كتب

”روح الثورات ..” معقدة ومحكومة بعواطف الجماعات

28 ديسمبر, 2015

3
مشاركة

يبدأ غوستاف لوبون كتابه “روح الثورات والثورة الفرنسية” بمقدمة يؤكد فيها أن الثورات لا يمكن تفسيرها بالمنطق العقلي وحده ، ذلك أن هذا المنطق هو بالأساس ضعيف التأثير في تكوينها ، وأنه الى جانب هذا المنطق هناك المنطق الديني ومنطق الجماعات اللذان يستحوذان على العقول ويسيرانها، وهي مجتمعة قد تشكل ما يشبه المعتقد الذي يسكن نفوس الناس ويقودهم .
غوستاف لوبون الفرنسي (1841-1931)، هو واحد من أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين كتبوا في حقول معرفية مختلفة كعلم النّفس الاجتماعي، والفلسفة والتّاريخ والأنثروبولوجيا، وله مؤلفات عديدة تناولت الحضارة العربية بقدر كبير من الإنصاف ،ومؤلفات أخرى حظيت بشهرة واسعة مثل “سيكولوجيا الجماهير” و”روح الاجتماع” و”روح السياسة” ، و”السنن النفسية لتطور الأمم”، وغيرها الكثير.
وفي كتابه “روح الثورات والثورة الفرنسية ” الذي طبعت ترجمته العربية لمرات عدة ، يقدم لوبون تحليلا عاما نفسيا واجتماعيا للمحركات الاساسية للثوارت ، ويتخذ من الثورة الفرنسية نموذجا لهذا التحليل، دون أن يغرق في تفاصيل السرد التاريخي لأحداثها .
يقسم لوبون كتابه إلى ثلاثة أجزء هي؛ روح الثورات، والثورة الفرنسية، ونشوء المبادء الثورية في الوقت الحاضر.
وفي الجزء الاول من الكتاب ، يقسم لوبون الثورات الى علمية ، وسياسية ، ودينية . ويقول أن” الثورة، مهما كان مصدرها، لا تصبح ذات نتائج إلا بعد هبوطها إلى روح الجماعات ، فالجماعة تتم الثورة ولا تكون مصدرها، وهي لا تقدر على شيء ولا تريد شيئا ان لم يكن عليها رئيس يقودها “.
ويؤكد لوبون ان الثورة السياسية قد” تنشأ عن معتقدات تأصلت في النفوس لكنها قد تشأ عن اسباب أخرى تجمعها كلمة استياء”، مشيرا الى أن الأمم الأكثر محافظة هي التي تأتي بأشد الثورات، ذلك أن عدم تحولها ببطىء لتلائم تقلب البيئات يجعلها مكرهة على ملائمتها بغتة بالثورة ، بحسب لوبون..

يقول لوبون ان المنتصر في الثورة السياسية ينظم المجتمع وفْقَ مصالحه ومصالح جماعته ، وهنا يبدأ الصراع عندما يلجأ المنتصر الى تقويض القديم واضطهاد عناصره

ويقول لوبون ان المنتصر في الثورة السياسية ينظم المجتمع وفْقَ مصالحه ومصالح جماعته ، وهنا يبدأ الصراع عندما يلجأ المنتصر الى تقويض القديم واضطهاد عناصره .
التي تخدم جماعته، وهذا هو منشأ الصّراع ومنطلقه، حين يبدأ النّظام المنتصر بتقويض القديم، واضطهاد عناصره.
من جهة أخرى يبين لوبون أنه قد ينشأ عن الثورات السياسية انقلابات اجتماعية عظيمة الشأن ، لكن هذه الانقلابات تظل ضعيفة إذا ما قورنت بالانقلابات التي تنشأ عن الثورة الدينية..
يرى لوبون أن الشعوب لا تدرك مغزى الثورات ، وفي الغالب فان زعماء هذه الثورات هم من يحركونها.، ويضيف أن الثورة يسهل وقوعها اذا كان زعماؤها من اصحاب النفوذ ، وأما مبادىء الثورة فلا تدخل في قلب الشعب الا بالتدريج، فعلى حد زعمه يقوم الشعب بالثورة من غير أن يعلم سببها !
وتحت عنوان “النفسية التي تسود الثورة”، يعرض لوبون لما يعتبره العناصر العاطفية التي يساعد انتشارها أيام الثورات على تغيير شخصيات الافراد والجماعات ومنها : الحقد ، والخوف ، والحرص، والحسد، والزهو، والحماسة، مؤكدا أن تأثير هذه العناصر قد لوحظ في انقلابات التاريخ كلها ، ولا سيما الثورة الفرنسية..
ويشير لوبون إلى أن ثمة خصائص تميز روح الجماعات في الثورات ، التي تسود وتتغلب على الخصائص الفردية للأشخاص .يقول: الإنسان، وهو جزء من الجماعة، يهبط كثيرًا من سلم الحضارة، فتصدر عنه عيوب الشراسة ومزاياها، أيْ أنواع الظلم والاستبداد وأنواع الحماسة والبطولة، فالجماعة وإن كانت من الجهة العقلية أدنى من الرّجل المنفرد قد تكون أسمى منه شعورًا وخلقا،ويسهل عليها أن تقترف إثما كما يسهل عليها أن تضحي بنفسها.
ورغم أن لوبون لا ينكر “ما جادت به الثورة الفرنسية على حقوق الامم” يرى أنها لم تكن “غير تصادم قوى نفسية تخلصت من القيود الزاجرة لها ، وقد نشأ عن هذا تصادم هذه القوى النفسية التي هي الغرائز الشعبية والمؤثرات الإرثية والمطامع .. تضريج فرنسا بالدماء وإشرافها على الدمار”.

قد لا يكون كتاب لوبون هذا مناسبا بما يكفي لقراءة أو تحليل أوضاع وظروف الثورات التي يشهدها العالم العربي في السنوات الاخيرة لكنه بالتأكيد يساعد في فهم الكثير عن كيف تشتبك العوامل الفردية والجماعية في تشكيل حراك اجتماعي ما أو حتى ثوري .

ويوضح لوبون ان مبادىء الثورة الفرنسية لم تكن تحتاج لتطبيقها استمرار الثورة لاكثر من أشهر معدودة لكن الثورة استمرت 10 سنين بسبب ما رأى مؤرخون متأخرون انه انقضاض فئة قليلة مكروهة على زمام الامور في الجمهورية ، متذرعة بألاف الحيل والوسائل للبقاء في السلطة، ولما صار ذلك متعذرا إلا بالإرهاب أخذت هذه الزمرة تقضي على كل من كانت تظن أنه مخالف لها ولو كان من أشد خدم الثورة الفرنسية إخلاصا.ويرى لوبون أن هذا الوضع لم ينته الا حين ظهر قائد قادر على ارجاع النظام ، ووعد بإقرار ما نشأ عن الثورة الفرنسية من مكاسب أدبية ومادية ، وكان هذا القائد هو نابليون بونابرت .
قد لا يكون كتاب لوبون هذا مناسبا بما يكفي لقراءة أو تحليل أوضاع وظروف الثورات التي يشهدها العالم العربي في السنوات الاخيرة ، نظرا لاختلاف المرحلة الزمنية التي يعالجها الكتاب ، واختلاف الشروط الاجتماعية والثقافية السائدة في كل منهما ، لكنه بالتأكيد يساعد في فهم الكثير عن كيف تشتبك العوامل الفردية والجماعية في تشكيل حراك اجتماعي ما أو حتى ثوري .

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2015