة الإطار المجتمعي الأمثل لتعليم الناشئة قواعد العيش المشترك وتهيئها لتقاسم مجموعة من القيم مع الآخرين مثل التسامح والتضامن و الاهتمام بالمصلحة العامة” ،لكنه يؤكد أن “لا أحد يملك وصفة نهائية للتربية على التسامح” ،ويتساءل “هل يمكن تلقين قيم التسامح كما تعلم معارف مثل التاريخ والجغرافيا أو الرياضيات؟”.

ثقافة التسامح مهمة كل المؤسسات

وحسب إعلان الدوحة، لم يغفل الحوار تناول دور المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية والثقافية والشبابية في تعزيز ثقافة التسامح ومناهضة خطاب الكراهية والتطرف وتعميم فكرة الحوار الديمقراطي بين الأديان كوسيلة لتعزيز السلام.

أما خوان كارلوس مازيني مدير ادارة العلاقات الدولية بمكتب أمين المظالم بالأرجنتين وفي تصريح لـ”إسلام أون لاين” فينظر إلى المسألة من جانب مختلف ،بالنسبة إليه “دول العالم بحاجة إلى إجراء حوار داخلي بين مؤسساتها قبل التفكير في الحوار ما بين الدول” مشيرا إلى تجربة بلاده في هذا الشأن في خضم أزمة اجتماعية وسياسية هددتها بالعزل وإمكانية نشوب حرب أهلية.

غير أن الجنوح إلى مسالك الحوار سواء كان محليا أو دوليا ،تصطدم أحيانا بأحداث وسلوكات فردية وجماعية تقلب هذا الأساس حيث يقول موسى بريزات رئيس الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومستشار رئيس مفوضية حقوق الإنسان بالمكسيك “إن اصرار صانعي القرار في الغرب على تبرير أعمال مثل الرسوم المسيئة للرسول الكريم و فيلم ” فتنة ” للبرلماني الهولندي جرت فلدرز على أنها ممارسة لحرية التعبير لا ينسجم مع دعوة الإعلان العالمي للدول للالتقاء على فهم مشترك لحقوق الانسان”.

قانون عربي لمنع ازدراء الأديان

وفي هذا الشأن يقول عبدالرحمن آل سعد ممثل وزارة العدل بدولة قطر أن” القانون العربي الاسترشادي لمنع ازدراء الأديان”-وهو فكرة قطرية- “يضع إطارا تشريعيا استرشاديا للدول العربية لمساعدتها في تطوير تشريعاتها الخاصة في مجال منع ازدراء الأديان”. وقال إن هذا القانون “يشتمل على ثلاثة فصول تحتوي على أحكام عامة تكرس الحفاظ وكفالة قيم ومبادئ حقوق الإنسان ومن بينها حرية واحترام الأديان والحفاظ على حرية التعبير غير المسيء ونشر ثقافة الحوار والتسامح بالإضافة لأحكام أخرى تجرم الأفعال التي من شأنها الإساءة إلى الأديان السماوية والتعدي عليها”.

وعموما فإن معركة مكافحة خطاب الكراهية والتطرف وازدراء الأديان معركة طويلة وتحتاج إلى جهد وصبر وتعاون وحوار وتجديد للخطاب الديني خاصة مع افتقاد رجال الدين في جميع الأديان للمعنى الحقيقي لمهامهم كدعاة لنبذ العنف والتطرف ،ما أدى إلى ظهور جماعات متطرفة قويت في الفكر والسلوك. وعليه فالعالم بحاجة إلى صياغة خطاب بديل لخطاب الكراهية ووضع وصفة دولية محددة المعالم للوقاية من نزعات الكراهية والفكر المتطرف. ربما استطاع مؤتمر الدوحة أن يصف جزءا من العلاج ،إلا أن الأمر بحاجة ماسة إلى مضادات حيوية عابرة للقارات تخلص هذا الكون من أمراض البشر وشرورهم.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة