فكر

تجارب تنموية..النهوض الصيني(2 ـ 2)

22 يناير, 2017

1
مشاركة

الناظر في خصوصية التجربة الصينية ونجاحها النموذجي، باعتبار الزمن ـ حيث ظلت إلى عهد قريب دولة متخلفة جدا (ما قبل 1978)ـ يلاحظ الدور الكبير للسياسات الاقتصادية التي تم انتهاجها، والتي جمعت إلى تهيئة المناخ للنهوض، سعيا حثيثا إلى توجيه العامل الخارجي، وهو درس بليغ للبلدان التي تجمع إلى غياب الرؤية في التعاطي مع إفرازات العولمة وتحدياتها وإمكاناتها؛ حالة من العجز في تحريك الحياة الداخلية، بله تحفيزُ العملِ والإنتاج وريادةُ المجتمع:

كيف تعاطت الصين مع العولمة الاقتصادية؟

أرادت الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات أن توظف الانفتاح الاقتصادي الصيني منذ بداية الثمانينيات في الحصول على يد عاملة رخيصة، تدر ريعها على بلدانها ونخبها المالية، ولكن الصين لم تكتفي بفتح مناخها الاستثماري لقاء عوائد الضرائب، كما تفعل الدول الريعية في أغلب بلدان العالم الثالث، بل سخرت هذه الرساميل وتقنياتها التي أتت معها لتحقيق تنمية صناعية، وكانت البداية في توجيه الاستثمارات إلى الصناعات التحويلية حتى تضمن الصين سيادتها على مواردها أولا (إخراج التعدين والطاقة من عبث الاستثمار الأجنبي المباشر)، وحتى تحقق نقل التقانة ثانيا، عقدة التنمية الصناعية لدى بلدان العالم الثالث، التي يسببها الاحتكار الأناني للعلم من قبل البلدان الصناعية. صحيح أن بذرة التصنيع تحققت منذ الأيام الأولى للتعاون العسكري الصيني الروسي، حين حرصت الصين على الاستفادة من الصناعات العسكرية الروسية، ونقلها إلى مجالات مدنية، كصناعة المعدات الزراعية، ولكن الاستثمارات الأجنبية الغربية قد استُدرجت لتحقيق هدف التنمية الصناعية واستنباتها في التربة الصينية.

كانت الرؤية واضحة للصينين في التعاطي الحذر مع الاستثمار الغربي الأجنبي، فالمهم كما يقول الرئيس الصيني الأسبق دينج شياو بينج (ليس لون القط، المهم أن يصطاد الفأرة).

كانت الصين، كما يظهر في الأدبيات التنموية لقادتها على وعي بأهمية التعاطي مع المتغيرات الاقتصادية العالمية برؤية مرنة وموجَّهة في ذات الوقت، (وقد قسم أحد مستشاري الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي زهاوزيانج الدول إلى أربع مجموعات من حيث القدرة على التعامل مع المتغيرات التي تصيب المجتمع الدولي في جوانب عدة، وهي كالآتي:

أ- حكومات جامدة واقتصاد جامد: أي أن هيكل السلطة من ناحية وبنية الاقتصاد من ناحية ثانية ليسا مؤهلين للتكيف مع المتغيرات، ومثال ذلك الاتحاد السوفيتي سابقا.

ب- حكومات جامدة واقتصاد مرن: أي أن آليات التكيف في القطاع الاقتصادي أوفر منها في القطاع السياسي، ومثال ذلك الدول التي كانت تدعي “النمور الآسيوية”.

جـ – حكومات مرنة واقتصاد جامد: أي إنه نمط مغاير للنمط السابق، ففي هذا النمط تكون الحكومة أكثر قدرة على التكيف من البنية الاقتصادية، كما هو الحال في الهند.

د – حكومات مرنة واقتصاد مرن: وهو النمط المتوافر في الدول المتطورة، حيث يتمتع كل من الحكومة والاقتصاد بوفرة لآليات التكيف مع التغيرات الدولية. ويرى المستشار أن الصين يجب أن تعمل على الانضمام إلى هذه المجموعة)(1)

ومن جوانب تهيئة المناخ الداخلي للنمو الاستثمار الكبير في البنى التحتية ؛ حيث استثمرت الصين مثلا مابين 2003 و 2014 تريليون دولار على شق الطرق الجبلية ومد شبكات الكهرباء والاتصالات الهاتفية والانترنتية..

ماذا عن التعليم؟  

الحقيقة أننا أخرنا ما حقه التقديم، فأي نهضة حقيقية لا يمكن بناؤها دون نمو معرفي حقيقي، ولكن فرادة التجربة الصينية في النمو تطلبت ذلك، وأعتقد أن الجانب العلمي كان فاعلا ولكنه لم يكن بارزا في السنوات الأولى، ولكنه وظَّف القفزات الأولى توظيفا سريعا، ومن ثم يمكن أن نقول إن النمو كان مقدمة للبحث العلمي والتعليم الجيد وكانت التنمية نتيجة لهما.

فاللغة الصينية هي اللغة التي يدرس بها كل شيء، مما يدل على استنبات حقيقي وتبيئة حقيقية للتقدم العلمي المتحقق، وهذا يعني أن الطالب الجامعي في جامعات العلوم التطبيقية يدرس علما صينيا، ويفكر بلغة صينية، ويقدم براءات اختراع تنتمي لحضارته وبلغته.

هناك إلزامية للتعليم وانتشار واسع للتعليم الأساسي، مع تفاوت في مستويات التعليم بين المناطق، وقد حققت بعض الجامعات في سياق التصنيف العالمي رتبا متقدمة.

وقد عمل الصينيون على إصلاح التعليم واعتماد مقاربات جيدة في شأنه، جمعت بالإضافة إلى الاطلاع على التجارب العالمية، القيام بالمسوحات التقييمية وإشراك الممارسين التربويين في وضع وثائق الإصلاح التعليمي، ثم صياغتها من طرف الخبراء وتطبيقها أوليا على مستوى بعض الأقاليم، ثم تدارك العيوب وصياغة الإطار الاستراتيجي الكلي للتعليم على المستوى الوطني.

ومع ذلك هناك اعتراف في الصين من طرف بعض نخبها على أن التحدي الحالي هو تطوير البحث العلمي والريادة في مجال التكنولوجيا، والإختراع.

إن الملفت في الانتباه في السياسات التنموية الصينية أنه رغم اعتمادها على الحقائق والأرقام والتوجهات المحددة فإن رائدها في كل ذلك ووفقه مجموعة من الشعارات التي تلخص السياسات والأهداف الكبرى لعملاق مُصر على النهوض، وهذا يمثل ما أعتبره جانب الأشواق الحضارية في التنمية كأنه الحداء التنموي، إنها الآفاق الرحبة التي تمثل الأبعاد القيادية المحفزة التي يحتاجها المجتمع ويحتاجها الفريق القيادي..في بلادنا لا حداء تنموي ولا أشواق للتفوق رغم أننا أمة تجيد السير عند انتصاب الأهداف، ولكن:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم    ولا سراة إذا جُهالهم سادوا

تلك نظرات عجلى في هذه التجربة المهمة، لا ترقى إلى مستوى الدراسة المتأنية والناقدة، ولكنها تقدم شذرات تنموية من واقع شاهد، عل وعسى..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ  التجربة الاقتصادية الصينية، ورقة منشورة على الموقع الالكتروني لمركز دراسات الصين وآسيا.[1]


التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017