شريعة

مقاصد السلم والحرب في التشريع الإسلامي

Feature image

عندما يخفت صوت العقل والأخلاق يعلو صوت السلاح وعندما تدوي طلقات المدافع تسفك الدماء المعصومة وغير المعصومة ويحل الأذى بالشجر والحجر والبشر فكيف نتقي ذلك؟

1- يسعى الإسلام سعيا حثيثا إلى أن يوفر للإنسان السلام النفسي فحماه من الصراع بين غرائزه وأحكام الشرع، وضبط مسارها بحيث لا تصطدم بحدود الله ولا بحقوق الآخرين. وافتقاده للسلام النفسي يجعله في صراع داخلي يبدو في تعاملاته أو يبقى في داخله يشقى به، والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

2- كما يسعى ليكون البيت نبعا للسكينة ولا يتحقق ذلك إلا بالثقة المتبادلة والرفق، وعلى الزوجين التعاون للوصول إلى هذه الواحة الوارفة  ليسعدا فيها مع أبنائهما وليسلم بهم مجتمعهم.

3- وإذا نعم الإنسان بالسلام النفسي والسلام الأسري انطلق بين الناس يقول التي هي أحسن ويدفع بالتي هي أحسن لأن دليل إسلامه؛ سلامة المسلمين من لسانه و يده.

الإيمان شرط لدخول الجنة ولا إيمان بلا محبة والسبيل إليها إفشاء السلام

ولكي نصل إلى السلام المجتمعي:

أ- لابد أن ينظر المسلم إلى إخوانه مستنيرا بقوله صلى الله عليه وسلم:” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” وإذا اختلت لبنة من مكانها أو ضعفت فإن الضعف يسري إلى بقية البنيان ليتهاوى في النهاية.

ب- ولعظيم الارتباط بين الإيمان والسلام جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان شرطا لدخول الجنة ولا إيمان بلا محبة والسبيل إليها إفشاء السلام.

ج- وللتشهد في الصلاة أثره في التماس السلام فالمسلم يقول: ” السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”.

“السلام علينا” إيحاء للنفس بحلول السلام، ومع تكراره يستقر فيها ، “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين” نشر للسلام على كل عبد قائم بحق الله وبحقوق الآخرين سواء كان من الإنس أو الجن أو الملائكة، ليكون السلام -باستشعار هذه الكلمات- روحا تسري في الكون تنتقل من كائن إلى كائن ثم يسلم على يمينه وشماله ثم تتصل الأرض بالسماء بهذه الكلمات:” اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام”.

ومهما كان الإنسان مسالما إلا أن البغي موجود عند القريب والبعيد، والقرآن وهو يشيع روح السلام بين الكائنات يوصي أتباعه بالحكمة والإحسان فيصف عباد الرحمن {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} قالوا سدادا من القول لا يؤذيهم ولا يوقعهم في الإثم، وبذلك يدخر المسلم طاقته أن تهدر في نزاع يخرج أطرافه بخسائر متفاوتة.

وتبقى الحرب داء يستطب به داخل المجتمع المسلم لمن عجز اللين عن علاجه ومنهم:

1- الذين ينشرون الخوف {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}

2- البغاة {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ }

الحرب التي يعلنها الإسلام حرب في سبيل الحق والحرية والعدالة والسمو الروحي والخلقي

3- مانعي الزكاة ،قال الصديق، كما في صحيح البخاري:”وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ”[ نظام السلم و الحرب في الإسلام د مصطفى السباعي]

ويبقى المسلم مسالما لكنه يحمي هذا السلم ، فقبل أن يأمر الله عباده بالجنوح إلى السلم أمرهم بإعداد العدة:{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}  فحيثما كانت القوة كان السلم ابتداء وبقاءا.

“والحدٌ الفاصل بين الحرب التي يعلنها الإسلام والحرب التي يعلنها أعداؤه عليه يبينه القرآن {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}.. فالحرب التي يعلنها الإسلام حرب في سبيل الحق والحرية والعدالة والسمو الروحي والخلقي.. أما الحرب التي يعلنها أعداؤه فهي حرب طغيان وظلم واضطهاد.

لم يبق بعد ذلك شك في الأهداف الإنسانية النبيلة للجهاد في سبيل الله.. وهو جهاد في سبيل الغايات الكريمة التي قامت من أجلها الشرائع، وتسعى إليها الإنسانية الكريمة في كل عصر.. هو في سبيل الله.. أي لا في سبيل المال ولا التهديم ولا الاستعلاء ولا الغلبة ولا الأمجاد القومية أو الطائفية.. فمن سعى إلى شيء من هذا لم يكن مجاهداً في نظر الإسلام يستحق أجر المجاهدين وكرامة الشهداء. (نظام السلم والحرب، السباعي)

وقد حرص الإسلام على أن يحصر مجال القتال في أضيق نطاق:

1- أمر أتباعه بالابتداء بالدعوة ورغب فيها، ففي غزوة خيبر وصى النبي صلى الله عليه وسلم عليا- كما في البخاري- فقال: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم” [أفضل أنواع الإبل]،هذه التوجيه النبوي الكريم يسبق القتال لتكون الغاية هي الهداية لا المغانم.

2- ونهى عن قتل من لا يقاتلون من الأطفال والنساء والشيوخ والعُبّاد، فلا يؤخذ مسالم بذنب محارب {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }

3- الاستجابة لطلب الجوار {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}

4- الحفاظ على مقدرات الأمم التي يقع في أرضها القتال، ففي وصية الصديق ليزيد بن أبي سفيان: “ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا ،ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلا ولا تفرقنه”.الموطأ

5-الإبقاء على حياة الأسير وحسن معاملته، مع أنهم كانوا قبل أسرهم يسعون للفتك بالمسلمين، لكن الرغبة في الانتقام تتوارى أمام التوجيهات النبوية.عن أبي عزيز بن عُمَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:اسْتَوْصُوا بِالأَسَارَى خَيْرًا وَكُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ أَكَلُوا التَّمْرَ وَأَطْعَمُونِي الْخُبْزَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ.الطبراني

المسلم في سلمه وحربه عبد لله ملتزم بحكمه، وليست الحرب عنده غاية بحد ذاتها بل بمقدار ما تحقق من مصلحة شرعية

كم عند الأمم من تشريعات تعلي من شأن الإنسان وتصونه في السلم والحرب، لكن الحروب تثبت أنها لا تساوي المداد الذي كتبت به، أما تشريعات الإسلام فهي محاطة بسياج من العقيدة والأخلاق تدفع المسلم إلى المحافظة على تطبيقها، فمخالفتها تجلب تأنيب  النفس ولوم  المجتمع وعقاب  الله تعالى.

لم تشعر الأمم التي فتحت بلادها بأنها أدنى من الفاتحين فقد ساوى الإسلام بينهما وجعل التفاضل بمقدار الالتزام بالإيمان والعمل الصالح مما أثمر رابطة كريمة نتج عنها تعاون بنّاء لخير الإنسانية وإنك لتجد من أهل البلاد المفتوحة من شادوا بنيان الحضارة الإسلامية بكل حب وإخلاص وما كان ذلك إلا لشعورهم بأنهم شركاء وليسو خدما أو عبيدا. ولم تكن هذه المساهمات في أمور الدنيا – التي يستفيد منها المسلم وغيره – بل كانت في العلم الشرعي، ويكفي أن تعلم مدى ما بذله أئمة الحديث – وبعضهم من أهل البلاد التي فتحت بالسيف – في سبيل تدوين السنة النبوية وتنقيتها مما علق بها.

والمسلم في سلمه وحربه عبد لله ملتزم بحكمه، وليست الحرب عنده غاية بحد ذاتها بل بمقدار ما تحقق من مصلحة شرعية، وليس السلم عنده طوق نجاة من القتل؛ بل حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله وقد سمى الله تعالى صلح الحديبية – وهو عقد سلم – فتحا مبينا.

كم من عدو صار وليا حميما يقاتل مع من قاتلهم قبل ذلك والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة