شريعة

فلسطين .. واستدعاء النصوص

Feature image

في غمرة الأحداث الساخنة التي تعيشها الأرض المقدسة ، كثيرا ما نستدعي – نحن معاشر المسلمين والعرب – ونستحضر النصوص القرآنية الحكيمة ونستشهد بالأحاديث الشريفة المتحدثة عن الديار المقدسة ، بهدف الدفع نحو رفع الهمم في زمن الهزائم ، وتجديد ثقة الأمة بمجدها وقدراتها وطاقاتها و رجالاتها و شبابها ، والثقة بنصر الله وتمكينه .

وهذه النصوص يمكن تقسيمها – بالإجمال – إلى قسمين :

الأول : النصوص التي تتحدث عن أشراط الساعة وأحداث آخر الزمان ، وما سيحصل من تحرير الأرض المباركة ودحر المحتل وقتال يهود وقتلهم، كحديث : عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ( لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله) ، وزاد مسلم : (إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود) ؛ متفق عليه. وكذا أحاديث الدجال وقتله على تراب فلسطين ، مثل الحديث : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ” ينزل ( الدجال ) بهذه السبخة بمر قناة فيكون أكثر من يخرج إليه النساء ،حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه و إلى أمه و ابنته و أخته و عمته : ( يوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه ) ، ثم يسلط الله المسلمين عليه فيقتلونه و يقتلون ( شيعته ) ، حتى إن اليهودي ليختبئ تحت شجرة أو حجر فيقول الحجر أو الشجرة للمسلم :هذا يهودي تحتي فاقتله ” .رواه أحمد في مسنده .و رواه ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه . وغيرها الكثير من النصوص .

ما دامت القضية من أشراط الساعة وعلامات آخر الزمان ، فربما يفهم الكثيرون أن لا أمل لهم في تغيير الواقع الحالي والتأثير فيه وإحداث فعل إيجابي نحو قضيتهم ، وكل ما عليهم فعله هو ترقب أشراط الساعة ومجيء علاماتها ليتحقق لهم النصر والتحرير

الثاني : النصوص المتحدثة عن سنن النصر وأسباب القوة والتمكين ، و عاقبة الصابرين والمجاهدين والمرابطين وأولياء الله وأصفيائه ووعده لهم بالاستخلاف والنصر والظفر . ومنها : (الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم ) آل عمران:173ـ174

وقوله ( فَانتَقَمْنَــا مِنَ الَّذِيــنَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ). الروم : 47 وقوله ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ) النور : 55 . وكذا ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) غافر : 51 . والكثير الكثير غيرها المبثوثة في كتاب الله والحديث الشريف .

و أخشى ما أخشاه أن يعتري الاستدلال بالنوع الأول من النصوص والشواهد شيء من التخدير للناس والركون والانتظار لتحقق وعد الله الآتي لا محالة ، فما دامت القضية من أشراط الساعة وعلامات آخر الزمان ، فربما يفهم الكثيرون أن لا أمل لهم في تغيير الواقع الحالي والتأثير فيه وإحداث فعل إيجابي نحو قضيتهم ، وكل ما عليهم فعله هو ترقب أشراط الساعة ومجيء علاماتها ليتحقق لهم النصر والتحرير !!.

والمطلوب أثناء الاستدلال بهذا النوع من النصوص التنويه على هذه القضية ، وتنبيه عموم المسلمين وعوامهم أن لا يكونوا سلبيين ، وطرح خطط ومبادرات تؤدي لتحقيق وعد الله الآتي وتصب في مشروع التحرير والنصر . هذا أمر بالغ الأهمية .

أما عن النوع الثاني من النصوص والاستدلال بها : فقد يكون هناك إشكاليتين في تنزيل هكذا نصوص على واقع الناس ، الأولى منهما : أن لا أحد يستطيع الجزم – إلا من فتح الله عليه من أهل العلم وهم ندرة لا يكاد الزمان يجود بهم – بانطباق هذا الشاهد أو النص وما ينطوي عليه من معان ودلالات ووعود على واقع بعينه أو فئة محددة من المسلمين ، فالأمر جد صعب وعويص !.

فمثلا الآية آنفة الذكر وهي قوله ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ..) النور 55.هل يستطيع أحد الجزم بأننا معاشر المسلمين – أو بعضا منا في بقعة من الأرض – حققنا مقدمة الآية ، والمتمثلة : بالإيمان الصادق النقي المشفوع بالعمل الصالح بشموليته ، حتى نحظى بالنتيجة ونكسب وعد الله المتمثل : بالاستخلاف والتمكين في الأرض ..؟! وهكذا بقية النصوص .

الإشكالية الثانية : أن الشواهد السابقة وغيرها لم تنص صراحة على سرعة إنجاز وعد الله للمؤمنين والصابرين المجاهدين متى ما حققوا الشرط ، فمن يدري متى يأتي النصر حتى مع استحقاقه ؟! مع مراعاة أن الأزمنة في عمر الأمم والشعوب متخلفة عنها في حق الأفراد .

وقد نصت شواهد قرآنية على هذه القضية – أقصد استبطاء نصر الله مع تحقق الشرط ، لاعتبارات كثيرة منها : كسنة الابتلاء والتمحيص للأمم والشعوب مثلا – ، حيث قال ربنا سبحانه ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) البقرة : 214 .

المطلوب أثناء الاستدلال تنبيه عموم المسلمين وعوامهم أن لا يكونوا سلبيين وطرح خطط ومبادرات تؤدي لتحقيق وعد الله الآتي وتصب في مشروع التحرير والنصر

فرغم وجود النبي الكريم بينهم ، والفئة مؤمنة كما نص القرآن ، وامتحنوا امتحانا شديدا ، وابتلوا في دينهم وعقيدتهم ، إلا أنهم استبطؤوا النصر وصرحوا بذلك علنا ؟! فماذا عن أمتنا ؟!

جاء في حديث أبي رزين : ”  عجب ربك من قنوط عباده ، وقرب غيثه فينظر إليهم قنطين ، فيظل يضحك ، يعلم أن فرجهم قريب الحديث . (المعجم الكبير : باب اللام . وسنن ابن ماجه : المقدم)

فالأمر بحاجة إلى فقه وحكمة ، والتعامل مع النص الشرعي له منهجيته الخاصة يعرفها أهل التفسير وذوو الاختصاص و الراسخون في العلم .

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة