فكر

الأمة مصدر السلطات

4 ديسمبر, 2016

2
مشاركة

يقوم نظام الديمقراطية على فكرة مركزية، هي أن الأمة مصدر السلطات؛ أي السلطات الثلاث التي تقوم عليها الدولة، وهي: السلطة التشريعية، والقضائية، والتنفيذية.

وعن هذه الفكرة المركزية تتفرع سائر المقولات الأساسية للديمقراطية؛ من: اختيار الحاكم بواسطة الأمة، وحق الأمة في محاسبته وعزله، وكذلك حقها في تداول السلطة، والتمتع بالحريات العامة، وتكوين الأحزاب، وإصدار الصحف.. إلى غير ذلك من أسس ومبادئ.

فالديمقراطية “مذهب يقوم على أن الأمة مصدر السلطات، وأن إرادتها هي أصل السيادة ومصدرها في الحكم”([1]).

ولكي نفهمَ الأساس الأهم الذي تقوم عليه الديمقراطية- وهو الأمة مصدر السلطات- وندركَ مدى اتفاقه أو اختلافه مع أسس النظام السياسي الإسلامي، لابد أن نتعرف على معنى “السيادة” المراد إسنادُها إلى الشعب، كحق أصيل له في النظام الديمقراطي.

مفهوم السيادة

يقصد بالسيادة تلك السلطة العليا التي لا تعرف- فيما تنظم من علاقات- سلطة عليا أخرى بجانبها. ولها وجهان: سيادة داخلية، وسيادة خارجية. فالسيادة الخارجية يقصد بها: عدم خضوع الدولة لدولة أجنبية، وذلك فيما عدا ما تعقده من اتفاقيات دولية، فهذه الاتفاقات إنما هي مظهر من مظاهر سيادة الدولة. وسيادة داخلية، ويقصد بها: أن للدولة سلطة لا تعلوها سلطة أخرى في ميدان نشاطها داخل الدولة، أي في علاقاتها بالأفراد أو الجماعات التي تقطن أرض الدولة([2]).

والسيادة نوعان: سيادة قانونية، وسيادة سياسية؛ السيادة القانونية: هي السلطة القانونية المطلقة التي تملك- دون منازع- الحقَّ القانوني في مطالبة الآخرين بالالتزام، والخضوع على النحو الذي يحدده القانون. أما السيادة السياسية فهي: القوة السياسية غير المقيدة، أي القادرة على فرض الطاعة، وهو ما يستند غالبًا إلى احتكار قوة الإرغام([3]).

اتجاهان في الفكر الإسلامي 

يمكن أن نلاحظ انقسامًا في الفكر الإسلامي بشأن “نظرية السيادة”- التي انبنى عليها أن الأمة مصدر السلطات- إلى اتجاهين:

الأول: ومن أشهر أصحابه أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب؛ وهذا الاتجاه يُرجع السيادة في النظام الإسلامي إلى الله عز وجل، وأن هذه السيادة- أو الحاكمية- لا يمكن تجزئتها، واعتبروا تجزئة الحاكمية فتنةً وكفرًا([4]).

يقول المودودي: “ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة، نصيب من الحاكمية؛ فإن الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم. ليس لأحد من دون الله شيء من أمر التشريع، والمسلمون جميعًا- ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا- لا يستطيعون أن يشرِّعوا قانونًا، ولا يقدرون أن يغيروا شيئًا مما شرع الله لهم”([5]).

كما يؤكد المودودي أن “حق السيادة لله وحده؛ الذي خلق البشر، ويسَّر لهم أمور حياتهم ومعاشهم؛ ناصيةُ الخلائق بيده، وشئون العوالم كلها في قبضته، وأي ادعاء بالسلطة والسيادة ضمن نطاق سيادة الله وسيطرته، فهو ادعاء باطل سخيف غير ذي موضوع، وما ينجم من آثار سيئة يقع على المدعين أنفسهم، الذين تجاوزوا مكانهم الحقيقي، ووضعهم الصحيح؛ سواء كان هذا الادعاء من شخص، أو طبقة، أو كان مما يسمونه الجماهير”([6]).

أما الاتجاه الثاني، فمن أبرز القائلين به: د. محمد يوسف موسى، ود.الترابي، ود.القرضاوي، ود.محمد عمارة، وآخرون. وهم يرون أن الأمة مصدر السلطات، وصاحبة السيادة، ولكن في حدود الشريعة الإسلامية وثوابتها ومقاصدها.

يؤكد د. محمد يوسف موسى أن “مصدر السيادة هو الأمة وحدها لا الخليفة، وذلك لأنه وكيل عنها في أمور الدين، وفي إدارة شئونها حسب شريعة الله؛ وهو لهذا يستمد سلطانه منها، ولها حق نصحه وتوجيهه وتقويمه إن أساء، بل حق عزله.. فيكون من المنطق أن يكون مصدر السيادة هو الموكل الأصيل، لا النائب الوكيل. وهذا ما قال جمهور الفقهاء والعلماء بالفقه السياسي من المسلمين القدامى والمحْدَثين”.

ويستدل د. موسى على رأيه بحديث: “لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةِ”، أو كما جاء في رواية أخرى: “سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لاَ تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ وَأَعْطَانِيهَا”. وبأن القرآن في كثير جدًّا من آياته يتوجه بالخطاب في الأمور العامة إلى المؤمنين، أي إلى الجماعة الإسلامية كلها؛ وما هذا إلا لأنها صاحبة الحق في تنفيذ الأوامر، والرقابة على القائمين بها؛ وهذا بيقين مظهر السيادة والسلطان”([7]).

ويشير د. موسى إلى نقطة مهمة، وهي أنه إذا كانت السيادة للشريعة- كما هو ثابت فعلاً- فلابد للسيادة ممن يمثلها، فيقول: “مصدر السيادة هو التشريع، الذي يؤخذ من الكتاب والسنة الصحيحة إذا أسعفت النصوص، والذي- فيما لا نصوص فيه- لا يتعارض مع شيء من روح هذين الأصلين المقدسين ومقاصدهما. ومن الطبيعي أنه لابد للسيادة ممن يمثلها؛ وهنا نقول: إن الذي يمثلها هم أهل الحل والعقد نيابةً عن الأمة كلها؛ وحينئذ تكون قراراتهم والقوانين التي تصدر بناءً على ما يتفقون عليه، صحيحة شرعًا، وملزمة للأمة جميعا”([8]).

لماذا حدث اللبس؟

حتى نستطيع تحرير المسألة بصورة أوضح، من المهم أن ننتبه إلى الفرق بين السيادة السياسية والسيادة القانونية؛ فالخلط بينهما هو- في رأيي- ما أحدث اللُّبْسَ عند البعض.

فـ “السيادة السياسية”– بمعنى السلطة الفعلية الواقعة في الحياة، والقيام بتنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض- في المنظور الإسلامي هي حق للأمة، ويتولاها الحاكم نيابةً عنها، برضاها التام، وتحت رقابتها الدائمة؛ لأن الأمة مستخلَفة عن الله، بينما الحاكم مستخلَف عن الأمة، ولذا كانت الأمة هي الأصل. يقول د. عمارة: “فالأمة هي المستخلَفة عن الله، سبحانه وتعالى، أما الدولة [أو الحاكم] فهي الخليفةُ عن الأمة بالاختيار، والخاضعةُ لرقابتها وحسابها؛ فالطرف الأصيل في نظرية الخلافة والاستخلاف هو الأمة”([9]).

أما “السيادة القانونية”، فقد يراد بها: “التشريع”؛ وهو حق لله سبحانه وتعالى، لا ينازعه فيه أحد، قال تعالى : {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (الأعراف: 54). وقال أيضًا: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 40).

وقد يراد بها: “التقنين”– وهو المعنى الشائع لكلمة “التشريع”- فهي سلطة ممنوحة للعلماء المجتهدين، ولأولي الأمر- بإشراف العلماء- من باب “المصالح المرسلة”، وهذا هو العمل المنوط بالمجالس التشريعية في المفهوم الإسلامي؛ فهي لا تشرِّع ابتداءً، إلا فيما سكت عنه الشرع، وفي هذه الحالة يجب عليها أن تلتزم بالضوابط الشرعية المقررة في باب الاجتهاد وشروطه.

و”الديمقراطية تجعل السيادة في التشريع ابتداءً للشعب والأمة؛ إما صراحة، وإما في صورة ما أسماه بعض مفكريها بـ(القانون الطبيعي)، الذي يمثل بنظرهم أصولَ الفطرة الإنسانية؛ فالسيادة وكذلك السلطة في الديمقراطية هما للإنسان، الشعب والأمة. أما في الشورى الإسلامية، فإن السيادة في التشريع ابتداءً هي لله سبحانه وتعالى، تجسدت في الشريعة التي هي (وضْعٌ إلهي)، وليست إفرازًا بشريًّا ولا طبيعيًّا. وما للإنسان في التشريع هي: سلطة البناء على هذه الشريعة الإلهية، والتفصيل لها، والتقنين لمبادئها وقواعدها وأصولها، والتفريع لكلياتها. وكذلك لهذا الإنسان سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سماوي، شريطة أن تظل (السلطة البشرية) محكومة بإطار الحلال والحرام الشرعي، أي محكومة بإطار فلسفة الإسلام في التشريع”([10]).

ومن ثم، فإن مفهوم السيادة القانونية في المنظور الإسلامي يختلف اختلافًا جذريًّا عنه في منظور الديمقراطية؛ بخلاف مفهوم السيادة السياسية الذي يكاد يتفق عند الجانبين، من حيث إعلاء إرادة الأمة وإنفاذها.

سيادة الله وسيادة الأمة.. في مقابل ماذا؟

نستطيع أن نخلص إلى أنه إذا كان جوهر الديمقراطية يتمثل في “سيادة الأمة”؛ فإن الديمقراطية في هذا تلتقي مع نظرية الإسلام في الحكم، غير أن الديمقراطية لا تضع سقفًا لهذه السيادة؛ بينما الإسلام يجعل تلك السيادة تدور في فلك الشريعة وقيمها، التي لا تعجز عن تلبية طموحات الإنسان عبر اختلاف الزمان والمكان.

فـ “سيادة الأمة”- في المنظور الإسلامي- تَرِدُ في مواجهة طغيان الحكام واستبدادهم، أما “سيادة الله” فترد في مواجهة من يريد الخروج بسيادة الأمة على منهج الله.

بمعنى: إذا أراد أحد أن يستبد، نقول له: لا؛ إن السيادة للأمة. وإذا أراد أحد أن ينحرف بالتشريع عن منهج الله، نقول له: لا؛ إن السيادة لله.

وليس من المقبول- إسلاميًّا- أن تَرِدَ سيادة الأمة في مقابل سيادة الله سبحانه؛ بل هي في مقابل الاستبداد والطغيان.

وبهذا يتبين لنا موضع التقاء وافتراق المنهج الإسلامي بالنسبة لنظرية “سيادة الأمة”، التي مثلت الأساس لمبدأ “الأمة مصدر السطات”، أهم إحدى ركائز الديمقراطية.


([1]) “دليل الديمقراطية”، تحرير: د. عبد المنعم المشاط، ص: 9، مكتبة الشروق الدولية، ط1، 2011م.
([2]) “القانون الدستوري والأنظمة السياسة، مع المقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية”، د. عبد الحميد متولي، ص: 35، منشأة المعارف، 2007م.
([3]) الموسوعة الحرة “ويكيبديا”، رابط:
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9
([4]) “التعددية السياسية في الدولة الشورية”، د. محمد عبد الرحمن بالروين، ص: 66 وما بعدها، مكتبة وهبة، ط2، 2007م.
([5]) “نظرية الإسلام وهديه”، المودودي، ص: 33، نقلاً عن المصدر السابق، د. بالروين، ص: 67.
([6]) “الإسلام والمدنية الحديثة”، المودودي، ص: 46، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط9، 1987م، جدّة.
([7]) نظام الحكم في الإسلام، د. موسى، ص: 100.
([8]) المصدر نفسه، د. موسى، ص: 105.
([9]) “هل الإسلام هو الحل؟ لماذا وكيف”، د. محمد عمارة، ص: 112، دار الشروق، ط2، 1998م.
([10]) المصدر نفسه، د. عمارة، ص: 84.
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019