فكر

قيم المواطنة والتعددية الدينية والعرقية  

Feature image

المواطنة مصطلح وافد منقول من الثقافة الغربية وقد نشأ في حضن التطورات التاريخية للثورات الحقوقية في أوربا منذ القرن السادس عشر حيث كان سكان المقاطعات والمدن الأوربية بمثابة الأرقاء لدى الحكام الذين تبارك الكنيسة تصرفاتهم.

وقد مرت البلاد الأوروبية بتطورات تاريخية وتحولات كان من أبرز ما نتج عنها تقيد سلطات الملوك أو إنهاء حكمهم كما هو الحال في فرنسا التي تخلصت من ملكيتها بعدما تبنت الأخيرة أسلوب الثورة المضادة للانقلاب على النتائج التي تحققها الثورات الساعية لمزيد من الحرية وتقيد السلطات المطلقة للأمراء.

وباتت المواطنة اليوم تعني بشكل محدد:

– احترام القيم المشتركة بين الجماعات البشرية سواء كان اجتماعها وتميزها على أساس عرقي أو ديني.

– السعي الجماعي وبإرادة موحدة لخدمة المصالح المشتركة وتنمية الروح التشاركية الإيجابية في المجتمعات التعددية.

– ممارسة الحقوق والحريات دون تميز بين أفراد المجتمع المتنوع والتمتع بكافة أشكال الحقوق دون فرز أو تميز على أساس العرق أو الدين أو اللون أو الانتماء الطبقي الناتج عن التفاوت في المستويات الاجتماعية أو الاقتصادية.

فعلى هذه الأسس والمقومات ترتكز المواطنة الكاملة دون سعي أي من الأطراف إلى دمج أو صهر الطرف الآخر تحت أي ذريعة وبأية حجة مهما كانت مسوغاتها.

والمواطنة هي النظام الذي استقر بعد التحولات الكبيرة في أوربا وتعني أن المواطن له حقوق على الدولة وعليه واجبات فله حق التعليم والتشغيل والرعاية الصحية والحقوق السياسية كالانتخاب والترشيح والمشاركة في الحياة السياسية طبقا لمقتضيات القانون. وعلى المواطن واجبات الولاء للوطن وخدمته بتفان وإخلاص وإتقان العمل دون محاباة أو ظلم أو انحياز ضد أي مواطن آخر أو فئة من المواطنين في الدولة الوطنية أو القومية.

غير أن النموذج الغربي في المواطنة قد شكل جزئا من النموذج الغربي المهيمن من الناحية الحضارية بل والغازي للشعوب التي لم يعرف سياقها التاريخي الحضاري مثل هذا النظام وبالتالي أصبح مطلبا للعديد من الشعوب خصوصا بعد انقضاء فترات التحفظ على الحضارة الغربية الغازية بنماذجها وهو التحفظ الذي كان سائدا في المجتمعات العربية التقليدية منتصف القرن العشرين وبعد خيبة الأمل في النظم العربية التي أفرزتها حقبة ما بعد موجة حركات التحرر الوطني والتي عانت من سرقة ثوراتها من طرف الانقلابيين والانتهازيين الطامعين في السلطة وامتيازاتها وثرواتها كما حصل في جل الجمهوريات العربية.

تجربة هادية

غير أن العالم العربي في تاريخه الإسلامي قد ظل دائما هو الآخر لم يعرف نموذجا مبهرا لرشد الحكامة السياسية إلا في فترة وجيزة من تاريخه هي فترة السلطة النبوية وما تلاها من خلافة راشدة لم تستمر طويلا من الناحية الزمنية وإن ظل هديها وأثرها السياسي قائما يحتذى من كل حاكم راغب في الإصلاح كما شكل ذلك النموذج القائم على أسس يختلط فيها الروحي بالزمني والديني بالدنيوي منبعا خصبا لبناء نظرية الإسلام السياسية والتي ساهمت كتجربة إنسانية في التمهيد لعصر المواطنة وحقوق الإنسان في الوقت الراهن ونلاحظ أن حقوق المواطنة حسب هذا النموذج تم إرساء أسسها طبقا لما يتيحه المكان والزمان والسياق الحضاري والتاريخي الذي حكم تلك التجارب إذا ما قورنت بسياقها ونظيرها في الحضارات الإنسانية في تلك الظروف.

لقد استقت تجربة الإسلام السياسية تدابيرها وحكامتها من تعاليم الإسلام العقدية والتي أسست بشكل صارم قيم المساواة بين الناس رافضة النماذج السائدة في سياسات الأمم والحضارات المعاصرة لنشأة تجربتها وتطورها التاريخي في القرون الأولى للإمبراطورية الإسلامية والتي وإن ظلت سلطات الحاكم فيها مطلقة من حيث الشكل إذ لم توجد نصوص مكتوبة دستوريا تمنعه من التسلط والاستبداد إلا أنه لا يمكننا أن نتجاهل الكوابح التي تتشكل من دوائر متعددة بعضها ديني عقدي وبعضها اجتماعي طبيعي وكلها عوامل كبح كامنة في النفوس وتتحول في الكثير من الأحيان لتعاليم وإجراءات مكتوبة أو شفوية على ألسنة المستشارين والمفتين والوعاظ الذين يسوسون بها القائم بأمر الله في دنيا الناس ويتم امتثالها طبقا لصيرورة التدين والانسجام مع طاعة الله والانصياع لأوامره وهذه الدينامية السياسية ذات الطبيعة الربانية والتدينية شكلت باستمرار في التاريخ الإسلامي معالم نظرية سياسية ساست مجتمعات ودول وكانت فاعلة في إقامة الحكم الصالح ورد المظالم ودرء المفاسد وجلب المصالح.

النبي يرسي دعائم التعددية

اعترف الإسلام بواقع التعدد الديني لكونه الدين الخاتم للرسالات الناسخ للشرائع السابقة والوارث لحمل لواء التوحيد والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والقارئ للقرآن الكريم يفاجأ بحجم الحوار الديني العقائدي الملخص لتجارب الرسل مع أقوامهم بأسلوب حجاجي قوي لا يوجد له نظير في كتب الرسالات خصوصا اليهودية والنصرانية التي واجه القرآن الكريم استدلالاتها وناقش براهينها بأسلوب عميق لطيف.

وفي أول لبنة وضعها الرسول في المدينة لإقامة أولى بنى التنظيم السياسي أطرت وثيقة المدينة التعددية الدينية وأسست حق المساواة والمؤاخاة في المجتمع القبلي الذي جاء المسلمون للمدينة ولم يسعوا لتغيير تركيبته بل نصت هذه الوثيقة الهامة على تعدديته وأسست له سبل الاستقرار والنماء فيما اتجهت الدعوة الإسلامية لنشر مبادئها ورؤيتها للكون والحياة بالدعوة المتدرجة للتوحيد دون إكراه وأفسحت هذه التجربة المجال لتطور هذا المجتمع سياسيا وحضاريا وحالت دون وقوعه رهينة للحروب الثأرية القبلية ومع بيعة العقبة الثانية بدأت هذه الوثيقة تؤسس التعاهد والتناصر بين أهل المدينة (وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة(الفقرة 39)من وثيقة المدينة).

فقد اعترفت بما يمكن أن نعتبره الميلاد المبكر لمبدأ المواطنة التي تعترف بالمكونات الاجتماعية عرقية كانت أودينية وتقبل بها كما هي دون أن تفرض عليها رؤيتها أو تلزمها إلا بما يلتزم به الجميع عن رضى وبدون إكراه كما أقرت نصرة المظلوم أيا كان دينه أو عرقه (وأن النصر للمظلوم) و(لليهود دينهم وللمسلمين دينهم(الفقرة 25) من وثيقة المدينة).

أما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد احتفى بآثار الأديان السابقة وأرسى احترامها في تعاليم الشريعة وتدابير السياسة الوطنية والإقليمية والدولية في عصره وأدار هذا الملف بمهارة يندر أن توجد لدى الممالك المحنكة و المجربة وتلك سيرته ورسائله للملوك تنبئ عن حجم تقديسه واحترامه للأديان والأقوام ومراعاة أحوالهم وظروفهم وخصائصهم فانظر قوله صلى الله عليه وسلم :إنك تأتي قوما أهل كتاب … فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”.

وسن صيام يوم عاشوراء فعن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ” قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، نجّى اللَّه فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، فقال: أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه” .

وطيلة التاريخ الإسلامي انصهرت الجماعات الدينية والعرقية في جهاز الدولة أو الإمبراطورية الإسلامية وكانت القيم التي أرساها الإسلام حاكمة للسلوك الحكام والساسة ولم تعرف تجربة المسلمين التاريخية إبادة أو حربا كان العامل الأساسي فيها أنها حرب على عرق معين أو ديانة محددة بمعزل عن العوامل السياسية الأخرى التي تكون هي العوامل الرئيسية.

ونلاحظ أن وزراء يهودا ونصارى وملوكا وقادة من جنسيات مختلفة كان لهم تأثير كبير في الممالك الإسلامية عبر العصور وحصل لهم من النفوذ بفنونهم العلمية ومؤهلاتهم القيادية ما لم يحصل لغيرهم مما يدل على أن مجتمع المسلمين التاريخي عرف في سياقه نموذجا يوازي المواطنة المعاصرة من حيث تكافؤ الفرص بين أبناء البلد الواحد دون تميز على أساس العرق أو الدين أو اللون.

 

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة