شريعة

منهجية المرجعيةالحركية في التعامل مع القرآن (1 – 2)

13/06/2016

feature image

نتناول في هذا المدخل نماذج من الفكر الإصلاحي الذي رأى في القرآن مرجعية تربوية وحركية فاعلة في إصلاح المجتمع المسلم، واخترنا نموذجين استطاعا تأسيس حركتين إصلاحيتين([1]) نُقل بها الفكر الإصلاحي الإسلامي من طور الفردية إلى طور المؤسسية، وهذان النموذجان هما: أبو الأعلى المودودي (1903-1979) الذى أسس “الجماعة الإسلامية” في شبه القارة الهندية، وحسن البنا (1906-1949) الذى أسس جماعة “الأخوان المسلمون” في مصر، حيث قام القرآن بدور محوري في تحديد هوية هاتين الحركتين، وبرامجهما وفلسفتهما التربوية والحركية.

أبو الأعلى المودودي (الجماعة الإسلامية)

الغاية العامة والنهائية للجماعة الإسلامية (1941) كما يحددها المودودي في كتابه “موجز تاريخ تجديد علوم الدين وإحيائه وواقع المسلمين وسبيل النهوض بهم” هو: تأسيس نظام للحياة مبناه على طاعة الله عز وجل والإيمان بالآخرة وإتباع الرسل والأنبياء.([2])

ويكون ذلك عن طريق برنامج يتضمن:

1- تطهير الأفكار وتعهدها بالغرس والتنمية…مع نقد الغرب وعلومه وفنونه ونظامه للثقافة والمدنية.

2- استخلاص الأفراد الصالحين وجمعهم في نظام واحد وتربيتهم.

3- السعي في الإصلاح الاجتماعي.

4- إصلاح الحكم والإدارة.

وفي ضوء هذه الرؤية الإصلاحية العامة انطلق المودودي من القرآن كسبيل لتحقيق غاية الإصلاح الفردي والاجتماعي عنده فأصدر مجلة ” ترجمان القرآن” والتى كان يكتب فيها دروسه وآرائه حول القرآن والإصلاح. وقد طرح المودودي رؤيته المباشرة حول القرآن وحركة الإصلاح في ثلاثة كتب أساسية وهي “تفهيم القرآن”، و”مبادئ أساسية لفهم القرآن”، و”المصطلحات الأربعة في القرآن”.

ويمكن تحديد موقف المودودي من القرآن وعلاقته بحركته الإصلاحية “الجماعة الإسلامية” التي أسسها  فيما يلي:

– القرآن مصدراً لإصلاح المجتمع “إن القرآن يتبع طريقة في حل المشاكل التعليمية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما يتناول مبادئ القانون وأصوله بأسلوب يخالف منهاج علماء الاجتماع والقانون ويلقن الأخلاق بطريقة “ليس لها نظير”.([3])

– مناسبة القرآن لحركة الإصلاح وتطورها “…ليس القرآن عملاً أدبياً على النمط التأليفي … إن القرآن يتخذ سياقاً يتناسب وقيادة الحركة الإسلامية التى أشعلها الرسول(r) تحت إشراف القرآن وقيادته المباشرة، وعلى هذا فالله سبحانه وتعالى أوحى القرآن وأنزله رويداً رويداً ليوفى متطلبات الحركة ويسد احتياجاتها ولوازمها في كافة مراحلها المختلفة.([4])

– اختيار وجذب الأنصار وإنذار المعارضين : يرى المودودي أن السور المكية” ساعدت الحركة باجتذابها خيرة الناس… وواصل الله تنزيله بما يطابق الحالة آنذاك–أي حالة الحركة …. وفي الوقت ذاته أنذرت هذه الآيات معارضي الحركة وإشباعهم. ([5])

– أسلوب القرآن وعلاقته بالحركة الإسلامية الأولى: “إن نزول القرآن ووحيه بدأ مع بداية الحركة الإسلامية واستمر ثلاثة وعشرين سنة، وأن سوره نزلت وفقاً لمقتضيات أطوار الحركة ومراحلها المختلفة”([6]).

ويعلن المودودي تكرار بعض التوجيهات مراراً في القرآن بقوله ” أى مهمة وحركة يلزم لها بسط ما تتطلبه في مرحلة من مراحلها مع ضرورة التزام الصمت إزاء ما تحتاجه في مرحلتها المقبلة؛ لهذا فإن احتياجات الحركة ما تفتأ تتكرر ما دامت الحركة لم تدخل في مرحلة أخرى سواء استمرت شهوراً أو أعواماً… إن القرآن يكرر عقيدته ومبادئه الأساسية في مواضع مناسبة ليحفظ الحركة قوية في كل مرحلة ودور”.([7])

ودعت “الجماعة الإسلامية” بالإضافة إلى البناء التربوي “للأفراد الصالحين” في المجتمع – كما وصفهم المودودي –إلى إصلاح جانب الحكم والإدارة، وتحديداً “النظام السياسي” يذكر المودودي “…إن كنا نريد اليوم أن نصرف بنظام الحياة في بلادنا عن طريق الضلال والفساد والفسق والعصيان ونسير به في طريق الإسلام المستقيم فلا مندوحة لنا من أن نبذل سعينا بطريق مباشر في إزاحة الفساد عن منصة النفوذ والسلطة، وإحلال الصالح مكانه، والظاهر أنه إذا كان زمام الأمر والسلطة بأيدي الصالحين المؤمنين، فإنهم يحدثون في أعوام قلائل من التغيرات الهامة في نظم التعليم والقانون والإدارة ما لا يمكن أن تأتي به الجهود غير السياسية في مدة قرن كامل”.([8])

ولهذه التفضيلات السياسية في النهج الإصلاحي للجماعة الإسلامية حاول المودودي  استحضار القرآن فيها والبحث عن المعالجة القرآنية للجانب السياسي، فنتناول المودودي في كتابه “الخلافة والملك”[9]: تعاليم القرآن السياسية، مبادئ الحكم في الإسلام ثم استطرد في عنوان “الحاكمية الإلهية”، وطرح فيها عدد من التفصيلات التى تخص قرآنية الفكرة السياسية مثل:

– التسليم لرب الكون والإنسان، كما في (الأنعام 162 / الأعراف 54 / الناس 1-3).

– إن حق الحكم والقضاء ليس لأحد غير الله وعلى الإنسان أن يطيعه ويعبده وهذا هو الطريق الصحيح والمسلك القويم، (الشورى 10 / يوسف 40/ آل عمران 154/ الأعراف 54/ المائدة 38 – 40/ البقرة 216/ البقرة 220/ البقرة 255/ البقرة 255/ البقرة 232/ النساء 11/ الأنفال 75/ التوبة 60 / النور 58/ الممتحنة 10) .

حاكمية الله القانونية، (الزمر 2 – 3 / الزمر 11 – 12 / النحل 36 / البينة 50/ الرعد 37/ الجاثية 18/ البقرة 229/ الطلاق 1 / المجادلة 4/ المائدة 44 ، 45، 47، 50 / النساء 60) .

القانون الأعلى، (الأحزاب 36/ النور 47 – 48).

 – المبادئ الدستورية الأساسية للدولة في القرآن:

أ – في آية النساء: 59،

طاعة الله ورسوله مقدمة على أي طاعة أخرى.

طاعة أولى الأمر تأتى تحت طاعة الله ورسوله.

أن يكون أولي الأمر من المؤمنين.

للناس حق منازعة الحكام والحكومة.

أن الفيصل في النزاع هو قانون الله ورسوله.

ضرورة أن توجد في نظام الخلافة هيئة حرة مستقلة عن نفوذ الشعب وتأثير الحكام لتقضى في النزاعات طبق القانونية الأعلى (قانون الله ورسوله).

بـ – سلطات الدولة محدودة بحدود الله.

جـ –  الهيئة التشريعية تعمل بالشورى.

د – الهيئة القضائية حرة مستقلة عن أى تدخل أو ضغط أو نفور. (المائدة: 45/ النساء: 58) .

 


([1]) ويمكن هنا أيضاً أن نتناول حركة فتح الله كولن , وهى حركة إسلامية نشأت في تركيا وتمددت في أوروبا وتعتمد على القرآن كمرجعية تربوية وأخلاقية.

([2])المودودي, أبو الأعلى. موجز تاريخ تجديد علوم الدين وإحيائه وواقع المسلمين وسبيل النهوض بهم . ترجمة: محمد عاصم الحداد, الجزائر:دار الشهاب,1963 ص142.

([3])المودودي, أبو الأعلى. تفهيم القرآن. ج1، ترجمة : أحمد إدريس، الكويت: دار القلم، 1978. 6 أجزاء ، ص8 .

([4])المرجع السابق، ص13.

([5]) المرجع السابق، ص14.

([6]) المرجع السابق، ص16.

([7]) المرجع السابق، ص17.

([8])المودودي, أبو الأعلى. موجز تاريخ تجديد علوم الدين وإحيائه وواقع المسلمين وسبيل النهوض بهم. مرجع سابق, ص211.

[9] المودودي, أبو الأعلى. الخلافة والملك, ترجمة: أحمد إدريس,  الكويت. دار القلم ,1978.


المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة