فكر

التابع والمتبوع في مداخلة فيدوروف

Feature image

قال السياسي والكاتب الروسي ​أندريه فيدوروف في مداخلته بإحدى ندوات منتدى الجزيرة العاشر إن روسيا لن تتخلى عن بشار الأسد ولن تنسحب من الأراضي السورية لأن ذلك ضد مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، كان يكرر هذا الكلام دون أن ينتبه إلى أنه يتحدث أمام نخب العالم العربي.

شعرت بالحزن، لا لأن الخبر كان صادما لي ـ فهو أمر بديهي ـ فمصالح روسيا في سوريا وعلاقتها الاستيراتيجية مع نظامها لا تحتاج كثير كلام، ولكنني حزنت لأن الرجل يعبر عن ثقافة استعلائية لا تشعر بالإنسان العربي ولا بالعالم العربي كله إلا شعور السيد بخادمه.

لم يستطع النائب السابق لوزير الخارجية الروسي أن يوظف مثقال ذرة من ديبلوماسيته كي يدغدغ مشاعرنا ـ ولو زورا ـ بإظهار التعاطف والحزن على مئات آلاف القتلى وملايين اللاجئين الذين تتقاذفهم أمواج المحيطات هربا من براميل النظام السوري المدعوم بالقوة الجوية الروسية.

أعرف أن الرجل لا يعبأ لجراحنا، فطبع الإنسان الغربي وثقافته الحاكمة لسلوكه تتملكها أنانية عاتية، لا تشعر بغير ذاتها، ولا تشعر بالآخر إلا في حدود مصالحها، أما الإنسانية، فهي مجرد شعار ناعم وقح، لا يلبث أن يسقط عند أول اختبار،فروسيا الأمس هي التي قتلت أكثر من مليون ونصف شركسي عام ١٨٦٤ طمعا في ارضهم،  وهل رحم الرجل الأمريكي الأبيض السودَ إلأ يوم عرف أن حياته مهددة إن لم يقم عدالة اجتماعية تحمي حق المستضعف الذي بدأ يرفض واقعه!

إحدى أكبر أزماتنا الراهنة في عالمنا العربي ليست في الاستبداد ـ وإن كان أعظم رزية ـ، وإنما في شعور المغلوب التابع الذي تأسست عليه قيم الدولة الحديثة وبنى عليه الغربيون علاقتهم بنا، فهم يرون أنهم استحقوا احتلالنا ومنوا علينا بالاستقلال، فأصبحنا ننظر إلى أنفسنا بأعينهم، لأنهم من وضعوا القيم والمصطلحات، فنحن ننظر دمائنا أنها أرخص من دمهم وقيمنا أنها أدنى من قيمهم.

لا يجد الغربي غضاضة في أن يسكت أو يبارك دمنا المسفوك بيده أو بتحريضه أو بتغافله، ولكنه لا يجد في نفس الوقت غضاضة في أن يصمنا بالإرهاب كلما انشغلنا بجراحنا الواسعة عن شوكة يشاكها أحد فيه، هل ضج العالم للتفجيرات المتتالية في أنقرة! هل أعطتها النخب العربية نصف المداد الذي أعطته لتفجيرات بروكسل!

ليست المسألة وليدة اليوم بل إن كلمة تسيفيني ليفيني وهي تحاول أن تمنع انعقاد قمة عربية من أجل غزة أيام حرب الفرقان، إن جرح كلمتها ما يزال يقطر دما، فهي تؤكد أن دولا عربية بعينها لا يمكن أن تحضر لأنها هي أمرتها بذلك، ولا أحد أنكر أو كذب ظنها فيه.

إن روح التبعية للغرب التي لم يستطع حكامنا التخلص منها ـ لحد الآن ـ هي التي جعلتنا نفقد سورية بكل تاريخها ورمزيتها ومكانتها الاستراتيجية لصالح روسيا وإيران، لأن التردد التركي بين البحث عن غطاء غربي (الناتو) أو إنشاء حلف عربي للتدخل في سوريا هو الذي سمح لروسيا باقتناص اللحظة والسبق الميداني.

لو كانت الدول العربية تملك قرارها لما تردد لحظة واحدة في إنشاء حلف عسكري والدخول كغيرها لتسند حلفاءها من الفصائل المقاتلة في الميدان، مثل غيرها من الدول التي تدخلت دون تلكؤ ولا ارتياب، ولكن روح التبعية جعلت هذه الدول ومعها تركيا تظل تنتظر الضوء الأخضر من الغرب الذي لن يسمح لها بذلك.

المؤسف في تلك الندوة ليس كلام أندريه فيدوروف وحده، فالرجل منسجم مع ذاته ومبادئه فيما قاله، إنما المؤسف هو أنه لا أحد استطاع أن يقول له ولو إيماء إن هذا الاستعلاء لا يليق بمثقف ومسؤول سياسي أو يقول له إن ما قاله وقاحة على الأقل.

إن حل مشكلة العالم العربي الراهنة ـ كما قال بشير نافع صادقا ـ ليست في حل مشكلة الخبز والوقود وزحمة المرور، وليست في فتح نافذة حرية أو ديمقراطية، وإنما في استئصال نظام مجحف، هو نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى الذي قامت عليه الدول العربية الحديثة واستبداله بنظام آخر يشعر العربي فيه بأنه من وضع لبناته وأقام جدرانه ومهد طرقه.

 

 

 

 

 

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة