فكر, كتب

ابن تيمية المفترى عليه

قراءة في كتاب (متاهة الحاكمية:أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية)

20 أبريل, 2016

7
مشاركة

 

تكمن أهمية كتاب(متاهة الحاكمية:أخطاء الجهاديين في قهم ابن تيمية) لـمؤلفه هاني نسيرة في أنه أول دراسة تفصيلية تستفيض في درء ما ألحقه الجهاديون والسلفية عامة من شبه التكفير والجهاد الأعمى بواحد من خيرة علماء الأمة؛ ذلكم هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني (661 ـ 728 هـ).

ويقرر المؤلف منذ البداية أن موضوع التباس وتحميل خطاب ابن تيمية ما لا يحتمله ليس مسألة جديدة؛ فالرجل كان”دائما مطروحا في دوائر الاستقطاب، بين أهل الحديث وأهل الكلام، وبين أهل السنة وبين الروافض، وبين السلفية والصوفية وبين السلفية الجهادية وغيرها من السلفيات، فكان التحيز سمة قراءته من كل طرف تعصبا له أو عليه”.

قد يقع الالتباس في فهم مراد عالم بناء على عدم إدراك اختلافات السياقات الزمنية والتاريخية أو المقولات الحاكمة، كما قد يكون عمدا عبر اقتطاع النصوص أو بسبب عدم رد الجزئيات للقواعد الكلية، وبين ما هو حكم وما هو فتوى متغيرة، “ولكن الأخطر في اشتباه وأخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية هو توظيفهم له لهد وغاية لم تكن أبدا في أولويات خطابه وثانوياته، بل كانت موضع هجومه وهدف نقده، وهو موضوع الحاكمية والإمامة”.

ولكن هذا التنازع والاستقطاب في الحقيقة ـ حسب المؤلف ـ كانت تشجع عليه خصائص داخلية لخطاب الرجل جعلت فهمه الصجيج عسيرا إلا على المدقق الحاذق، وقد تتبع المؤلف تلك الشبهات التاريخية والراهنة وحاول أن يضع كل واحدة منها في سياقها الطبيعي، وفصل أسباب الاشتباه في خطاب ابن تيمية ـ حسب رأيه ـ.

أسباب الاشتباه في خطاب ابن تيمية

يفرق المؤلف بين (تناقض الخطاب) و(تطور الخطاب) نافيا للأول عن ابن تيمية ومثبتا الثاني له، ومستدلا عليه بموقفه من (التأويل الباطل) واستعاضته عنه بـ(مفهوم التحريف)  في العقيدة الواسطية،. وقد قسم المؤلف أسباب الاشتباه في خطاب ابن تيمية إلى سببين رئيسين تندرج تحت كل واحد منهما تفريعات جزئية.

1ـ أسباب تتعلق بالخطاب نفسه : حيث إن الشيخ كثيرا ما يجمل في مكان ما يفصله في موضع آخر  من ذات الكتاب أو في كتاب آخر، فخطابه متوزع بين مصادر كثيرة، كما أنه يعتمد على الاستطرادات الطويلة التي تتعب القارئ الضجر فيظن أنه أنهى الكلام على مسألة ما لطول ما ابتعد عنها في استطراده، ثم إن استخدامه لعلوم الآلة وتعمقه في مصطلحات كل علم تترك غير المتخصص في حيرة من أمره وقد يفهم عكس المراد أو يلتبس عليه المعنى، ويمكن تلخيص هذه الأسباب فيما يلي:

أ ـ المحكم والمتشابه في خطابه

ب ـ توزع الخطاب بين أكثر من مصدر

3 ـ نمط الكتابة بين التأصيل والاستطراد

4 ـ كثرة استخدامه لعلوم الآلة ومصطلحات مختلف العلوم

2 ـ أسباب تتعلق بمتلقي الخطاب نفسه: وإذا كانت طبيعة خطاب ابن تيمية سببا في هذا الالتباس كما سلف فإن هناك أسبابا أخرى تتعلق بالمتلقي نفسه، حيث إن كثيرا من قَرَأَة كتبه يأتون باحثين عن ما يعضد رأيا تقرر لديهم أو فتوى اعتمدوها، ويريدون تثميرها وتزكيتها بشيء من كلام الشيخ، فيدفعهم ذلك إلى اجتزاء أقواله واقتطاعها من سياقاتها الأصلية، وأهم هذه الأسباب ـ كما عرضها المؤلف ـ هي:

1 ـ التعصب المذهبي والتحيز المعرفي

2 ـ اشتباه التاريخية واختلاف التصورات الحاكمة

3 ـ عدم إدراك التطور الفكري عند ابن تيمية

4 ـ الصورة الشائعة والنقل الخطأ

ضوابط قراءة خطاب ابن تيمية

ولم يكتف المؤلف ببيان أسباب الاشتباه ولكنه قدم ضوابط يراها ضرورية لفهم خطاب ابن تيمية بطريقة صحيحة، وهي ضوابط تحاول فهم خطاب الرجل في ضوء ما يفترض أنه نظريته الفقهية التي تحكم بشكل كلي مختلف فتاويه وآرائه، وهذه الضوابط هي:

أ ـ ضرورة قراءة وتجلية موقف شيخ الإسلام في ظروف عصره، مقارنته بين نظره وتطبيقه ورأيه وممارسته حتى يصح الفهم.

ب ـ ضرورة التفرقة الواضحة بين الفتاوى الجزئية والتاريخية وبين ما هو مبدأ عام وقاعدة كلية وتأسيسية غير مرتبطة بزمان أو مكان محددين.

ج ـ ضرورة إدراك مراحل تطور خطاب ابن تيمية وترتيب مؤلفاته وتطور قراءاته للمسألة الواحدة أو مجموعة مسائل وربطها ببعضها، فبعض كتبه متقدمة وبعضها الآخر متأخر، وهو أحيانا يشير إلى كتبه السابقة في مؤلفاته الجديدة، فذكر في النبوات العديد من كتبه السابقة الجواب الصحيح،

د ـ عدم اعتبار الشوارد والآراء التفصيلية والفتاوى التاريخية بعيدا من أسس هذا الخطاب ومنظومته.

ه ـ تقدم خطاب ابن تيمية على المرويات عنه وفي سيرته، فبعض تلامذته يروي سماعا ولم يكن شاهدا، وقد يضمن رأيه غير رأي ابن تيمية.

 

تلك مقتطفات ومحاولة استخلاص زبدة كتاب شامل ومكتنز بالمعلومات والأفكار، جول أخطاء الجهاديين في فهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو كتاب مهم للباحثين والدعاة والمهتمين بعملية الإصلاح والتوجيه جميعا، وذلك لكون ابن تيمية أهم مراجع السلفيين التكفيريين والجهاديين وأكثرها تكرارا في فتاويهم وخطاباتهم، فهو نقاش لمصادرهم من مصادرهم، وذلك أقوى أنواع الاحتجاج.

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016