شريعة

الخروج على الحاكم بين نصوص الشريعة والتكييف الفقهي

Feature image

“مسألة الخروج على الحاكم” قضية قديمة جديدة، شغلت العقل المسلم على مر العصور والأزمان، والكلام حولها في أغلبه “حديث مُعَادٌ”.. بيد أن النظر الدقيق في المدونة الفقهية يؤكد أن المسألة رغم خطورتها وأهمية ما يبنى عليها من عمل، ورغم كثرة النقاش الذي دار ويدور حولها، طغت على نقاشها المواقف الاديولوجية وغلب على آراء الفقهاء حولها التكيُّف مع الواقع، ولم تنل من التمحيص العلمي ما تستحق، وما زالت الكلمة الأخيرة حولها بعيدة المنال. بل إن نظرة عابرة في تراثنا الفقهي وفي واقعنا الراهن تقول إن رؤية لون فقهي واحد  ظلت هي الرؤية السائدة في المسألة، وليس ذلك عن قوة حجة وبرهان بل إن تلك الرؤية الفقهية قد فرضت هيمنتها بما توفرت عليه من مساندة السلطان لها باعتبارها تكرس الواقع المعيش، ولا تسعى إلى تغييره.

لقد ظل المفهوم السائد لآية سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ هو أنها تأمر بالطاعة المطلقة للحكام، وتحرِّم نزع يد الطاعة منهم مهما كانت الأسباب والمبررات.

وعند التأمل في الآية وقراءتها ضمن سياقها القرآني يتبين أنها تشير إلى معان مترابطة لا يمكن الفصل بينها، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.

بين الراعي والرعية

ففي الآية الأولى يتجه الخطاب نحو الحاكم المسلم مذكرا له بمسؤلياته، مبرزا لها في مسألتين أساسيتين هما: “أداء الأمانة”، و”الحكم بالعدل”: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). ورغم أن الآية عامة في كل مسلم، إلا أن الخطاب فيها متجه بالأساس إلى ولاة الأمور.

سياق الآية يدل بشكل مباشر وصريح على وجوب طاعة الحاكم المسلم إذا أدى أمانته وحكم بالعدل

و”أداء الأمانة” يشمل أول ما يشمل تطبيق شرع الله، والوقوف عند حدوده، ومشاورة أهل الرأي، والنصح للمسلمين.

وفي الآية الثانية يتجه الخطاب إلى المحكومين (الرعية)، آمرا لهم بتحمل مسؤولياتهم في السمع والطاعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).

وستبقى هذه الطاعة مقيدة بالمعروف، وبما ليس معصية لله، ففي الصحيحين: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).

طاعة الحاكم الفاسق

سياق الآية يدل بشكل مباشر وصريح على وجوب طاعة الحاكم المسلم إذا أدى أمانته وحكم بالعدل، وقد أفادتنا السنة النبوية بأن هذه الطاعة مقيدة بالمعروف وبما ليس معصية لله.. ولكن ماذا عن الحاكم الذي أخل بواجباته، بأن فرط في حقوق الرعية، واستباح المال العام، وضيع مصالح الأمة، وعطل شرع الله، وغيب الشورى؟ وهل هناك تلازم بين أداء الحاكم لواجباته وبين لزوم الطاعة له أم أنه لا تلازم بينهما؟

ذلك من المجمل؛ الذي لا يمكن الإجابة عليه من خلال الآية، نفيا أو إثباتا، ويحتاج الحسم فيه إلى دليل من خارجها يُبَيِّنُ حقيقته ويميط اللثام عنه.

وقد وجدنا في المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى التلازم بين وجوب طاعة الحاكم وبين تطبيقه لكتاب لله، فعن أم الحصين أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا) رواه مسلم، ووجدنا حديثا آخر قد يفهم منه نفي هذا التلازم، وهو حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله، وقد جاء فيه: (فوا ببيعة الأول فالأول ثم اعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) متفق عليه.

وليس هناك تعارض بين الحديثين، فوجوب الطاعة متلازم مع تحكيم الحاكم لكتاب الله كما نص على ذلك الحديث الأول، في حين أن تضييع الحاكم لبعض حقوق الرعية لا يسقط طاعته –إذا كنت له شرعية- ما لم يتخذ من ظلم الرعية ومنع الحقوق نهجا متبعا، ثم إن هذا الحاكم الذي يجب التغاضي عن هناته وتضيعه لبعض الحقوق إنما هو الحاكم الذي جاء عن طريق بيعة شرعية (فوا ببيعة الأول فالأول..).

وإذا نحن رجعنا إلى كتاب الله، وجدنا آياته تنهى عن طاعة من عصى الله وخرج على أحكامه، يقول الله عز وجل: ﴿ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾، ويقول تبارك وتعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾، ويقول عز وجل: ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾، ويقول تبارك وتعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾.

وقد تعززت هذه النظرة بما جاء في خطاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند توليه الخلافة: (…أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم) رواه عبد الرزاق في المصنف.

ويقول تعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال أبو بكر الجصاص: (فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته)[الجصاص، أحكام القرآن (1/86)].

إن ظهر بعد ذلك جهل أو جور أو ضلال أو كفر انخلع منها أو خلعناه

وهذا ما دفع فخر الدين الرازي رحمه الله إلى الجزم بأن طاعة الأمراء والسلاطين في عصره (غير واجبة قطعا، بل الأكثر أنها محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم). الرازي، مفاتيح علوم الغيب (10/114).

وقد سبقه إلى هذه النظرة الفقهية ابن خويز منداد المالكي، الذي نقل عنه القرطبي قوله: (إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم). [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (5/259)]، وابن حزم الظاهري، وإمام الحرمين الجويني، والزمخشري، وابن عطية، وأبو الفتح الشهرستاني صاحب العبارة القوية: (وإن ظهر بعد ذلك جهل أو جور أو ضلال أو كفر انخلع منها أو خلعناه) [الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام/174]. وقد تابعهم في ذلك القرطبي، والبيضاوي.

وقد خالف في هذه النظرة الفقهية عدد من العلماء، منهم الإمام النووي رحمه الله الذي حكى الإجماع على حرمة الخروج على الحكام ولو كانوا فسقة ظالمين، فقد قال: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق). النووي، شرح صحيح مسلم (12/229).

وهذا الإجماع الذي حكاه النووي رحمه الله غير مُسَلَّم.

ولقد كان الحافظ ابن حجر رحمه الله أكثر دقة منه عندما اعترف بوجود الخلاف في المسألة، حيث نقل عن الداودي قوله (الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه)[ابن حجر، فتح الباري (13/8)].

لا سبيل إلى إقامة الحق إلا بمغالبة الباطل، وقد يكون ثمن ذلك دماء يبذلها المسلمون في سبيل محاربة الباطل وإقامة الحق

وقد علل الحسين رضي الله عنه ثورته على يزيد بن معاوية بقوله: (وما أظن لي عند الله عذراً في ترك جهادك، وما أعظم فتنة أعظم من ولايتك هذه الأمة). الذهبي، تاريخ الإسلام (5/6). فهو يرى أنه ليست هناك فتنة أعظم عنده من ولاية هذا المتغلب الذي سلب الأمة حقها في اختيار من يحكمها، ولذلك يرى أنه لا عذر له عند الله في ترك جهاده، والعمل على عزله عن الحكم.

كلمة أخيرة

وفي الأخير ستبقى “مسألة الخروج” مسألة نسبية، خاضعة للموازنة المصلحية وللتقدير السياسي، أكثر منها حكما شرعيا ثابتا لا تؤثر فيه المتغيرات؛ فليس هنالك نصا شرعيا حاسما يمنع من الخروج إذا كانت المصلحة فيه راجحة، كما أن النصوص الشرعية الآمرة بتغيير المنكر وتقويم اعوجاج السلطان مقيدة بنصوص أخرى تنهى عن تغيير المنكر إذا كان سيؤدي تغييره إلى منكر أكبر منه.

ولا يفوتنا هنا أن نقول إن الفقهاء الذين أفتوا بمنع الخروج بإطلاق، لما يسببه من دماء يتجاهلون قضيتين أساسيتين:

أولهما: أنه لا سبيل إلى إقامة الحق إلا بمغالبة الباطل، وقد يكون ثمن ذلك دماء يبذلها المسلمون في سبيل محاربة الباطل وإقامة الحق، ولذلك شرع الجهاد رغم ما فيه من تلف للنفوس ولكن لا سبيل إلى رفع دعائم الحق إلا به.

والثانية: هي أن الفقهاء الذين يمنعون الخروج، ويعللون ذلك بكونه فيه سفك للدماء وقتل للنفس التي حرم الله إلا بالحق، يتجاهلون أن الإسلام جاء لحفظ ضروريات خمس: أولها الدين، وأن النفس تبذل في سبيل الحفاظ عليه، وأنه إذا ضيع الدين واستبيح حماه فلا معنى للحفاظ على النفس عندئذ إلا الجبن والقعود. وخوف المسلمين من تكرار وقعتي الحرة ودير الجماجم هو الذي مَكَّنَ الاستبداد السياسي من التحكم فيهم أزمانا متطاولة.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة