فكر

السعودية وأفريقيا..هل جاء الرد على إيران متأخرا؟!

أعلنت عن قاعدة عسكرية لها في جيبوتي

19 ديسمبر, 2016

38
مشاركة

في خبر تم نقله عبر وسائل إعلامية متعددة قال وزير الخارجية الجيبوتي إن زيارة لقيادات عسكرية سعودية كانت قد جرت لبعض المناطق في جيبوتي تمهيدا لإقامة قواعد عسكرية هناك… متوقعا ان يتم ذلك في القريب العاجل.

التحرك السعودي في اتجاه أفريقيا على هذه الدرجة من إقامة قواعد عسكرية يفتح المجال واسعا أمام سيل من الأسئلة التي لا تتعلق بالحالة الراهنة فحسب وإنما يتسع أفقها ليشمل الماضي وخطاياه، والمستقبل وما يجب أن يكون عليه!!

فهل ستتحول القارة السمراء إلى ساحة للصراع السني الشيعي، وكيف تراها إيران الشيعية، او بالاحرى الفارسية؟ وماذا عن المملكة لعربية السعودية، الدولة حامية المنهج السني… هل تحركت متأخرة صوب القارة الشابة .. أفريقيا؟ أم يصدق عليها ” أن تاتي متأخرا خير من ألا تأتي”؟

وفي السياق ذاته ياتي السؤال عن تأثيرات صراع النفوذ هذا على الإقليم كله؟ وهل ستستمر تلك الحرب المعلنة في اماكن والباردة في اخرى طويلا ام ان الديلوماسية تقتضي نوعا آخر من التعامل ربما يكون اقتساما للكعكة على حساب الثوابت بحسبان السياسة لا تعرف هذا المصطلح الاخير؟

لماذا أفريقيا؟

هذا هو السؤال التأسيسي الذي اجابت عنه القوى الدولية منذ القدم وبدأت إيران تعيه منذ تسعينات القرن الماضي على وجه التحديد، وبعد أن انتهت حربها الضروس مع العراق.. في غيبة من القوى العربية التي تمثل المشروع السني المناهض للمشروع الشيعي على مستوى النفوذ والتوسع كما يفترض.

وهنا لا بد وأن نشير إلى أن أفريقيا تعد احد مطامع كل القوى التي تريد ان تتبوء الصدارة على عجلة القيادة العالمية، ففوق موقعها المتميز وما بها من عوامل طبيعية فإن بها مخزونات قابلة للاستخراج من النفط الخام والغاز والفحم واليورانيوم -تثير شهية أي دولة لديها نية في لعب دور إقليمي ودولي- تقدَّر بنحو 13- 14.5 تريليون دولار، و1.7 تريليون دولار من الثروة الكامنة والإنتاج في قطاعات مثل: الزراعة والسياحة والمياه، قدَّرتها دراسة حديثة أعدتها (أفريكا إنفستور) و (أفريكا غروب) للأبحاث الاستثمارية.. (إيران المتجهة إلى إفريقيا تبشيراً واستثماراً- أمير سعيد- موقع مجلة البيان)

هذا على المستوى العام الذي يدركه كل اللاعبين في الساحة الأفريقية، لكن على مستوى إيران فإن لها مجموعة من الأسباب جعلتها تذهب في اتجاه القارة السمراء واضعة مجموعة من الخطط الاستراتيجية ظهر كأولوية على أجندة رؤساء ثلاث.. رافسنجاني وخاتمي ونجاد.. مثلوا تلك الفترة من التسعينات وحتى بداية ولاية حسن روحاني الرئيس الإيراني الحالي..

دوافع التطلع

ولعل أهم تلك الأسباب هي:
1) الظهير السياسي: نعم… فإيرن في معركتها _تتفق او تختلف في حقيقتها المهم أنها في العلن معركة_ مع أمريكا والدول الغربية كانت بحاجة إلى ظهير سياسي يمثل لها عمقا داخل المؤسسات الدولية، فالصوت الواحد ربما مثل فارقا في قضايا حيوية وحساسة داخل تلك المؤسسات..
فكان هذا الهدف أحد أهم أسباب اتجاه إيران لأفريقيا، وقد ظهر ذلك جليا في مواقف كثيرة نجحت فيها إيران على الأقل في تحييد أصوات أصحابها، وكانت أبرز تلك المواقف ما تعلق بأزمة الانتخابات الرئاسية سنة 2009 والعنف الذي مارسه النظام الإيراني ضد أنصار الحركة الخضراء، حيث صوتت الأمم المتحدة في نوفمبر من نفس السنة على حالة حقوق الإنسان في إيران، وتحفظت جميع دول غرب أفريقيا ما عدا ليبيريا وتوغو على قرار الأمم المتحدة ضد إيران.. مما اعتبر وقتها نجاحا للدبلوماسية الإيرانية.. (أميرة محمد عبد الحليم، أحمدي نجاد في غرب أفريقيا، الأهرام الرقمي، 01/02/2011)

2) اليورانيوم: وهذا ما يعتبره البعض كلمة السر في اتجاه إيران نحو أفريقيا، فالقارة السمراء من أكبر منتجيه، حيث تسهم بحصة تقارب الـ 20% من الإنتاج العالمي، وتمتلك إحدى دولها وهي النيجر سادس أكبر احتياطيات منه..
وبحسب محللين فإن طهران قد سلكت اكثر من طريق في سبيل الحصول عليه من أفريقيا، حيث قايضت به مرة مقابل النفط، ومرة اخرى تجعله ثمنا لمشروعات بنية تحتية في تلك الدول تقدم فيها أفضل ما لديها، ومرة يكون ثمنا لتبادل تجاري بينها وبين تلك الدول، كما حدث مع غينيا الذي تم اكتشاف اليورانيوم فيها في العام 2007م وعلى إثره زاد التبال بينها وبين إيران بنسبة 140% .

3) التشيع: وربما يتداخل الدور بين كونه هدفا وبين كونه وسيلة لبلوغ أهداف اقتصادية وسياسية، فقد استطاعت إيران ومن خلال خطط استراتيجية محكمة ان تجعل من المذهب الشيعي احد وجوه الإسلام في أفريقيا.. خاصة في دول غرب القارة حيث تشير الإحصاءات ذلك.

الأرقام تتحدث

وهنا لا يمكننا تجاهل نجاحات إيران في القارة الأفريقية والتي تنطق بها الأرقام دون مواربة او مجاملة، مع وجود تشكيك على الأقل في الارقام الصادرة من خلال مصادر معروفة بتحيزها الأيديولوجي لصالح الدولة الشيعية ذات الأصول الفارسية..

فعلى صعيد الاهتمام السياسي لتتضح المقارنة مع المشروع العربي السني داخل القارة عند من يعتبرهما متقابلين، تتضح الهوة، فنشاط إيران الدبلوماسي تتحدث الأرقام به من خلال سفارات في أكثر من 30 دولة، والعديد من القمم الإفريقية الإيرانية المشتركة، وكونها عضوا مراقبا في الاتحاد الأفريقي..

وعلى مستوى الحضور على أجندة الدولة فقد قام الرئيس السابق أحمدي نجاد بأكثر من ست جولات لدول غرب أفريقيا، كما قام كبار المسؤولين الإيرانيين عام 2009 بما يقارب من 20 زيارة لعدد من الدول الإفريقية، ونظمت إيران ما بين عامي 2002 – 2006 حوالي 32 معرضا تجاريا في إفريقيا.. (عبد الله ولد محمد بمب، الحضور الإيراني في غرب إفريقيا: استثمار أسواق تشيع؟، موقع الميادين)

وعلى مستوى الأرقام الاقتصادية هناك تصريح سابق لسفير جنوب أفريقيا لدى إيران، ويليام مكس وايت هيد، أن التبادل التجاري بين إيران وبلاده وصل إلى 2 مليار دولار.

ولعل هذه الارقام لم تات من فراغ فبحسب باحثين فإن إيران انتهجت مجموعة من السياسات الرخوة، التي ساعدت على التوغل في أفريقيا، من بينها تقديم مساعدات تنموية في مجالات التكنولوجيا، ومجالات الطاقة والتنقيب عن البترول والاستكشافات البترولية، وصيانة معامل تكرير النفط، والصناعات البتروكيماوية والغاز، وتنمية القطاعات الزراعية والصحية وإنشاء السدود، بالإضافة إلى تصدير النفط لبلدان القارة الأفريقية بأسعار رخيصة مقارنة بالسوق العالمي..(عرفة البنداري.. رصيف 22)

ومن ذلك ما أشار إليه سفير جنوب أفريقيا في تصريحه سالف الذكر من أن مصافي جنوب إفريقيا بنيت على يد إيران وأن 70% من نفط بلاده يتم استيراده من إيران، وهذه السياسة هي ما جعلت قيمة صادرات النفط الإيراني لإفريقيا عموما ترتفع من 1.3 مليار دولار عام 2003، إلى 3.6 مليارات دولار عام 2012.

وبين 2003 و 2008، تضاعف حجم الصادرات الإيرانية لأفريقيا 5 مرات مقارنة بالسنوات الخمس التي سبقتها، وبلغ حجم الصادرات الإيرانية لأفريقيا عام 2001 نحو 90 مليون دولار، بينما وصلت إلى 291 مليون دولار عام 2008، وتضاعفت في العام 2016م

السعودية وجيبوتي والرد

لعل توقيت إعلان جيبوتي عن زيارة الوفد العسكري السعودي إليها وهو توقيت اختارته السعودية قطعا يؤكد أن ثمة مجموعة من الرسائل المهمة لأطراف مختلفة…

فالملك سلمان في زيارة خليجية وصفها البعض بالتاريخية نظرا لنمو الخطر الإيراني المتصاعد على دول الخليج، وكذا فإن القضية السورية واليمنية في منعطف خطير، بسبب تدخلات إيران وميليشياتها.. أضف لذلك أيضا تصريحات رئاسة الأركان الإيرانية بأن طهران باتت تسيطر على مضيق هرمز والخليج العربي بالكامل..

كل هذه التطورات جعلت من توقيت الإعلان عن القاعدة العسكرية في جيبوتي أمرا حيويا يحسب للدبلوماسية السعودية، لأنه وبحسب محللين فإن السيناريو الأكثر كارثية للمملكة ولكل دول الخليج بالتبعية هو أن تتمكن إيران من خنقها بحريًا من الشرق، عبر الخليج العربي، والغرب، عبر البحر الأحمر، لذلك فإن التواجد العسكري للرياض في باب المندب بات مهمًا بل مسألة حياة او موت في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه..

وكأن الرياض تقول للإيرانيين بلغة واضحة: إذا كنتم تقولون إنكم تسيطرون على الخليج العربي، فإننا نسيطر على باب المندب، ولن تتمكنوا من خنق شرياننا البحري وصادراتنا من البترول.

ويبدو ان الرسالة كانت اكثر وضوحا حينما أعلن وزير خارجية جيبوتي بأن بلاده “استشعرت منذ البداية، أن التعاون مع طهران ظهر فيه كثير من اللبس، وأمور قد تدخل جيبوتي في متاهات، فآثرت الابتعاد عنها”… هو إذن يؤكد أن بلاده انحازت في الصراع للمملكة وللحقوق العربية.. فالرسالة واضحة لإيران.. لا تحاولوا فقد أغلقنا الباب.. لكن هل توجد تلك اللغة في السياسة، وهل يقتنع السياسيون بها ويصمتوا؟ اعتقد أن النفي أقرب للصواب..

وفي جيبوتي لاعبون كثر

وما يؤكد أن المملكة قد تأخرت كثيرا في تلك الخطوة أو بتعبير أدق أن عدم وجود مشروع سني متبلور، ان جيبوتي منذ امد بعيد وهي تمثل ملعبا يتبارى فيه الجميع من أجل الوجود بجانب واحد من أهم ممرات الملاحة العالمية الذي يكتسب موقعا استراتيجيا في خارطة التفاعلات الكبرى..

ففيه قاعدة “ليمونير” العسكرية الأمريكية التي يتمركز فيها 4 آلاف فرد، أنشأتها واشنطن عام 2001، وفيها القاعدة الفرنسية الملاصقة لمطار جيبوتي، والتي تُعد أقدم القواعد العسكرية الفرنسية في القارة السمراء، إذ يرجع عمرها إلى نحو 100 عام، ويتمركز فيها 900 عسكري، مقابل عقد إيجار بـ34 مليون دولار سنوياً.

حتى اليابان غير الموجودة على خارطة الصراعات لم تستطع ان تترك هذا المكان الحيوي دون قاعدة فأنشأت واحدة عام 2011م هي القاعدة الوحيدة لها خارج أراضيها، ويتمركز فيها 600 عسكري، وتدفع مقابل ذلك 30 مليون دولار سنوياً.

أيضا لإيطاليا قاعدة منذ عام 2013، وبها 300 جندي، بإيجار بلغ 34 مليون دولار سنويا.
أما القوة الصينية الصاعدة فقد توصلت إلى اتفاق مع جيبوتي يقضي ببناء أول قاعدة لها في الخارج، ستدخل الخدمة بحلول 2017، وستنشر بكين فيها قرابة 10 آلاف عسكري، وستدفع أكثر من عشرين مليون دولار سنويا مقابل استئجارها، على أن يستمر العقد بين الجانبين لمدة عشر سنوات.

كل هذا ونحن العرب وكأننا غير عابئين، وكأننا غير معنيين… لكن اما وقد حدث فانت تأتي متأخرا خير من أن لا تاتي!!

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016