كتب

الهيمنة الأميركية تعيد إنتاج نفسها

15 Feb, 2016

9
مشاركة

يبدأ بشير عبدالفتاح كتابه”تجديد الهيمنة الاميركية” بالحديث عن أزمة هذه الهيمنة التي يبدو أن ركائزها ليست قوية أو صلبة بشكل مطلق، ما يفرض عليها دائما المرور بمراحل صعود وهبوط مختلفة.

ويرى عبدالفتاح أن الرغبة في التصدي لسياسات الهيمنة الاميركية لم تقتصر على الأصوات القادمة من خارج الولايات المتحدة ، فثمة من يرى داخل البلاد أن “نزوع الولايات المتحدة المستمر نحو الهيمنة على العالم، وسعيها المحموم لبسط سلطانها عليه، وإصرارها على التدخل في شؤون دوله، وشن الحملات العسكرية ضد المارقين والمعارضين لتلك التوجهات الأميركية، إنما يشكل ضغوطا هائلة على الولايات المتحدة وشعبها، على نحو قد يضر بمصالحهاالمستقبلية، لا سيما وأن تلك الضغوط تتضمن بين ثناياها أعباء اقتصادية وسياسية وأخلاقية ..”.

اهتزاز الركائز

ويقول عبدالفتاح أن الإخفاق العسكري الأميركي في مناطق مختلفة، مثل أفغانستان والعراق جعل الولايات المتحدة تتراجع عن التشبث بفكرة الهيمنة على العالم، “بسبب كلفتها الهائلة” التي لا يرغب الشعب الأميركي بتحمل عبئها. وفي هذا السياق يورد عبدالفتاح رأيا ل “ريتشارد هاس”، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية في الإدارة الأميركية يقول فيه “إن عصر السيطرة الأميركية على الشرق الأوسط قد ولّى، وبدأ عصر جديد في تاريخ المنطقة المعاصر، عصر سيساهم فيه لاعبون جدد وقوى جديدة متنافسة. ذلك أن الولايات المتحدة سوف تظل تتمتع بنفوذ يفوق نفوذ أية قوة خارجية أخرى في المنطقة. لكن نفوذها سيكون أقل بكثير مما كان عليه.”.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأخيرة بين الدول الصناعية من حيث الاستثمار الفاعل في التعليم

يشير عبدالفتاح أيضا إلى تصريحات مسؤولين أميركين تؤكد تراجع الولايات المتحدة عن موقع الريادة الذي احتلته طويلا في العلم والتكنولوجيا، إلى الحد الذي دفع البعض للقول أنها تعاني “تخلفا تكنولوجيا” مقارنة بمنافسيها.
“وقد تمثلت أبرز مؤشرات تراجع الريادة العلمية الأميركية في تدهور النظام التعليمي ..، والذي يقول عنه الخبراء إنه في خطر حقيقي، فقد احتلت الولايات المتحدة المرتبة السابعة عشرة بين الدول الصناعية الكبرى من حيث الإنفاق على التعليم، بالإضافة إلى مشاكل أخرى لا تقل خطورة، مثل انتشار العنف والمخدرات في المدارس، كما تراجع مستوى تحصيل الطلاب في الرياضيات والعلوم الطبيعية إلى مراحل متأخرة، و احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأخيرة بين الدول الصناعية من حيث الاستثمار الفاعل في التعليم”.

فضلا عن ذلك، يؤكد عبد الفتاح أن الركيزة الاقتصادية التي تمثل أهم ركائز مشروع الهيمنة الأميركي، أحاطت بها خلال العقود الأخيرة مشاكل عديدة، كان أبرزها الإنفاق العسكري الكبير، جراء التدخلات الخارجية، بالإضافة إلى حالة من الركود الاقتصادي العام.
ويقول”بحسب دراسة أميركية فإن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على أن تعيش على نشاطها الاقتصادي الخاص، فحتى تحافظ على مستواها الحالي من الاستهلاك تتلقى دعما خارجيا يصل إلى 1400 مليون دولار يوميا، في شكل مشتريات أجنبية لسندات الخزينة الأميركية، للصين منها نصيب متزايد”.

ترميم ونقد ذاتي

ورغم ذلك، يقول عبدالفتاح في الفصل الثاني من كتابه أن هيمنة الولايات المتحدة قد لا تكون في طريقها إلى الأفول، كما يتوقع البعض. ذلك أن أميركا عمدت بالفعل إلى “ترميم بنيان هيمنتها.. من خلال الشروع في عملية نقاش استراتيجي ومصارحة لا تخلو من مراجعة لركائز تلك الهيمنة وأغراضها ..”. فقامت بما يمكن تسميته “ترشيد الفكر الاستراتيجي” حيث تم تحويل الاهتمام الأميركي إلى “أهداف استراتيجية جديدة مغايرة لاستراتيجية الانغماس الهائل في بناء التفوق العسكري.. وأصبح التخطيط الاستراتيجي يركز على التحول العسكري الاميركي بما يسمح بالحفاظ على هامش مقبول من التفوق العسكري.” مع الميل أكثر إلى “ترشيد وتقنين عمليات اللجوء لاستخدام القوة أو فرض العقوبات على الدول التي تعتبرها واشنطن مناهضة لها، فيما تعمد إلى دعم علاقات التحالف الاستراتيجية مع أعداد متزايدة من الدول الكبرى والقوى الفاعلة حول العالم بدلا من استفزازها واستعدائها.”

ويستعرض عبدالفتاح أبرز نتائج النقاشات والتوصيات التي خرجت عن الدوائر الاستراتيجية والأوساط السياسية الاميركية، في إطار محاولات النقد الذاتي، والسعي في الوقت نفسه للمحافظة على الهيمنة والتفوق الاميركيين، فيذكر أن أهمها ما دار حول إعادة الاعتبار للقوة الناعمة أو المرنة، التي تتمثل في السياسات الخارجية القائمة على الحوار والتعاون، بالأضافة إلى التركيز على ترويض القوى الدولية الصاعدة بدلا من استعدائها.

الولايات المتحدة عمدت إلى ترميم بنيان هيمنتها عبر نقاش استراتيجي ومراجعة لركائز تلك الهيمنة

وفي هذا السياق يشير عبدالفتاح إلى أن خبراء أميركيين “حذروا من خطورة ذلك النهج الاستعدائي الاميركي للصين ومن تداعياته السلبية .. وطالبوا بمد جسور التفاهم والتنسيق مع الصين وترويضها بغية ترشيد توجهاتها العالمية و الإقليمية، وتقنين تطلعاتها الاستراتيجية على النحو الذي يضخم مكاسب الولايات المتحدة ومشاريعها في القارة الآسيوية ، وغيرها من بقاع العالم “.

هيمنة قسرية أم رضائية 

إضافة إلى “الاقتراحات” السابقة، فإنه يلاحظ أن أنصار الرأي الذي يحض الإدارة الاميركية على “الهيمنةالمقبولة أو الرضائية” في تزايد مستمر. ويوضح عبدالفتاح أن هؤلاء يرون أن الهيمنة القسرية من شأنها أن تولد التمرد والرفض الدوليين لسياسات أمريكا .. ومن هنا جاء التفكير في الهيمنة المقبولة دوليا، التي تحقق الريادة والهيمنة للولايات المتحدة من جانب، وتضمن الخير والاستقرار والسلام للعالم أجمع من جانب آخر.وهو ما لن يتسنى إلا من خلال مشاطرة الولايات المتحدة لدول العالم كافة أزماتها ومساعدتها في التصدي لتلك الأزمات.

ويتوقف عبدالفتاح هنا ليشير إلى أن تطبيق هذه الاستراتيجيات أو بالأحرى قطف ثمارها يتطلب سنوات طويلة، لا يمكن للولايات المتحدة خلالها التخلي عن وسائلها وآلياتها في الإبقاء على هيمنتها القسرية الراهنة على العالم، إلى حين حدوث التحول المرتقب وغير مضمون العواقب من الهيمنة القسرية إلى أخرى رضائية.
ويرى عبدالفتاح أن التردد والتخبط الاميركيين بخصوص كيفية التعاطي مع الريادة والهيمنة الاميركييتين، يبقيان على حالة القلق والغموض الذين يلفان مستقبل تلك الهيمنة، خاصة أن بمقدورهما أن يتقهقرا باستراتيجيات التعاطي مع الهيمنة والمكانة الاميركيتيين الى المربع رقم واحد مرة أخرى، حيث تحري كافة السبل الممكنة للإبقاء عليهما، حتى لو اضطر الأميركيون لانتهاك الشرعية الدولية، واستعداء القوى العالمية الصاعدة، بغرض الحيلولة دون بروز منافس يهدد الانفراد الأميركي بالهيمنة والريادة.

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 17/2019