فكر

الأسرى الفلسطينيون يكسرون قيود الإحتلال بالشهادات الجامعية

Feature image

 

” كل مخططات إدارة مصلحة السجون  الإسرائيلية لتحطيم إرادة الأسرى الفلسطينيين ، وتحويلهم إلى عبء يثقل كاهل المجتمع بعد تحريرهم باءت بالفشل” بل إن معظم الأسرى استطاعوا “أن يبنوا ذواتهم ثقافياً وأكاديمياً ، وخرجوا من السجون والمعتقلات كوادر تمتلك تجربة نضالية أكبر ، وقادة سياسيين وعسكريين فهموا حقيقة عدوهم بعمق أكثر ،وشاركوا بعد تحررهم فى مجتمعاتهم كخبراء ومختصين، وكتاب وأدباء وصحفيين، فانخرطوا فى المؤسسات الرسمية والأهلية والفصائل الوطنية “. هذا هو ملخص نتائج دراسة للباحث الفلسطيني رأفت خليل حمدونه ، نشر جزء منها على الموقع الإلكتروني لمركز الأسرى للدراسات في فلسطين.

يتناول الباحث فى هذه الدراسة الرحلة النضالية التى يعيشها الأسرى الفلسطينيون للحصول على  الحد الأدنى من المتطلبات والاحتياجات التعليمية، وصولاً للانتساب للجامعات الفلسطينية والعربية والدولية، مستعرضا في الوقت نفسه محاولات الاحتلال الإسرائيلي المتكررة لإحباط هذا التوجه وعرقلة جهود الأسرى في استغلال فترات الاعتقال الطويلة بشكل منتج يخدم قضيتهم.

يقول الباحث إن إسرائيل منعت مرارا إدخال الكتب التعليمية، ورفضت توفير القاعات والصفوف الدراسية ، وعاقبت من يقومون بتقديم الدروس والمحاضرات. وبالرغم من الظروف القاسية والمضايقات المريرة فى السجون ، نجح الأسرى ، تدريجياً وبشكل تراكمى فى تحويل السجون والمعتقلات الإسرائيلية من محنة إلى منحة يستفاد منها ، وجعلوا من سجونهم مدارس وجامعات فكرية متعددة ومتنوعة ، خرجت أجيالاً متعاقبة من المتعلمين والمثقفين ومن حفظة القرآن والمبدعين .

من الأمية إلى الدكتوراة

اعتقل فى السجون الإسرائيلية ما يقارب من المليون شخص من كل شرائح المجتمع الفلسطينى، ابتداء من حملة الشهادات العليا والمثقفين والأكاديميين والموظفين ، وصولا إلى الفلاحين والصيادين ورعاة الأغنام و ربات البيوت والقاصرات ، ممن يحتاجون لتعليم أساسي، ما دفع اللجان الثقافية فى السجون لتكليف الكوادر المتعلمة ذات القدرة والكفاءة بتدريس هؤلاء ، حتى تمكنت الحركة الأسيرة من القضاء على الأمية بين الأسرى، وهنالك نماذج إبداعية مرت بتلك المرحلة وكان لها الأثر الكبير فى قضية الأسرى بعد التحرر أمثال مدير عام مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة فى جامعة القدس – أبو ديس الدكتور فهد أبو الحاج الذى دخل السجن أمياً ، وانتهى به الأمر متحصلا على  درجة الدكتوراة .

 التعلم فى الجامعة المفتوحة فى إسرائيل دفع الأسرى لتعلم اللغتين العبرية والإنجليزية وحول الأسرى بعد تحررهم إلى خبراء فى الشأن الاسرائيلي

بدأ تقديم امتحان الثانوية العامة ” التوجيهى ” فى بعض السجون فى العام 1971 ،  لكن التضييقات الإسرائيلية ظلت متواصلة لتعطيل هذا الحق ، وكان أقربها ما حدث في العام 2009  عندما أوقفت العملية التعليمية ،إلا أن الأطراف الثلاثة الرئيسية ( الأسرى وهيئة شؤون الأسرى والمحررين ووزارة التربية والتعليم العالي ) نجحت في تجاوز المنع الإسرائيلي ، بما لا يتعارض والنظام التعليمي في فلسطين ، فاتفقت على نظام يضمن التعليم ، ومصداقية وشفافية الامتحانات برقابة مشرفين أكفاء من الأسرى، تقوم  وزارة التربية والتعليم العالي باعتمادهم كلجنة امتحانات مهمتها اعداد وتجهيز الامتحانات والتصليح والمراقبة ووضع العلامات والنتائج. وفى العام 2015 تقدم للامتحانات (962) طالب أسير نجح منهم (665) من ضمنهم 30 أسيراً من أصل 58 من أسرى قطاع غزة .

الجامعة العبرية

وتطلع الأسرى بالكثير من الشغف والطموح لتحقيق مطلب الانتساب والتعليم فى الجامعات ، وكانوا على استعداد للدخول فى أكثر المعارك شراسة مع المحتل ، وكانت المعركة الأقوى بالاضراب المفتوح عن الطعام فى 27/9/1992 ، وفى نهاية المطاف وبعد رفض قاطع من قبل إدارة السجون كان هنالك حل وسط بالسماح للأسرى بالانتساب إلى الجامعة المفتوحة فى اسرائيل.

اعتبر الأسرى ذلك بمثابة الشرط التعجيزى لعدة أسباب منها أن الدراسة باللغة العبرية بشكل كامل ، وتكاليفها مرتفعة، بالإضافة لرفضهم المطلق للتعامل مع المؤسسات الاسرائيلية ،وبعد المشاورة مع كل القيادات داخل السجون وخارجها ، تم القبول بهذا الخيار كونه الوحيد المتاح أمامهم .

ويرى الباحث أن التعلم فى الجامعة المفتوحة فى إسرائيل كان له الكثير من الايجابيات منها : دفع الأسرى لتعلم اللغتين العبرية والإنجليزية ، وتمكن ما يزيد عن المئة خريج  من الحصول على شهادات مصدقة بموجب اتفاق فى العام 2010 ، كما أن هؤلاء الأسرى تحولوا بعد تحررهم إلى خبراء فى الشأن الاسرائيلى ، ومنهم من أبدع فى الكتابة والتحليل والترجمة.

لكن هذا الأمر لم يرق لأجهزة الأمن ، بعد انقلاب السحر على الساحر ، وحصول الأسرى على  علامات عالية فاقت علامات السجانين اللذين كانوا يدرسون معهم فى الجامعة نفسها ، فبدأت إدارة السجون الإسرائيلية فى العام 2006 بوضع العقبات والعراقيل فى وجه هذا المشروع للتنصل منه.وأصدرت وبدعم سياسى وتحريض إعلامى إسرائيلى قراراً بمنع الأسرى من الإنتساب للجامعة المفتوحة فى إسرائيل فى حزيران 2011 .

وفى أعقاب رفض إدارة مصلحة السجون لفكرة الانتساب للجامعات الفلسطينية، بحث الأسرى عن بدائل سرية ، وبعد الكثير من المراسلات وافقت بعض الجامعات والكليات الفلسطينيةعلى دراسة الأسرى شريطة ايجاد نظام داخلى فى السجون يضمن شفافية ومصداقية التعليم تحت إشراف عدد من الأسرى من حملة الشهادات العليا.

واستطاع عدد كبير من الأسرى الحصول على شهادة البكاريوس من جامعة الأقصى التى احتفلت فى نهاية أغسطس 2015 بتخريج الفوج الحادي والعشرين من طلابها تحت شعار” فوج الأسرى والمسرى” حيث كان من ضمن الطلبة الخريجين قرابة 256 أسير من بينهم محررين ، وآخرين مازالوا داخل المعتقلات .

دكتوارة في معتقل مجدو

لم يكتف الأسرى بالحصول على شهادة البكالريوس بل سعوا للحصول على شهادات في الدراسات العليا ، ووافقت العديد من الجامعات على الانتساب اليها ، وحصل عدد من الأسرى على شهادات الماجستير منها أمثال الأسير : إسلام صالح جرار من مدينة جنين ، والأسير محمود ابو سرور من بيت لحم ، والأسير عبد الناصر عيسى وجميعهم من برنامج الدراسات الإقليمية تخصص دراسات إسرائيلية في جامعة القدس-أبوديس ، والأسير رشيد نضال صبري الذى أنهى رسالة الماجستير من جامعة بيرزيت وهو فى معتقل عوفر .

وفى العام 2015 كانت هناك اتفاقية ما بين هيئة شؤون الأسرى والمحررين وجامعة القدس المفتوحة لفتح شعب دراسية فى السجون فى عدد من التخصصات ” كالخدمة الاجتماعية ، واللغة العربية ، والتربية الإسلامية ” بشرط وجود لجنة مكونة من خمس مشرفين من حملة الماجستير والدكتوراة فى الأقسام ، وبدأت هذه التجربة فى سجن هداريم.

 جامعة الأقصى احتفلت فى  2015 بتخريج الفوج الحادي والعشرين من طلابها تحت شعار” فوج الأسرى والمسرى” حيث كان من ضمن الطلبة الخريجين قرابة 256 أسير من بينهم محررين ، وآخرين مازالوا داخل المعتقلات

كما استطاع عدد من الأسرى تحصيل  شهاداتهم بمراسلة الجامعات العربية والدولية ، وحصل الأسير ناصر عبد الله عبد الجواد على شهادة الدكتوراة تحت عنون ” نظرية التسامح مع غير المسلمين فى المجتمع المسلم ” فى العام 1997 ، وذلك بعد حملة مراسلات معتمداً على مساعدة الأهل والمحامين والمؤسسات الحقوقية المختلفة ، حتى تجاوبت معه الجامعة الأمريكية المفتوحة فى واشنطن ، وقدر لتلك الرسالة أن تولد فى الخفاء كما عاشت سنوات فى طى الكتمان ، وتمت مناقشة الرسالة عبر الهاتف المحمول المهرب فى معتقل مجدو ، من قبل عدد من الأساتذة من جامعة النجاح الوطنية .

 لغات وروحانيات

يشير الباحث في دراسته أيضا إلى اهتمام الأسرى بتعلم اللغات وعلى رأسها اللغة العبرية التى كانت مدخلا أساسيا للانتساب للجامعة المفتوحة فى اسرائيل ، وللتواصل مع إدارات السجون. موضحا أن هناك عوامل رئيسية تقف وراء هذا الاهتمام، منها تبلور الحركة الثقافية والفكرية ، وبروز وعى لدي المعتقلين بأهمية تعلم اللغات ، لأنها تشكل جسراً نحو الاستفادة مما وصل إليه وحصَّله الآخرون ، وهذا ما يفسر حماس الكثير من المعتقلين لتعلم اللغة الانجليزية والفرنسية والأسبانية وحتى الروسية .

جانب آخر ركز عليه الباحث هو اهتمام الأسرى بالجانب الروحانى والعبادات ، حيث اعتنى الأسرى ، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، بقراءة القرآن الكريم وتعلموا من خلال الجلسات اليومية أحكام التلاوة والتجويد ، وهناك أعداد كبيرة من الأسرى ممن حفظوا القرآن عن ظهر قلب .

ونظم الأسرى عملية تحفيظ القرآن الكريم فى السجون لمنحهم الشهادات التأهيلية والمتقدمة فى أحكام التلاوة والتجويد بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية ، وكونت لجان للامتحانات ومشرفين فى كل قسم ، ومجموعات للتحفيظ وفق مستوى الأسرى سميت بالتأسيسية للمبتدئين ومتقدمة وتأهيلية للجاهزين لتقديم الإمتحانات النهائية ، وتم تقديم الشهادات التى اعتز بها الأسرى وذويهم فى احتفالات عامة لتكريمهم .

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة