فكر

تشخيص جذور العنف الديني في الصومال (3-3)

مقترحات لمعالجة المشكلة

Feature image

يقال عن نظرية النسبية لآينشتين: إن الشيء الوحيد الذي يجعلها صعبة الفهم هي سهولتها !

عندما ننظر إلى ظاهرة التطرف أو العنف أو ما يسمى الإرهاب تبدو سهلة ممتنعة، تبدو سهلة من حيث دلالتها اللغوية، صعبة عند التفكير في الدوافع المؤدية إليها، وممتنعة عندما نريد التوقي منها وإبصار سبل العلاج والحلول. وما لم يتم التعامل مع الأسباب الكامنة وراء الظاهرة ستبقى كل الحلول إلى مسكنات لظواهر المشكلة وإنه من الممكن ارتكاب الحماقات أكثر وتسبب مزيد من التطرف والارهاب .

وهنا بعض المقترحات للتعامل مع الظاهرة :

– تحقيق العدالة الانتقالية من خلال رد المظالم لأهلها وإزالة الأحقاد بين المكونات الشعبية وذلك أن بعض الشباب في الجنوب اعتنقوا رسالة التطرف بسبب الظلم والتهميش التي طالتهم في أيدي شخصيات منتمين للعشائر المتنقذة ،وهناك شكاوي في بيوت وأراضي زراعية وغيرها من ممتلكات .

– إن التعامل مع ظاهرة التطرف المسلح في الصومال يجب أن يكون منطلقا من تحليل أمين لمحاضن التطرف ونطاقه من خلال التعرف على العوامل التي دفعت الشباب إلى حمل السلاح ضد إخوته في الدين والنسب . فإذا كان محضن هذا التطرف يعود إلى تفشي بطالة الشباب يجب البحث عن سبل تحسين سبل المعيشة وخلق فرص عمل للشباب، وإذا كان عائدا للشعور بالتهميش والظلم يجب إزالة الظلم وردّ المظالم إلى أهلها ، وإذا كان عائدا لخلل فكري يجب المناصحة وفتح قنوات النقاش مع المغرر بهم ، وإذا كان عائدا لرفض النظام القائم لكونه لا يطبق الشريعة ويعادي الإسلام ، يجب على الحكومة إزالة هذه الإشكالية بتني الشريعة كالمصدر الوحيد للتشريع وتكميل تطبيق الشريعة لأن كثيرا من مطالب المتطرفين في العالم الإسلامي تتمحور حول تبني الشريعة كحاكمة وليست محكومة.

انتهاك سيادة البلد ونهب ثراواته البحرية والبرية تدفع الشباب الغيور إلى براثن التطرف

– تصحيح الأوضاع السياسية وفسح المجال القانوني لكل القوى السياسية المتوفرة في الفضاء الصومالي لكي تمارس دورها وتتكيف مع البيئة السياسية الوطنية . وهذا ما يدفعنا إلى القول أنه لا خيار أفضل من خيار الاعتراف بأي حزب سياسي ينشأه شخصية مثل حسن طاهر أويس أو محمد سعيد أتام أو غيرهم من رموز التطرف إذا راجعوا أفكارهم بجدية وعبروا عن توبة نصوحة من ممارسات العنف. ودون ذلك يعني المزيد من الاحتقانات والتوترات والحروب الداخلية التي لا رابح فيها ، لأنها ستدمر الجميع ، وستعرض كل مكاسب الوطن إلى الإندثار والضياع .

– التعامل بالواقعية عند النقاش الديني مع الشباب المتطرف من خلال إقرار الأخطاء الموجودة والتي ترتكبها الإدارات الحالية في الصومال ولكن في نفس الوقت يتم إقناعهم بأن وسيلة التغيير التي اختاروها ليست صائبة ولم تزد الظالمين إلا قوة وإصرارا في حين لو التف الشباب حول العلماء والمثقفين وأصحاب الرأي والمشورة لكان بإمكانهم تغييرالكثير لصالح الأمة . كما أن مسألة وجود قوات اجنبية في الساحة تحتاج نوعا من الحل المنطقي وتقديم ضمانات لإخراجهم فورا حتى لا يعطي الذريعة للتمرد المسلح ضد الحكومة.

– محاربة ظاهرة الفساد المتفشي لما يسببه من اختلالات اقتصادية واجتماعية، لا سيما أن قناعة تسود لدى أوساط شعبية واسعة بأن الفساد واستغلال المناصب والمواقع للإثراء غير المشروع هي التي تقف وراء ما تتمتع به نخبة مهيمنة محدودة من مكتسبات.

– ضرورة وجود تعاون مجتمعي دولي وإقامة أسس الحكم الديمقراطي وحكم الأغلبية من خلال مؤسسات دستورية وقيام دولة القانون إضافة إلى احترام حقوق الإنسان الأساسية وحمايتها وضمانها .. وإشاعة حرية التفكير والوقوف ضد سياسة التمييز القبلي وضرورة إيجاد قواعد للتداول السلمي للسلطة والانتقال من العملية السياسية المبنية على المحاصاصة القبلية إلى عملية ديمقراطية سلسة .

– الحدّ من التدخلات الأجنبية في الشوؤون الصومالية وحفاظ سيادة الصومال ووحدة أراضيها مع العمل على إعادة بناء جيش وطني قوي يتولى مهام الأمن وحراسة الحدود البرية والبحرية والجوية للصومال ، لأن حالة الراهنة من انتهاك سيادة البلد ونهب ثراواته البحرية والبرية تدفع الشباب الغيور إلى براثن التطرف .

– التركيز على تنمية الشباب من خلال وضع هدف في الحياة يناسب قدراتهم، وصنع خطة توصلهم للأهداف، والتخطيط الجيد، وزيادة المهارات التي تعطي وتثمر، أما التخدير النفسي فهو من المهازل، وبعض يندفع نحو العنف والتطرف سبب اليأس والإحباط.

تفشي الجهل وقلة بضاعة الشباب حول دينهم تجعلهم فريسة سهلة لاعتناق أفكار التطرف

– الاستفادة من استراتيجية المناصحة ووإعادة التأهيل السعودي لمكافحة الرهاب وغيره من التجارب العالمية التي وظفت القوة الناعمة في التعامل مع الارهاب.

– فتح وتأسيس مزيد من المدارس الدينية المتخصصة أو المراكز العلمية التي تستلهم أساليب طرق الصوفية القديمة من حيث سهولة التعليم والكفالة الاجتماعية بمعنى أن تفشي الجهل وقلة بضاعة الشباب حول دينهم تجعلهم فريسة سهلة لاعتناق أفكار التطرف ، وهذا ملاحظ من تركيبة مجندي حركة الشباب الذين قلما تجدهم مختصين في الشريعة بقدر ما تستحوذ الشرائح الشبابية الأخرى الذين يعانون من الفقر في الدراسات الشرعية وهذا ما يدعوه صاحب كتاب “إدارة التوحش ” يعني تجنيد الشباب غير المنتمي للحركة الإسلامية أو المراكز العلمية كونهم لم يتعرضوا لشبهات حسب زعمه قائلا : “على فرض أننا نحتاج لمعركتنا الطويلة حتى تنتهي كما نريد – بإذن الله – نصف مليون مجاهد – افتراضاً – فإن إمكانية ضم هذا العدد من أمة المليار أسهل من ضمهم من شباب الحركة الإسلامية الملوث بشبهات مشايخ السوء ، فشباب الأمة على ما فيهم من معاصٍ أقرب للفطرة ، وخبرات العقود السابقة أثبتت لنا ذلك ، أما الأحداث الأخيرة فقد وضح للجميع أن العامي بفطرته تفاعل معها أفضل بمراحل من قَعَدَة الجماعات الإسلامية الذين سلموا دينهم لأحبار ورهبان السوء”.

 

الخلاصة

إن التطرف رد فعل على تطرف آخر. فالعنف لا يولد إلا عنفاً مضاد، وسرعان ما يتحول الأمر إلى حلقة مفرغة لا نهاية لها . إن معالجة العنف الديني في الصومال لا تكفي معها الحلول الأمنية فقط، وإنما تحتاج إلى حزمة من الإصلاحات البنيوية العميقة الاجتماعية- الاقتصادية والسياسية والثقافية وتحقيق العدالة الاجتماعية، بشكل متوازن، في مجتمع يتسم ببنية عشائرية معقدة، ومحاربة الفساد المتفشي، وخاصة ما يتعلق بالمعونات الدولية وعائدات الجمركيات والضرائب والمناقصات ، وإعلاء قيم المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان، والابتعاد كليا عن توظيف النزاعات القبلية لأغراض سياسية.


هذه المقالة تتبع سلسلة " تشخيص جذور العنف الديني في الصومال"

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة