فكر

تشخيص جذور العنف الديني في الصومال (1-3)

Feature image

لم تكن مسألة القتل والحروب الطاحنة نتيجة تمسك الأمة بتراث معين بقدر ما تعود إلى ظروف سياسية واجتماعية ،و“الأفكار” وإن كانت من أكثر المنتجات القابلة للانتشار، إلا أنها لا يمكن بطبيعة الحال إلا أن تكون تعبيراً عن حاجات وأزمات سياسية وثقافية ومعرفية، وبالتالي فهي لا تأتي بالمطلق من خارج المجتمع أو من خارج التاريخ، فهي لا تهبط من كوكب آخر، ولا تأتي من خارج الزمن ومن الصعب فهم هذه الأفكار من خلال “تنميطها” تحت مسميات معينة ، وقراءتها وتحليلها بمعزل عن حامليها كفاعلين اجتماعيين مما يجنبنا عن فهم كنه الظاهرة وأبعادها.

ومن المعلوم أن الإنسان حين لا يجد أمامه وسيلة أخرى للتعبير عن مطالبه والحصول على حقوقه المشروعة يلجأ إلى استخدام العنف ، وقد يلبسها أي عباءة، فكما لبس الاحتلال الأمريكي عباءة الديمقراطية، ولبست المجازر الفظيعة الأوروبية في القرون الوسطى عباءة السيد المسيح لأن الثقافة السائدة وقتها كانت دينية، وكما لبست الشيوعية التي خلفت أكثر عدد من القتلى في تاريخ البشرية عباءة الحقوق والمستضعفين، لبس التطرف في العالم الاسلامي بما فيها الصومال العباءة الدينية ، ومن عجائب العقل البشري أنه قادرعلى تأويل أي شيء تقريبًا، أي قادرعلى فهم أي شيء كما يريده وليس كما هو فعلًا، كما قال سقراط: نحن نرى الحقيقة كما نحن وليس كما هي .

ويرى واكسن أن أسباب الثورات والعنف السياسي على مستوى العالم هي أسباب الإرهاب نفسها والتي تشمل -حسب رأيه- عوامل الصراع العرقي والصراع الديني والخلاف الأيديولوجي والفقر والضغوط الناتجة عن تحديث المجتمع وغياب العدالة السياسية ونمو جماعات الثورة وضعف الحكومات وعدم الثقة في السلطة السياسية والصراع بين المفكرين والسياسيين. وجميع هذه العوامل تنطلق من تعدد السبب في حدوث الظاهرة الإرهابية في أي مجتمع من المجتمعات.

 التيارات الدينية المتشددة وذات الطابع الهوياتي في العالم، لا تهبط علينا من كوكب آخر، بل هي نبت موضوعي لوقائع ومتغيرات إجتماعية وإقتصادية وثقافية وسياسية

في الصومال حركة الشباب تبرر عنفها بنصوص دينية مجتزأة يتم انتقاؤها بعناية وفق رؤى الحركة ومخططاتها، وفي المقابل خصوم الحركة يفسر ظاهرة الشباب بطريقته ليجعلها ماركة وتهمة جاهزة لخصومه فقط وسط تجاهل تام عن ظروف التغيير والتاريخ ، ودون عناء البحث العلمي والتأمل في الأحداث ، والسبب والمسسب ، فالسلفيون الذين انبثقت منهم حركة الشباب يصفون الشباب بـ “خوارج العصر”يعتمدون على قراءة وسائطية سطحية تعتمد على تفسيرات جاهزة تقارن بين رؤية التوجه المعتدل الوسطي للإسلام، ورؤية التوجه المغالي ،والصوفية وبعض أصحاب التوجه الاخواني يصفون الظاهرة ” بفتنة وهابية” اعتلجت في بيئة سلفية وهابية ليس إلا مع تجاهل تام من نماذج تطرف مماثلة لا تقل خطورة عن التطرف السلفي ظهرت في كلا الجماعتين ، والسياسيون جميعا يَرَوْن بأنها العدو الإستراتيجي للأمة الصومالية ، والمجتمع الدولي كما الإقليمي يري في هذه الحركة مهددا خطيرا للسلم والأمن الإقليميين ، والشعب الصومالي تائه في هذه التفسيرت السطحية المفصولة عن سياقات التطور الاجتماعي والانساني والسياسي للصومال …

وهنا يمكن القول بأنه لا يمكن تشخيص صعود ظاهرة الشباب إلا بتحقيق أمرين: الأول تغليب المقاربة الدينامية للظاهرة، ودراستها في حركتها التاريخية والسياسية والمعرفية، بحيث يمكن لهذه المقاربة أن تقدم فهماً أعمق للمسارات والتطورات والتحولات التي تعرضت لها كتعبيرات سياسية–دينية في علاقتها مع مختلف مكونات الاجتماع السياسي الصومالي ومحيطه. والثاني يتمثل بتحرير المقاربة التحليلية من التنميط المسبق الذي أدى إلى تناولها كظاهرة مفصولة عن سياقات التطور الاجتماعي والانساني والسياسي. ذلك أن اعتماد النظرية المؤامراتية أو المقاربة الأمنية كأساس لتحليل هذه الظاهرة، عدا عن أنه يفرّغ هذه الظاهرة من مضمونها السياسي والفكري، يخرجها عن سياقها الاجتماعي والموضوعي، ويجعل من أي مقاربة تحليلية جدية عقيمة الجدوى أو فقيرة الدلالة.

فقد أصبح من المسلم به في الدراسات السوسيولوجية أن التيارات الدينية المتشددة وذات الطابع الهوياتي في العالم، لا تهبط علينا من كوكب آخر، بل هي نبت موضوعي لوقائع ومتغيرات إجتماعية وإقتصادية وثقافية وسياسية، يتزامن صعودها وظهورها مع تحديات تهدد منظومة القيم وثوابت الموروث الثقافي والتي غالباً ما ينتج عنها “أزمة هوية” وإختلالات تطال مجمل البنى ومنظومة قيمها. وغالباً ما يتم التعبير عنها بصيغ متعددة منها الخوف من المستقبل ورفض الحاضر والهروب للماضي طلباً للنجا ة . وهنا تحاول هذه الورقة رصد أهم العوامل المؤثرة في ظاهرة العنف المسلح في بلدنا الذي يتلبس بالعباءة الدينية وفهم وتفهم جذور الظاهرة والأسباب الحقيقية لنشوئها وصعودها وتفاقهما بنظرة تكاملية لا اختزالية .

عوامل الظهور: هناك أكثر من عامل داخلي وخارجي يؤثر في ظاهرة الإرهاب الإسلامي في بلدنا ومنها :

 

الاستبداد وفشل الدولة المدنية

 الشعب الصومالي فشل في إدارة دولته الحديثة بعد الاستقلال بسبب المحاصصة القبلية التي بنيت عليها الدولة وغلبة التعصب القبلي على التعصب الوطني مما أجهض التجربة الديمقراطية في عقدها الأول وأدخل البلد في متاهات انقلاب العسكر الذي فرض أيدلوجية شيوعية تعادي الدين والتقاليد السائدة وذبح العلماء مجرد رفضهم لقانون الأسرة وزج الباقين في السجون ، وكذلك كل المعارضين لحكم العسكر مما خلق جوا من الاحتقان والإحباط في صفوف الشباب الطامح وأرجع البلد القهقهرى إلى أشد عصوره ظلامية من حيث كبت الحريات ، واضطهاد المعارضة واستهتار عقيدة الشعب الصومالي ، ولهذا ترى فلورنسا سيسيرو أن الأخذ بالاشتراكية العلمية على غرار اللينينية أجج صراع القيم بين الإسلام والشيوعية والإلحاد والثقافة الصومالية .

فقد عمل رموز الاسلاميين بخفاء وتحالفوا مع الجبهات القبلية المسلحة ضد الحكومة وكانوا يبررون مواجهة الحكومة عسكريا من منطلق ديني كونه عادى الشريعة وقمع الدعوة ، وفي ظل هذه البيئة المحتقنة تشكل جيل كامل من الإسلاميين يحملون فكرا ثوريا ومظلومية كدفع ذاتي للثأر والتضحية.

 

القبلية ونشوب الحرب الأهلية

القبلية برزت كمعضلة لبناء الدولة العصرية بعد الاستقلال مباشرة حيث تم بناء الدولة على المحاصصة القبلية ، والقبيلة في الصومال كيان معقد وليس ظاهرة اجتماعية كما في بعض الدراسات ، لأن القبيلة في الصومال تعبر عن الفرد حيث يتم تغييبه في منظومتها بشكل قهري ، والدولة في المفهوم الحديث تتأسس علي الأفراد الأحرار من القيود غير القانونية ، ومن هنا كان التصادم مبكرا في الصومال وأخواتها ما بين الدولة كمؤسسة جامعة ، والقبيلة ككيان معقد يحاول ان يكون بديلا عن الدولة وما زال ، ولأجل هذا كادت الدولة تسقط في الفشل لولا الانقلاب العسكري الذي أطاح برموز النظام السياسي السابق مما أعاد للناس بعض الفرح الذي أحسوه غداة الاستقلال.

الشعب الصومالي فشل في إدارة دولته الحديثة بعد الاستقلال بسبب المحاصصة القبلية

وبعد انهيار الدولة عام 1991، دخل البلد في متاهات الحروب القبلية الطاحنة وعاد البلد إلى أوضاع ما قبل الدولة التي وصفها الفيلسوف هوبز بأنها ” عدم وجود فنون أو آداب أو مجتمع …وهي أوضاع يسودها الخوف المستمر من الموت بأعمال العنف وخطر ذلك الدائم “. وتشكل ثوار الاسلاميين تحت عباة الاتحاد الاسلامي التي كانت محظورة أيام سياد برى وكانت تسعى إلى اقامة الدولة الاسلامية المنشودة من خلال الجهاد الذي يتطلب الاستعداد والتدريب وتهيئة المناخ ، ومن معسكرات حركة الاتحاد وحروبها المتكررة مع القبائل وأمراء الحرب خرج جيل شبابي يعشق استخدام العنف ويتمرد على القبيلة ووطموحاتها ويحلم باقامة الدولة الاسلامية على أنقاض الدولة العلمانية ، فقدأسهمت إطالة أمد الفوضى وغياب الدولة الوطنية ، إضافة إلى فشل كل محاولات بناء الدولة الوطنية إلى نشوء ردة فعل قوية وخلق حواضن اجتماعية واسعة للفكر الجهادي المتطرف .


هذه المقالة تتبع سلسلة " تشخيص جذور العنف الديني في الصومال"

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة