فكر

جدل التشيع في موريتانيا إلى أين؟

29 سبتمبر, 2016

1
مشاركة
جدل التشيع في موريتانيا إلى أين؟, تيارات, طائفية, موريتانيا,

كشفت تصريحات الإمام أحمدو ولد أمبرابط المطالبة للرئيس الموريتاني بوضع حد للنشاط الشيعي في موريتانيا جدلا واسعا غير مسبوق كشف حجما كبيرا من الانقسام بشأن المطلب الذي تقدم به الإمام الذي يعتبر بمثابة المفتي العام للبلاد.

جدل متعدد

التيارات ذات الطبيعة الليبرالية انتقدت تصريحات الرجل واعتبرتها جزءا من عقائدية الولي الفقيه، منتقدة جرأة “الإمام” على التدخل في إعادة صياغة العلاقات الدولية طبقا لهواه السياسي المناصر لأجندة تيارات سلفية في العربية السعودية، كما أن مشروع محاربة فكرة أو مذهب تعتبر طرحا غير ديمقراطي ويفتقر للتسامح والتعاطي بروح ايجابية مع مختلف الآراء الفكرية في الساحة والتي لا يمكن أن يتحكم أحد في خيارات الناس تجاهها، ومن سيحول دون تلاقح الأفكار والمذاهب في هذا الظرف سيكون كمن يحاول حجب الشمس بغربال.

الروائي والوزير السابق محمد ولد أمين قارن بين خطبة ولد أمرابط وخطبة الولي الفقيه على خامينئ، معتبرا أن كلا الرجلين رغم التناقض المذهبي الراهن يعبران عن حقيقة الدفع بالمجال الوعظي الديني ليشغل حيزا من المجال السياسي، مبديا تحفظه على دعوة ولد لمرابط.

فيما خرجت العديد من الآراء الصحفية الناقدة للرجل والمعبرة عن رفضها لاستجلاب الصراع الطافي والشحن المذهبي لبلاد ظلت في منأى عن هذه الصراعات التي طالما كانت سببا لصراعات ومشاكل سياسية عميقة بالمشرق العربي.

غير أن أحزابا سياسية عديدة ثمنت فكرة الرجل وأهابت بها باعتبارها وضعت الإصبع على الجرح الذي كثيرا ما تفادى الكثيرون علاجه خصوصا فيما يتعلق بالنشاط المكثف للسفارة الإيرانية.

وجاءت هذه المواقف من أحزاب وتيارات سياسية متباينة الرؤى منها الليبرالي واليساري والإسلامي.

وكلها اعتبرت أن نشاط نشر الفكر الشيعي يهدد الوحدة المذهبية للبلاد التي ظلت منذ القرن الخامس الهجري بلادا سنية أشعرية مالكية فيما يخص الخيار المدرسي داخل الانتماء السني.

المعمم أبعد نظرا  

بعض الكتاب والمدونين اعتبر أن النخبة الموريتانية ذات التأثر والميول – الفرانكفوني – لا تدرك المآل الإستراتيجي للخطر الشيعي، لأنها لم تطلع على ما فعله التشيع الفارسي الصفوي في العديد من البلدان العربية التي امتد إليها هذا المد الذي لم يعد فكرا مذهبيا في الفقه والعقائد الدينية فقط، بقدر ما أضحى مشروعا سياسيا واستراتجيا ذي مخالب قتالة، إذا اشتبكت ونشبت أحابيلها في أي بلد فقد زرع فيه الشقاق الطائفي، مما سيدفع بالنسيج الاجتماعي لذلك البلد لمزيد من التمزق والتشتت، وهو ما سيكون له تأثير سلبي على موريتانيا، التي تعاني أصلا من الإشكال الإثني والعرقي وما ينجر عنهما من صراعات منهكة للدولة والمجتمع.

إن عامل وحدة المذهب عامل ايجابي، فحتى الآن ظلت موريتانيا في العموم تعيش مستوى من وحدة العامل الديني شكل عند الاستقلال أبرز جامع لمجتمع من قوميات متعددة، لذلك لم يتردد المؤسسون في اختيار العنوان :”الجمهورية الإسلامية الموريتانية” لكون العامل الديني أبرز جامع وناظم وموحد لأشتات العرب والبربر والفلان والحراطين والسوننكى والوولف وغيرهم من عناصر القوميات، وقبل أن تتسمم كلمة “الإسلامية” بفعل الإيديولوجيات اللاحقة لما بعد حراك السبعينيات السياسي.

واعتبر أصحاب هذا الرأي أن ما حذر منه الإمام من تمزيق وحدة الأمة ليس تنظيرا أو تخرصات محتملة، وإنما هو تجربة واقعة في أكثر من بلد عربي دخله هذا المشروع بطرق الانتشار الناعم، ثم تحول بعد حين إلى شوكة في خاصرة البلدان التي استطاع أن يفرخ فيها أنصارا وأتباعا، تحولوا لخدمة الهدف العقائدي والسياسة الإستراتجية لتك الدولة البعيدة، التي تظهر في العلن مواقف، ولكنها في الخفاء تمارس ما يمكنها من السيطرة والتحكم في المجتمعات التي استسلمت للأمر الواقع، وقبلت تغييرات أرادت هذه السياسة التي تعلن الدعوة لآل البيت ومذهبهم ولكنها، تمارس قواعد إستراتجية وسياسية للهيمنة عبر أدواتها الطائفية والدعائية.

تهويل وتخويف

ويبقى الخطر الشيعي في موريتانيا يتراوح بين من يبالغ في الموجود منه في الوقت الراهن ومن يُهوِّن من مسار انتشار قابل لأن يشكل خطرا ليس الآن ولكن بعد عقود، ذلك أن الأرضية الخصبة في موريتانيا وواقع التنازع بين المكونات، وحالة الفقر المدقع التي يعيشها الشعب تجعل الأرضية خصبة لأي مشروع جاد ذي رؤية وروية وتفكير مستقبلي، وتلك سمات جربت في المشروع الإيراني المتدثر بمسوح التشيع الإسلامي وهو يخدم أجندة قومية لأمة وطنية لا تعرف من مذهب التشيع إلا كونه تلوينا ثقافيا وتشكيلا مستمدا من تجربة وطنية وقومية ممتدة لها رؤيتها الإمبراطورية ومشروعها السياسي الهادف للهيمنة على العالم الإسلامي.

ويقول العارفون بآليات المد الدعوي الشيعي إنه يستخدم الدعم الثقافي والفكري عبر مؤسساته لنشر فكره وتأسيس وجوده في القارة الإفريقية التي شكلت منذ السبعينيات مكانا خصبا للثراء والاستثمار، خصوصا بالنسبة للبنانيين الشيعة الذين اضطرتهم ظروف بلادهم للهجرة إلى القارة السمراء، فأسسوا في هذه البلاد مراكز لهم وأقاموا أنشطتهم الفكرية والدعوية مستغلين ضحالة معلومات المسلمين الأفارقة عن الإسلام الذي ينتمون إليه خصوصا في بلدان غرب القارة.

أما في موريتانيا فقد أدى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على خلفية الحرب العراقية الإيرانية، والموقف الموريتاني منها الداعم للعراق آن ذاك، ولكن أيضا خوفا من امتداد المشروع إلى طموح في هذه البلاد النائية.

غير أن تلك العلاقات عادت من جديد لتشكل بديلا عن العلاقات الموريتانية الإسرائيلية، ففي فبراير 2009 بدأت هذه العلاقات وفي العام 2010 زار الرئيس الموريتاني ولد عبد العزيز طهران وعقد صفقات تتعلق بتوريد السيارات واتفاقيات في التعاون الثنائي بين البلدين.

ويقول العارفون بخفايا الأمور إن هذه العلاقات تأسست في الجانب الدبلوماسي لتخدم الطرفين في لحظة حرجة، فقبل استئناف نواكشوط علاقاتها بطهران كانت إيران تخسر علاقاتها بالمملكة المغربية، وقبل ذلك بأشهر اهتزت علاقاتها بدول افريقية عديدة.

أما الجانب الذي شكل أكبر خدمة لإيران فهو ذلك المتعلق بنشاط السفارة في نواكشوط، والذي امتد في فراغ موريتاني واسع، ولاقى تجاوبا من النخب السياسية والحزبية، وحتى أصحاب الهوى الشيعي من النفعيين الراغبين في اكتساب المنافع من خلال ادعاء انتسابهم للمذهب الجعفري بوصفهم من آل البيت المختفين في هذه البلاد هربا من جور السلطان منذ عصور قديمة، كما يدعي بعض أدعياء النسب الشريف في موريتانيا.

ومهما يكن فإن العلاقات الموريتانية الإيرانية قد تنوعت في السنوات الست الأخيرة ونمت وتمكنت من مد أشرعتها الثقافية والتبشيرية بمذهب أهل البيت عليهم رضوان الله وسلامه، مما جعل البعض يعتبر أن نشأة طائفة شيعية في موريتانيا باتت مسألة وقت، فيما يرى العديد من النخب أن ذلك جزء من التهويل والتخويف الفاقد للمسوغات المقنعة.

ففي جوانب أخرى من تقييم هذه العلاقات اقتربت نواكشوط أكثر في الفترة الأخيرة من الرياض وانتمت موريتانيا للتحالف الإسلامي المناهض للحروب الإيرانية في المنطقة، وتراجعت جوانب التعاون الإيراني الموريتاني في المجال الاقتصادي تحديدا دون الدبلوماسي.

        

 

 

 

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019