ترجمات

 الشركات الصينية أمامها طريق طويل للسيطرة على الأسواق العالمية

Feature image

رغم الصعوبات التي واجهها الاقتصاد الصيني مؤخرا يؤكد العديد من الاقتصاديين والمحللين أن الصين سوف تتجاوز الولايات المتحدة الأميركية، وتصبح القوة الاقتصادية الرائدة في العالم في وقت قريب. وهذا الرأي أصبح تقريبا اتجاها شائعا في قراءة المشهد. ولكن يغيب عمن يتبنون هذا الرأي  حقيقة أن قوة الاقتصاد مرتبطة بقوة الأعمال ، وهو مجال لا تزال الصين متأخرة فيه بشكل كبير بالمقارنة مع الولايات المتحدة.

العالم الحقيقي

النظرة الأولية للأرقام تثير الإعجاب. من المحتمل أن الناتج الإجمالي في الصين سيتفوق على نظيره الأميركي، ولكن ليس قبل 2028، أي بعد أكثر من  5 الى 10 سنوات من  توقعات المحللين  التي صدرت قبل أن يبدأ نمو الإقتصاد الصيني بالتراجع في العام 2014. وبدون شك فان الصين تمثل أكبر سوق في العالم  لمئات المنتجات، من السيارات إلى محطات الطاقة، وصولا إلى حفاظات الأطفال. كما أن الحكومة الصينية لديها أكثر من 3 ترليون  دولار  من احتياطات النقد الأجنبي، وهو الأكبر في العالم.

ومن بين 180 دولة لها علاقات تجارية مع الصين والولايات المتحدة، الصين تمثل الشريك التجاري الأكبر ل 124 منها، بينها دول حليفة سياسيا وعسكريا للولايات المتحدة. وأخيرا فإن الصين حققت تقدما مطردا في الوصول الى هدفها في قطاعات الاستثمار وتنفيذ البنى التحتية، وتقديم الخدمات المصرفية في الدول النامية، والكثير من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تعتمد الآن على الصين اقتصاديا وسياسيا.

لكن البيانات القوية للإقتصاد الكلي القائمة على أرقام الناتج الإجمالي ، وحجم الاحتياطي من النقد الأجنبي وغير ذلك ، لا تعني أن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة كقوة تقود الاقتصاد العالمي. فخلف هذه الأرقام  يوجد العالم الحقيقي للشركات والصناعات التي تحقق النمو الحقيقي والثراء. وبنظرة متفحصة لأداء الشركات الصينية  تتكشف العقبات التي ما تزال تواجهها الصين.

في كل من الولايات المتحدة والصين تمثل هذه الشركات نحو ثلاثة أرباع  الناتج المحلي الإجمالي. وبشكل عام تسيطر الشركات المتعددة الجنسيات  وسلسلة الموردين لها على 80% من الصادرات العالمية والاستثمارات الأجنبية المباشرة. بمعنى آخر فإن قوة الإقتصاد تستند بشكل كبير على قوة الأعمال التجارية.

خلال العقود الثلاث الماضية “انفجر” الاقتصاد الصيني بفضل الأداء التصنيعي الاستثنائي و المنخفض التكاليف، الذي حرصت الدولة على ازدهاره بتوفير البنية التحتية له، وجذب المستثمرين الأجانب، وإبقاء سعر اليوان منخفض نسبيا.

لكن إذا أرادت الصين أن تصبح القوة الإقتصادية الأولى فعليها مواجهة المنافسة في قطاع السلع الرأسمالية، وقطاع التكنولوجيا الفائقة. وهؤلاء الذين يرون ان الصين ستسيطر على الاقتصاد العالمي يفترضون أن الشركات الصينية ستتمكن من النجاح في الجيل الثاني من الصناعات تماما كما فعلت في الجيل الأول من الصناعات الاستهلاكية.

منافسة مختلفة

كي تنجح الشركات الصينية في تصنيع السلع الرأسمالية والتكنولوجيا الفائقة، يتعين عليها تطوير قدرات فريدة تتناسب مع عدد قليل من العملاء، وإتقان مجموعة واسعة من التقنيات، واكتساب المعرفة العميقة بالعملاء ، وإدارة سلسلة توريد عالمية. وخلافا لما حدث في قطاع التصنيع منخفض التكلفة، حيث تنافست الشركات الصينية في المقام الأول مع الشركات في البلدان النامية، فإن صناعات السلع الرأسمالية والتكنولوجيا الفائقة تسيطر عليها شركات كبيرة متعددة الجنسيات، في اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة ، وأوروبا.

وأكثر من ذلك فان ميزة مثل حجم القوى العاملة الكبيرالذي خدم الصين في العقود الماضية لن يكون عاملا مهما في تحديد نجاحها بتصنيع السلع الرأسمالية والتكنولوجيا الفائقة.

مستقبل القوة الاقتصادية للصين لا يعتمد كثيرا على تفوق الناتج المحلي الإجمالي للبلاد على مثيله في الولايات المتحدة ، بل على قدرة الشركات الصينية على تصنيع وبيع السلع الرأسمالية والتكنولوجيا الفائقة. الشركات متعددة الجنسيات الأجنبية لا تزال تهيمن على  السوق المحلية للصين في السلع الرأسمالية المتقدمة، والصين لا تزال تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الغربية. لذا فإن الشركات الصينية أمامها طريق طويل لتقطعه، وهو أمر يجب أن يتوقف عنده أي شخص يتوقع بثقة هيمنة قريبة للاقتصاد الصيني.

وقدحققت الصين تقدما كبيرا في سعيها للانتقال إلى السلع الرأسمالية ومنتجات التكنولوجيا الفائقة، والتي تشكل الآن 25 % من صادراتها. واستخدمت الشركات الصينية قدرتها على تبسيط عمليات التصنيع للحفاظ على ميزة التكلفة المنخفضة .

وتركز الصين قدراتها على استيعاب التكنولوجيا المستوردة، وتبسيط التصنيع، واقتباس التصاميم المتقدمة في المنتجات الأساسية بتكلفة أقل، لكن الشركات الغربية متعددة الجنسيات تميل إلى تركيز طاقاتها على تطوير المعرفة العميقة للاحتياجات التقنية للعملاء، وتصميم منتجات عالية الأداء تتضمن التكنولوجيات الجديدة، وإتقان تطوير البرمجيات، والكفاءة في إدارة سلاسل التوريد العالمية. وقد سمحت تلك المواصفات للشركات الغربية بالسيطرة على أسواق مفاعلات الطاقة النووية، وأنظمة الأتمتة الصناعية، والطائرات النفاثة. كل ذلك يجعل من غير الواضح  تحديد  متى يمكن للشركات الصينية اللحاق بالركب.

المنافسة من الشركات الغربية أبطأت النمو في الصادرات من معدات الاتصالات الصينية الصنع من 25 % في عام 2010 إلى 10% في العام 2014.

وبالإضافة إلى ما سبق تواجه الشركات الصينية عقبات في إدارة سلاسل التوريد ، وهي تحاول  تقليل الكلفة  بتصنيع المكونات الأساسية والدقيقة ، لتجنب استيرادها، في حين ان الشركات الغربية تلجأ إلى مقاربة مختلفة تسمح بوجود موردين متعددين، في آسيا وأوروبا، يزودونها بهذه المواد  المستخدمة في صناعات مثل ابل وآي فون  وبوينغ اس 787 . كل ذلك يعكس مفهوم الشركات الصينية حول قوة إدارة الأعمال وفكرة الإكتفاء الذاتي.

عوامل القوة والضعف

المدافعون عن فكرة السيطرة الحتمية للصين على الاقتصاد العالمي يميلون لاعتبار الولايات المتحدة  قوية اقتصاديا لكنها بطيئة التقدم ، بالنظر إلى الفوضى في أسواقها الحرة، والجمود السياسي. بينما يرون الصين قوة صاعدة بسبب امتلاكها خططا واضحة واستراتيجية ذكية. لكن هذه النظرة التبسيطية للأمور تغفل مسألة مهمة هي كيفية تفاعل الشركات والأسواق مع العوامل الخارجية.

قوة الأعمال في الولايات المتحدة تنبع بالأساس من ثقافة أمريكية تنافسية لا تهدأ.. من التأثير السياسي للشركات الأميركية، والبحوث الإنتاجية للجامعات الأميركية والمختبرات الحكومية، والنظام المالي الأمريكي الذي يوجه الاستثمار نحو التكنولوجيا الجديدة والمغامرة، ومن المهاجرين الذين يتمتعون بمواهب خاصة، ومن النظام الضريبي الذي يكافىء الأنشطة الريادية، ودور الدولار كعملة احتياطية في العالم.

هناك بالطبع عوامل قد تضعف قوة الأعمال الأميركية مثل معارضة الجناح اليميني للأنفاق الحكومي على المشاريع العلمية، وتفضيل حاملي الأسهم للشركات التي تحقق الربح قصير الأجل على الربح طويل الأجل في الشركات التي تستثمر في مجال الابتكارات. ولكن قبل 30 عاما عندما اعتقد بعض المراقبين أن اليابان في طريقها للتفوق اقتصاديا على الولايات المتحدة ، عدد قليل توقع الدور الذي سيقوم به أصحاب المشاريع التقنية وحكومات الولايات والبلديات في خلق عصر من الهيمنة الأمريكية التي لا تضاهى.

الصين لديها أسس مختلفة لكنها قوية أيضا، مثل السياسة بعيدة النظر التي تقدم الاستثمارات على الاستهلاك، والتشجيع الحكومي للاستثمارت الأجنبية لإعطاء دافع وحافز للصناعات المحلية، وأصحاب المشاريع المبادرون الذين نجحوا في أعمالهم رغم  طبيعة النظام البيروقراطي المحبط، وتحول المركز الإقتصادي العالمي إلى آسيا ، والسوق المحلية الضخمة.

لكن هناك كذلك عوامل أخرى تشد الصين إلى الوراء،منها أداء القطاع الحكومي المتدني الذي يخنق السوق، وعبء الديون الداخلية، والتضييق على حرية تدفق المعلومات.

رحلة تسلق صعبة

من الصعب التنبؤ بـتأثير العوامل الخارجية على قوة الصين الإقتصادية. قلة في الداخل والخارج توقعوا القيود المفروضة على المشاريع المملوكة للدولة ، أو توقعوا مثل هذا الصعود لشركات هاواوي ولينوفو وعلي بابا. ومن الصعب التكهن بما يمكن ان يتركه تباطؤ النمو من أثر على قدرة الشركات الصينية على المنافسة. قد يسبب لها ضررا كبيرا ، وقد يؤدي إلى إفلاس بعضها، ما يعني تركز القوة في يد عدد قليل من الشركات والذي ربما يمنحها سيطرة أقوى على الأسواق العالمية.

الثقة في حتمية الهيمنة الاقتصادية الصينية لا أساس لها. صحيح أن الصين تكتسب كل يوم المزيد من القوة لكن ما زال أمامها رحلة تسلق طويلة. نتائج المسابقة بين الولايات المتحدة والصين ليست واضحة بعد، وهي تعتمد كثيرا على مدى قدرة الشركات المتعددة الجنسيات والحكومات الغربية على الاستفادة من مزاياها القائمة حاليا في مواجهة الصين عندما يتعلق الأمر بنوعية المنتجات والخدمات.

المصدر : فورين افيرز

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة