شريعة

الجهاد.. سعة الدلالة القرآنية واختزال التطبيق

Feature image

لم يشهد مصطلح من المصطلحات الإسلامية على مر العصور تباينا في المفهوم صعودا وهبوطا على مستوى الممارسة، وحتى على مستوى التأطير في بعض الأدبيات_ كما شهد مصطلح الجهاد.. منذ العصر النبوي وحتى العصر الحديث..

والمتتبع لهذا المصطلح على مستوى الدلالة القرآنية كمصطلح قرآني، سيدرك البعد الواضح بين هذه الدلالة الواسعة الشاملة، وبين قصر واختزال واضح للمصطلح على مستوى الممارسة، خاصة مع بداية عصر الدولة الحديثة بشكلها القومي، والذي ما يزال المفهوم فيها يتمسك بجذوره النصية، رغم التنافي الواضح بين تلك الجذور وبين وضعية الدولة الحديثة ومتطلباتها من ناحية، ومن ناحية أخرى بين تلك الجذور وبين بعض صور الممارسة.

وهذا التنافي هو ما ولد صورا عديدة لهذا المصطلح تتفق جميعها في اختزاله في معنى “القتال” وتختلف في دوافعها وخلفياتها، وبالتالي صارت مطعنا على المنهج الإسلامي الذي حسبت عليه منذ وجودها، باعتبارها صورة من صور المصطلح “الجهاد” الذي هو مصطلح إسلامي بامتياز..

وأعني بهذه الصور مثلا عنف بعض الجماعات الإسلامية مع أنظمة بلادها وهو ما تسميه “جهادا”، وحتى حينما أراد بعضها الرجوع عنه لم يعتبره غير ذلك، فأصدر البعض منهم مراجعات أسماها ” ترشيد العمل الجهادي “..

ومنها أيضا التعدي على المدنيين الآمنين في بلادهم من قبل بعض التنظيمات المحسوبة على الإسلام، وهو أيضا ما تسميه تلك التنظيمات “جهادا”.. إلى آخر تلك الصور التي صارت مطعنا كما قلنا على الإسلام وثوابته..

وقد نما هذا الاتجاه _ اتجاه الشغب على الإسلام بتلك الصور_ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. حيث استغل الأميركي مشاعر التعاطف الدولي مع ضحايا تلك الأحداث، فقام بحملة خلط وتشويه للمفاهيم، ليصنف مفهوم الجهاد الإسلامي ضمن خانة العنف والإرهاب..

استغل الأميركي مشاعر التعاطف الدولي مع ضحايا أحداث أحد عشر سبتمبر، فقام بحملة خلط وتشويه للمفاهيم، ليصنف مفهوم الجهاد الإسلامي ضمن خانة العنف والإرهاب

وهكذا كانت الفرصة سانحة لتعميق التشويه لمفهوم وصورة الجهاد عند المسلمين؛ فكما أن الجهاد يُعد مصطلحاً إسلامياً خالصاً، صار العنف والإرهاب ولادتين إسلاميتين، بل نمنا ولم نصحُ إلا والجهاد هو ذاته عنف وإرهاب.. وبفضل ذلك الخلط والتدليس لكل تلك المفاهيم صار رسول الله صلى الله عليه وسلموسائر المجاهدين العظماء رجالاً عنيفين وإرهابيين لا يعبؤون بدماء الناس!!.

من هنا باتت الأمة المسلمة وكأنها أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تترك تلك الثوابت بالكلية كي تحوز رضا ” المجتمع الدولي ” الذي هو في حقيقته الحركة الصهيونية العالمية التي تمتطي جواد الإمبريالية الأمريكية،، وإما أن تتمسك بها على ما بها من علات فتصبح غرضا لسهام النقد، والحرب بالطبع..

تحرير المصطلح

الأمر إذن يقتضي بداية تحرير المصطلح “الجهاد” تحريرا قرآنيا في المقام الأول، ثم فهم ما يفرزه هذا التحرير من إشكالات لا تتعلق بالمصطلح ذاته بالطبع، وإنما تتعلق بفهم المصطلح وبالتالي بأوجه ممارسته على مستوى التطبيق.. ذلك لأن تعريف الجهاد على مستوى اللغةً _وهو: مصدر جاهدت جهاداً أي بلغت المشقة_ لا يعطي الصورة الكاملة للمقصود القرآني..

ولابن القيم كلام رائع في شمولية المصطلح كما أرادته نصوص الوحي.. حيث يقول: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا من الجهاد ، واستولى على أنواعه كلها فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده ، ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً وأعظهم عند الله قدراً، وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه وقال تعالى:” فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً ” [الفرقان:52].
فهذه السورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان ، وتبليغ القرآن ، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو تبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم” [التوبة:73].
فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل والقائمون به أفراد في العالم والمشاركون فيه والمتعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عدداً فهم الأعظمون عند الله قدراً..”

وقراءة المصطلح قراءة قرآنية بهذا الشمول تجعل التفريق بين الجهاد كمصطلح ومفهوم إسلامي وبين القتال المسلح الذي هو أحد صور الجهاد أمرا ميسورا..

يقول ابن القيم: “ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعاً من جهاد العبد نفسه في ذات الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ” _أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي_ كان جهاد النفس مقدماً على جهاد العدو في الخارج وأصلاً له ، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرت به ، وتترك ما نهيت عنه ، ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه ؟ والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه.” (زاد الميعاد ج3ص5 بتصرف بسيط).

وفي هذا السياق يقول الشيخ د. علي جمعة مفتي الديار المصرية: ” يشير مصطلح الجهاد في الإسلام إلى جملة كبيرة من المعاني، هناك محاولات اليوم لعزل هذا المصطلح ليقتصر على شكل واحد من الجهاد وإقصاء الأشكال الأخرى، ويشمل ذلك مفهوم الجهاد الذي يشير على أفضل تقدير إلى الكفاح المسلح، وعلي أسوأ تقدير إلى شكل همجي للحرب، والذي يسعى إلى تدمير أي سلام قد لا يزال قائما في العالم.”

مفهوم أو مصطلح الجهاد، هو مفهوم سامي يُقصد به، استنفار كل الإمكانيات المتاحة، للتفاعل مع الإسلام، فهماً وتطبيقاً، ونشراً وتعليماً

ويؤكد على شمول المصطلح لألوان أخرى من الممارسة فيقول: ” إن الجهاد بالنسبة للمسلمين هو أكثر من كونه كفاحا مسلحا ضد عدو خارجي، حيث إنه يشمل نضالا مستمرا مع النفس والمجتمع الذي يعيش فيه المرء.. قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه عند عودته من إحدى المعارك: «عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس»، ويشير الجهاد هنا إلى الممارسة الروحية لمعارضة النفس السفلية، ويشار إلى ذلك كجهاد أكبر حيث يقضي الناس حياتهم لمقاومة الرغبات الدنيئة، والتي يمكن أن يضروا أنفسهم بها والمحيطين بهم.

ثم يعدد استخدامات المصطلح على مستويات أخرى ليبرهن على أنه قد تم اختزاله في معنى القتال، فيقول: “ويستخدم مصطلح الجهاد أيضا للإشارة للحج إلى مكة، فعندما سئلت عائشة زوجة النبي عن جهاد النساء قالت «جهادكن هو الحج» فالحج هنا هو الجهاد الأصغر للنساء والعجائز ممن ليسوا أفرادا في الجيوش التي تقاتل دفاعا عن البلاد، لذا فإن الحج الذي هو عبارة عن رحلة تنطوي على صعاب عظيمة بسبب حشود المزدحمين وطبيعة المطالب الجسمانية لتأدية شعائره، يسمي جهادا.. ويستخدم مصطلح الجهاد أيضا كي يشير إلى الجهر بالحقيقة في وجه من يعتلون السلطة، لذا فإن مراقبة الحكومة هو نوع من الجهاد في الإسلام.. ويشير مصطلح الجهاد، إضافة لهذه المعاني إلى الدفاع عن الأمة أو قضية عادلة، فهذا هو ما شرع الجهاد من أجله، ويجب أن يفرق بينه وبين القتل بلا تمييز، شريطة أن يكون في سبيل الله، أي أن تقاتل دفاعا عن النفس أو الحد من الطغيان أو لدرء عدوان.”

ويعقب: “هذه هي السمات التي تميز الجهاد عن القتل، الذي يعتبر جريمة، هذه السمات ترتقي إلى القتال «في سبيل الله» والتي أوجزها القرآن في قوله (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، هذه الآية تلخص كل شيء تم الإجماع عليه فيما يتعلق بتوجيهات الحرب بما فيها اتفاقيات جنيف الأولي والثانية.” (الجهاد في الإسلام.. د علي جمعة.. نهضة مصر للطباعة والنشر).

فـ”الفرق كبير بين (الجهاد) و(القتال المسلح)، حيث إن مفهوم الجهاد يعني استنفاد الجهد لتشرب المبدأ الإسلامي، والإشعار به بعد ذلك (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69].

فمفهوم أو مصطلح الجهاد، هو مفهوم سامي يُقصد به، استنفار كل الإمكانيات المتاحة، للتفاعل مع الإسلام، فهماً وتطبيقاً، ونشراً وتعليماً، ويبقى القتال المسلح وسيلة محددة، في ظروف محددة، نظراً لخطورة هذه الأداة، فهي تستعمل من خلال مؤسسة الدولة، وليست مفوضة إلى الأفراد أو الجماعات المحدودة” (خالص جلبي: سيكولوجية العنف وإستراتيجية الحل السلمي، دمشق: دار الفكر، 1998م، ط1، ص28)

  • الجهاد.. سعة الدلالة القرآنية واختزال التطبيق

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة