فكر

الهجرة قدر محتوم ثماره باراك وصدّيق

Feature image

في ذروة واحدة من أكبر موجات العداء للأجانب في أوروبا ومن عدم الثقة في الآخر داخل مجتمعاتها، يفوز شاب، فقير المنبت باكستاني الأصل، بانتخابات منصب عمدة لندن متفوقا على مرشح ثري أبيض البشرة أرستقراطي التصنيف الاجتماعي، خريج أفضل مدارس وجامعات المملكة.هذا أجمل ما في الموضوع، في ذروة الشيء يتحقق نقيضه!

فاز صدّيق خان باعتباره المرشح الأفضل، لا لأنه مسلم. فلو اقتصر الأمر على دينه وكونه يؤدي فرائض الإسلام، لمَا أمكنه قطع نصف الطريق، لأن المسلمين لا يشكلون إلا واحدا من كل ستة إلى سبعة من سكان لندن، ناهيك عن أن كثيرين منهم سلبيون غير مؤثرين في الحياة العامة. ومع ذلك لا يمكن تغافل أصله ودينه ومنبته الاجتماعي.

فاز صدّيق خان باعتباره المرشح الأفضل، لا لأنه مسلم. فلو اقتصر الأمر على دينه وكونه يؤدي فرائض الإسلام، لمَا أمكنه قطع نصف الطريق

بالنسبة لصحف اليمين وبعض المتعصبين الاجتماعيين هنا وهناك، فوز خان هو انتكاسة. لكن بالنسبة للمؤسسة السياسية والقوة الحاكمة في صمت، في بريطانيا والمجتمعات التي تشبهها، فوز خان هو تتويج يشبه تتويج نادي لستر سيتي بالدوري الممتاز بعد عقود طويلة من الانتظار والحلم. الفرق الوحيد أن فوز لستر سيتي حدث عكس التوقعات، بينما فوز خان كان مبرمَجا وينتظر لحظته المناسبة. هو تتويج لسياسات هجرة وإدماج، مستمرة في صمت وهدوء، منذ زمن طويل واكتشفها العالم مؤخراً تحت مظلة العولمة ومفاهيمها.

منذ نحو 30 سنة يعيش العالم حركة شعوب هي الأكبر في تاريخ البشرية، تتميز بتداخل ثقافات وحضارات ولغات لتكون النتيجة النهائية فوز باراك حسين أوباما برئاسة الولايات المتحدة وصدّيق خان بزعامة مجلس بلدية لندن. والبقية قادمة.
العقود القليلة الماضية وما شهدته من حروب في رواندا والبلقان وأفغانستان والصومال والجزائر، ومن كوارث في إفريقيا وهايتي سهّلت المهمة وحضت الناس على الحركة.

كل يوم تسطع فيه الشمس يدخل الآلاف إلى القارة الأوروبية والأسترالية وإلى أمريكا، بالطرق المشروعة والممنوعة. لا يوقفهم أحد ولا يثنيهم شيء.. لا خطر أن ينتهي بهم المطاف في السجن، ولا مشاعر العداء، ولا التحريض الإعلامي ولا ما يسمعون من قصص عنصرية وعن مصاعب الحياة. يحملون جميعا بداخلهم حلم العودة، لكنهم يدخلون لكي يستقروا ويستمروا.

إن الهجرة وموجات اللجوء، على الرغم من مآسيها ومأساويتها الفورية، هي جزء من العالم الجديد سيتعايش معه في القادم من الزمن. تبدو قدرا محتوما أكثر منها كارثة.

لاجئون فارون من حروب ومجاعات، مهاجرون اقتصاديون، طلاب جامعات، مستثمرون اقتصاديون، مبتعَثون.. النتيجة واحدة: مجتمعات تُستنزف هناك في جنوب الكرة الأرضية، وأخرى تتعبأ وتولد من جديد هنا في شمالها. يدخل ألف يعود منهم إلى الوطن الأم خمسون، والآخرون تبتلعهم الحياة الجديدة ويكتشفون بسرعة أن كل يوم يمر يبعدهم مسافة جديدة عن تلك التي كانت ذات يوم أوطانهم. هذا العمل الصامت الأشبه بالسري هو الذي يغري بالقول إن الهجرة وموجات اللجوء، على الرغم من مآسيها ومأساويتها الفورية، هي جزء من العالم الجديد سيتعايش معه في القادم من الزمن. تبدو قدرا محتوما أكثر منها كارثة.
أما المآسي التي تحدث في الطريق، فهي، وعلى الرغم من أنها تدمي القلب، الثمن المطلوب لأنك لن تصنع عجة من دون أن تكسر بيضًا. العبرة بالنتائج بعد خمسين عاما وأكثر عندما يعيد أولاد وأحفاد الناجين من القوارب الغارقة اليوم صقل المجتمعات المستهدَفة ويخرج منهم باراك وصدّيق وغيرهما.

حتى الذين رفضوا مغادرة أرضهم ومجتمعاتهم الأصلية، أو لم يستطيعوا، مستهدَفون وسيكون لهم نصيب.. سيُجبَرون أولاً على الحسرة، وبعضهم سيجد نفسه فريسة للشعور بالذنب وتأنيب الضمير.

ولكي يبقوا قريبين من المشهد سيُدفعون الى أكل المأكل ذاته بالمذاق ذاته والسعر ذاته. تتناول مشروبك في مقهى «ستاربكس» أو وجبتك في «سابوي» في بومباي أو عمان أو شيكاغو أو مانشستر، السعر والمذاق واحد وديكور المحل واحد.

على الأقل هذا ما ستشعر به. الألبسة الرياضية التي تشتريها لأولادك حيث أنت وعائلتك، يشتريها آلاف الآباء مثلك في جنوب إفريقيا وإسرائيل والبرازيل والسويد وروسيا، وغيرها.. «ريبوك» و»أديداس» و»نايكي» و»بيوما». كل الناس يلبسون من منهل واحد ماركة محددة بألوان مختارة لهم.

وكذلك الألعاب الإلكترونية وأدواتها.. كل أطفال العالم يلعبون «حرب النجوم» و»فيفا 2014» و»باتمان» و»لعب الليغو» في نسخ من ماكينة واحدة وفي الفترة الزمنية ذاتها وكأنهم في غرفة واحدة. من لم يصله نمط الحياة هذا أو لم يستطع إليه سبيلا، سينال نصيبه بالتفكير فيه والحلم به. لا مجال للنجاة.

هل تساءل أحدنا لماذا شرّعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أبواب بلادها لمليون لاجئ سوري في تصرف بدا أقرب إلى الجنون؟

هل تساءل أحدنا لماذا شرّعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أبواب بلادها لمليون لاجئ سوري في تصرف بدا أقرب إلى الجنون؟

لكن ميركل ليست مجنونة، والقوة السحرية التي تخطط للعالم وتديره من وراء ستار لا تقامر بلا يقين. الأمر مدروس ومحسوب بدقة: المجتمع الألماني يشيخ بسرعة ويحتاج لقوى عاملة، مؤهلة وعديمة التأهيل، تحافظ له على حركيته الاقتصادية في الاتجاهين، إنتاجا واستهلاكا.

لا يمكن لعاقل يخطط لمئة عام إلى الأمام بالمنطق المذكور أعلاه أن يرفض هذه القوافل من اللاجئين وهي تتدفق أمام حدوده. إنها هدية من السماء. أما الكلام عن المشاكل المترتبة عن اللاجئين والمصاعب الاقتصادية التي يسببونها للبلد المضيف، ألمانيا أو غيرها، فموجه للاستهلاك الإعلامي ولتطييب خواطر الغاضبين الذين تعجز مداركهم عن استيعاب أن الأمر يتعلق بعمل بعيد جداً زمنيا. وزير العدل الفرنسي السابق جاك توبون أصدر أمس تقريراً عصارته سيادة «منطق الشك» تجاه المهاجرين، وأبرز ما فيه أن الهجرة لم تكن يوما مشكلة لبلد مثل فرنسا، و»لم تهدد يوما صرح القيم الجمهورية» فيه.

كل هذا يعرفه الذين يريدون العالم كله أن يشرب قهوة متشابهة ويأكل فطيرة بمذاق واحد، وأطفاله يلبسون اللعبة ذاتها ويلبسون الحذاء الرياضي نفسه.

أما الآخرون، وفيهم نخبٌ كثيرة، فبإمكانهم الاستمرار في الاحتجاج.. لديهم متسع من الوقت والمساحة.

المصدر : القدس العربي

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة